مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين

جاء حديثه هذا في خطبة الجمعة بمدينة (ليستر) البريطانية مبتدءا بالاية الكريمة
((وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)).
فشرح بعض مضامين الاية، وذكر شروط الاستطاعة للحج وفق ما يذكره العلماء، واشار الى فضل حج بيت الله الحرام حتى لمن لم يستطع، وان الله عز وجل قد ضمن للحاج امورا لم يضمنها له في غيرها من العبادات.
ثم اشار سماحته الى الاهداف التي تضمنتها هذه الفريضة العبادية السياسية قائلا:
الحج اضخم مؤتمر اسلامي وتظاهرة ايمانية الرائعة يشترك فيها صنوف العباد ومن مختلف الاجناس والطبقات والقوميات على موعد واحد، وفي ارض واحدة يرددون هتافا واحدا ويمارسون شعارا واحدا ويتجهون لغاية واحدة وهي الاعلان عن العبودية والولاء لله وحده والتحرر من كل اثار الشرك والجاهلية بطريقة جماعية حركية تؤثر في النفس وتشبع المشاعر والاحاسيس بمستوحيات الايمان ومداليل التوحيد.
لان الحج كما صرح القران الكريم والاحاديث الشريفة الى جانب كونه عبادة وقربة الى الله سبحانه وتعالى، فان فيه منافع اجتماعية وفوائد ثقافية واقتصادية وسياسية وتربوية تساهم في بناء المجتمع الاسلامي وتزيد في وعيه وتوجيهه وتساهم في حل مشاكله وتنشيط مسيرته.
ولهذه الفريضة اهداف منها :
• المساواة: ففي الحج يشهد المسلمون اروع مظاهر المساواة والتواضع والاخوة الانسانية بالغاء الفوارق والازياء وخلع اسباب الظهور الاجتماعي والظهور بالباس العبادي الموحد (لباس الاحرام) حيث يحس الجميع بوحدة النوع الانساني وبالاخوة والمساواة .
• في الحج يستشعر المسلمون وحدة الارض ووحدة البشر ويمثلون عملية اسقاط الحدود التي صنعتها الانانيات والاطماع البشرية والاقليمية والقومية والعنصرية. فهم يقطعون الاف الاميال ويخترقون كل حواجز الحدود ويجتازون كل الموانع التي صنعها الانسان على ارض الله سبحانه، استجابة لنداء العقيدة وتلبية لهتاف الايمان.
• والحج يلتقي المسلمون بمؤتمرهم الكبير فيتذاكرون في شؤونهم ويتشاورون في امور حياتهم وعقيدتهم ويتبادلون الخبرات والتجارب والاراء والعادات الحسنة ويتعرف بعضهم على اخبار البعض الاخر، فيزداد الوعي وتنمو المعرفة وتشحذ الهمم من اجل الاصلاح والتغيير والاهتمام بشؤون الامة والعقيدة، فتخط المشاريع ويفكر في الاعمال وتؤسس المراكز الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ويستعين بعضهم بالبعض الاخر وكانهم جسد واحد وروح واحدة.
• والحج بما هو تجمع بشري ضخم ينتج حركة بشرية هائلة يتبعها تحرك اقتصادي ومالي ضخم عن طريق النقل والاستهلاك.وحمل البضائع وتبادل النقود وشراء الاضاحي والحاجيات ومستلزمات الحج والاقامة والسفر فينتفع العديد من المسلمين ويشهد مجتمعهم حركة اقتصادية ومالية نشطة.
• وفي الحج اعداد وتربية لسلوك الفرد ونوازعه، ففي الحج يعوّد الحاج الصبر وتحمل المشاق وحسن الخلق من اللطف والتواضع واللين وحسن المحادثة والكرم والتعاطف والامتناع عن الكذب والغيبة والخصومة والتكبر ...الخ.
• وفيه يتعود الالفة والتعارف عن طريق السفر والاختلاط وتنمو لديه الروح الاجتماعية وتتهذب ملكاته الاخلاقية عن طريق هذه الممارسة التربوية والتفاعل البشري الرائع الذي يشهده في الحج بارقى درجات الالتزام والاستقامة السلوكية.
وقد تحدث الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) عن منافع الحج وفوائده باجابته البليغة على سؤال ورده من هشام بن الحكم، حيث ساله قائلا: ما العلة من اجلها كلف الله العباد بالحج والطواف بالبيت؟
فقال (ع): (إن اله خلق الخلق ... وأمرهم بما يكون من أمر الطاعة في الدين ومصلحتهم من أمر دنياهم، فجعل فيه الإجتماع من الشرق والغرب ليتعارفوا، ولينزع كل قوم من التجارات من بلد إلى بلد، ولينتفع بذلك المكاري والجمال، ولتعرف آثار رسول الله (ص) وتعرف أخباره، ويذكر ولا ينسى..).
ويتطابق مع هذا التعليل والتحليل شرح حفيده الامام علي بن موسى الرضا (ع) لمنافع الحج واثاره الاجتماعية التي يجنيها الفرد والمجتمع حين قال:
(إنما أمروا بالحج لعلة الوفادة إلى الله عز وجل وطلب الزيادة، والخروج من كل ما اقترف العبد تائبا مما مضى، مستأنفا لما يستقبل، مع ما فيه من إخراج الأموال، وتعب الأبدان، والاشتغال عن الأهل والولد، وحظر النفس عن اللذات شاخصا في الحر والبرد، ثابتا على ذلك دائما، مع الخضوع والاستكانة والتذلل، مع ما في ذلك لجميع الخلق من المنافع لجميع من في شرق الأرض وغربها، ومن في البر والبحر، ممن يحج وممن لم يحج، من بين تاجر وجالب وبائع ومشترٍ وكاسب ومسكين ومكار وفقير، وقضاء حوائج أهل الأطراف في المواضع الممكن لهم الاجتماع فيه، مع ما فيه من التفقه ونقل أخبار الأئمة (ع) إلى كل صقع وناحية، كما قال الله عز وجل : ((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)) و( ليشهدوا منافع لهم ))).
وهكذا شاء الله ان يكون الحج محرابا للعبادة وموسما للتربية والتوجيه ومجالا للمنفعة وتحقيق المصالح الاجتماعية للانسان.
واتماما للفائدة نختم خطبتنا ببيان اسرار الحج المعنوية التي اشار اليها الامام زين العابدين (ع) في حديثه لبعض حجاج بيت الله الحرام، نقتطف بعضا منها للاختصار:
قال له الامام (ع) حججت يا هذا؟. قال: نعم يا ابن رسول الله، فقال (ع): أنزلت الميقات وتجردت عن مخيط الثياب واغتسلت؟!.. قال: نعم. قال (ع): فحين نزلت الميقات نويت أنك خلعت ثياب المعصية، ولبست ثوب الطاعة؟ قال: لا.
قال (ع): فحين تجردت عن مخيط ثيابك نويت أنك تجردت عن الرياء والنفاق والدخول في الشبهات؟ قال: لا.. قال (ع): فحين اغتسلت نويت أنك اغتسلت من الخطايا والذنوب؟ قال: لا..
قال (ع): فما نزلت الميقات، ولا تجردت عن مخيط الثياب، ولا اغتسلت.
ثم قال (ع): حين تنظفت وأحرمت، وعقدت الحج نويت أنك تنظفت بنور التوبة الخالصة لله تعالى؟ قال: لا.
قال (ع): فحين أحرمت نويت أنك حرّمت على نفسك كل محرّم حرّمه الله عزوجل قال: لا.
قال (ع): فحين عقدت الحج نويت أنك قد حللت كل عقد لغير الله؟ قال: لا.
قال له (ع): ما تنظفت، ولا أحرمت ولا عقدت الحج.
ثم قال (ع) له: أدخلت الميقات وصليت ركعتي الإحرام ولبيت؟؟ قال: نعم قال (ع) فحين دخلت الميقات نويت أنك بنية الزيارة؟ قال: لا.
قال (ع): فحين صليت الركعتين نويت أنك تقربت إلى الله بخير الأعمال من الصلاة، وأكبر حسنات العباد؟. قال: لا.
قال له (ع): ما دخلت الميقات ولا لبيت، ثم قال (ع) له: أدخلت الحرم، ورأيت الكعبة وصليت؟. قال: نعم.
قال (ع): فحين دخلت الحرم نويت أنك حرّمت على نفسك كل غيبة تستغيبها المسلمين من أهل ملة الإسلام؟ قال: لا.
قال (ع): فحين وصلت مكة نويت بقلبك أنك قصدت الله؟ قال: لا.
قال (ع) : فما دخلت الحرم، ولا رأيت الكعبة، ولا صليت...
ثم قال (ع): طفت بالبيت، ومسست الأركان وسعيت؟ قال، نعم، قال (ع): فحين سعيت نويت أنك هربت إلى الله، وعرف ذلك منك علام الغيوب؟ قال: لا.
قال (ع): فما طفت بالبيت، ولا مسست الأركان، ولا سعيت.
وهكذا استمر الامام في المحاورة إلى قوله (فهل عندما رجعت وطفت طواف الإفاضة نويت أنك أفضت من رحمة الله تعالى ورجعت إلى طاعته وتمسكت بوده وأديت فرائضه وتقربت إلى الله تعالى! قال لا. فقال: فما وصلت منى ولا رميت الجمار ولا حلقت رأسك ولا ذبحت ولا أديت نسكك ولا صليت في مسجد الخيف ولا طفت طواف الإفاضة ولا تقربت ارجع فكأنك لم تحج).
فطفق الحاج يبكي على ما فرط في حجه وما زال يتعلم حتى حج من قابل بمعرفة ويقين.
ان ما ذكره الامام زين العابدين (ع) لبعض الحجاج انما المراد منها هي الاداب المعنوية والاسرار الباطنية للحج (التي برعايتها تكون العبادة ذات روح ملكوتية، ومن يراعي تلك الاداب ويهتم بها، يمكن ان يكون له نصيب من السر الالهي المودع في هذه الفريضة ويكون من اهل المعرفة واصحاب القلوب الذي هو قرة عين لارباب السلوك، وحقيقة معراج قرب المحبوب). 19 الاداب المعنوية للصلاة
هذا و لا يفهم مما ذكره الإمام (ع) أن من لم يحج بهذه الصورة متأملا لهذه الاداب كأن لم يحج ولم يعتمر، وأن حجه باطل، وإنما غرض الإمام (ع) بيان أن للعبادة ظاهرا وباطنا، فكما في حالة عدم رعاية الأحكام الظاهرية في العبادة يؤدي إلى بطلانها أو نقصانها، فكذلك في عدم رعاية الأهداف القلبية أو الباطنية للعبادة يؤدي إلى نقصها أو بطلانها معنويا، وما نحن مكلفون به هو العمل الظاهري لا الباطني.
وثمة إشارة أخرى من الإمام (ع) بأن ما يؤديه الفرد من أعمال سواء في الحج أو غيره إنما هي ذات هدف ومغزى دقيق لا يدركه إلا أولو الألباب، لأن بعض الناس يتصور أن العبادات تعبدية فقط، والفرد مجبور على أدائها تعبدا، ولا غاية ولا هدف من ورائها، فلتصحيح هذا الالتباس بيّن الإمام (ع) هذا المعنى المعنوي لمخاطبه.
وفي ختام خطبته ناشد سماحته ضيوف الرحمن الالتجاء الى الله بالتضرع والخشوع بان يحمي المسلمين من شر الارهاب والارهابيين والتكفيريين وان يصون بلاد المسلمين من كل سوء.