مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين
بسمه تعالى
توضيح حول مصطلح الحوزة العلمية
ظهرت في الآونة الاخيرة بعض المسميات التي لم نكن نسمع بها من قبل بل ولم نجد لها ذكراً في قواميس الحواضر العلمية، مثل قولهم (الحوزة العلمية الشريفة) و(المرجعية الصامتة) مما حدا ببعض وسائل الإعلام الاتصال بنا مكرراً للاستفسار عن حقيقة ودلالة هذين المصطلحين ولإجابة على السائلين ولتعميم الفائدة نقول:
أولاً : هناك اصطلاح واحد عرفته الحواضر العلمية منذ القديم وإلى الآن ، وهو (الحوزة العلمية) دون أن توصف بشيء، والمراد بها الجامعة العلمية في النجف الاشرف أو قم المقدسة أو غيرهما من المدارس العلمية الأخرى، والتي يدرس فيها طلبة العلوم الدينية اللغة العربية والاصول والفقه والحديث والعقائد والفلسفة وغيرها من العلوم الدينية أو مقدماتها ، والتي يعبر عنها أكاديميا (الدراسات الإسلامية) أو (اللغة العربية والعلوم الإسلامية) وهي عبارة عن ثلاث مراحل (المقدمات، السطوح، والسطح العالي) ويأتي بعدها (درس الخارج) حيث يتهيأ فيها الطالب للوصول إلى مرحلة الاجتهاد. والطالب في المراحل الأولى يتعلم العلوم الأولية، وإذا كان مجداً فقد يصل الى مرتبة التبليغ دون أن تكون له القدرة على الخوض في الأمور الفقهية والسياسية والإدارية وغيرها من متطلبات إدارة المجتمع.
أما الأمور القيادية والسياسية والتنفيذية والفتاوى الشرعية فهي من وظيفة الفقهاء والمراجع العليا ممن تتوفر فيهم القدرة والإحاطة بجميع هذه العلوم والمعارف خصوصاً من لهم أتباع ومقلدون في أنحاء العالم كالمراجع العليا للطائفة أمثال المرحوم السيد أبو الحسن الاصفهاني والسيد كاظم اليزدي والسيد حسين البروجردي والسيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي والسيد السيستاني (مد ظله). ووظيفة هؤلاء المراجع مضافاً لوظائفهم الافتائية توجيه المجتمع وقيادته للعمل وفق أحكام الدستور الإسلامي، وتنفيذ ما فيه الصالح لإدارة شؤون العباد والبلاد مما يجعل العالم ينعم بالأمن والإستقرار والحرية ،وفق الضوابط الشرعية دون أن يكون من الضروري أن يباشر المرجع العمل بنفسه، لا لأن المرجع غير قادرعلى ذلك، بل لأنه الرأس (قمة الهرم) إضافة إلى أن مقام المرجعية هو مقام الأبوة والرعاية العامة لكافة فئات المجتمع بمختلف مذاهبه وأطيافه، نعم إلا إذا اقتضت الضرورة للدفاع عن بيضة الإسلام فيكون ذلك من باب الفرض الشرعي عليه كما على غيره دفاعاً عن الإسلام ، وقد يحكى هذا المعنى عملياً في ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني فخرج المراجع والمجتهدون والعلماء للدفاع عن الإسلام والتراب الإسلامي ضد الاحتلال الأجنبي .
أما في الوقت الراهن وضمن الأوضاع الحالية التي يعيشها العراق يرى سماحة السيد مد ظله أن وظيفة رجل الدين تقتصر على التوصية والإرشاد والنصيحة ،كما جاء في الجواب الصادر من مكتبه في النجف الاشرف بتاريخ 17 صفر 1424 هجرية وإليكم نص السؤال والجواب :
السؤال: ما هي حدود وظيفة رجل الدين في الوقت الحالي؟
الجواب: لا يصح أن يزج رجال الدين في الجوانب الإدراية والتنفيذية، بل ينبغي أن يقتصر دورهم على التوجيه والإرشاد والإشراف على اللجان التي تشكل لإدارة أمور المدينة وتوفير الأمن والخدمات العامة للأهالي.
وذلك لأن الحوزة العلمية بالمعنى المتقدم ،غير قادرة على إدارة المجتمع سياسياً وأمنياً واقتصادياً وعسكرياً، لأن طلاب الحوزة في هذه المراحل بحاجة إلى التعلم والتزود بالعلوم والمعارف التي تربيهم وتثقفهم شخصياً، دون أن تكون لهم القدرة على الخوض في هذه الميادين التي قد يصعب على الكثير ممن لديهم الإحاطة بالأمور السياسية والإدارية والتنفيذية اتخاذ القرار المناسب وفي الوقت المناسب بشأنها ، هذا إضافة إلى أهمية مراعاة التخصص في كل شيء فلكل تخصصه واهتماماته وفنه.
ويحسن بي أن أوضح هنا إلى نقطة مهمة وهي أنه لا توجد عندنا مرجعية صامتة ومرجعية ناطقة، وإنما المرجع ينطلق في تحركه أو سكوته وفق الضرورات الشرعية التي يفرضها عليه الوضع الذي يراه شاخصاً أمامه ، فإذا كان الواجب الشرعي هو السكوت يلتزم الصمت، اقتداء برسول الله (ص) في شعب أبي طالب حينما حاصره المشركون، وإتباعاًَ لعلي أمير المؤمنين الذي بقي جليس داره مدة 25 سنة وهو حجة الله على الخلق أجمعين، وكما فعل الإمام الحسن المجتبى (ع) عندما صالح معاوية حقنا للدماء، وكما فعل الإمام السجاد (ع) والإمامين الباقر والصادق (ع) ومـَن بعدهما مـِن الأئمة (ع)، بسبب انعدام الأرضية للنهوض لعدم توافر الأعوان والناصرين حتى قال الإمام الصادق (ع) لبعض أصحابه : لو أن عندي 40 رجلا من الأنصار لما وسعني السكوت ، بينما ترى الرسول (ص) لما تهيأت له الظروف وقف وحارب ودافع ودخل مكة فاتحا،ً وكما فعل الامام علي (ع) يوم حارب الناكثين والقاسطين والمارقين ، وما فعله الإمام الحسين (ع) بمحاربته بني أمية، خير شاهد على ذلك ، وسيقوم الإمام الثاني عشر (ع) بمحاربة كل من يقف في وجهه ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ما ملئت ظلماً وجوراً.
فإذا تحركت المرجعية تحركت حسب قدرتها ووفق الظروف والأجواء المحيطة بها آخذة بنظر الاعتبار مصلحة الإسلام والأمة المسلمة، بعيدة عن الخوف والقتل والتشريد والتنكيل، فكم وكم قتل وسجن من علماء الطائفة في سبيل الإسلام والمذهب ، أما التحرك الانفعالي غير المدروس الذي يتصوره البعض من الناس فيه مصلحة للإسلام والمسلمين ! فهذا بعيد كل البعد عن منطق الإسلام ومصلحته ، وبهذا يتضح لنا أن ما طرح من مرجعية صامتة لا أساس له من الصحة إطلاقا .
مؤسـسة الإمام علي (ع) في لندن
24 ربيع الأول 1424 هـ
26/5/2003