مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين

جاء حديثه هذا في خطبة الجمعة بالعاصمة الدنماركية كوبنهاكن بمناسبة ذكرى شهادة سادس ائمة المسلمين الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) قائلا:
ان الحديث عن الامام (ع) ومدرسته العلمية لها ابعاد كثير لا يسعنا الوقت لبيان بعض ملامحها، ويكفينا معرفة باهميتها ان بلغ تلامذتها اربعة الاف طالب من مختلف التخصصات، ولاهمية عطائها خصصنا ومنذ ست سنوات مؤتمرا في مختلف دول اوربا بدءا من لندن وانتهاءا بهذه السنة باوسلو عاصمة النرويج، وسيعقد في يوم غد السبت 28 شوال 1436هـ الموافق 15 اب 2015م، وبمشاركة عدد من المثقفين والمفكرين للتعريف باهمية هذا الفكر الاصيل للجيل خصوصا الشباب منه المنبهر بثقافة الغرب والتكنلوجيا المتقدمة عندهم في حين ان ائمتنا (ع) بدءا من امير المؤمني وانتهاءا بالامام الحسن العسكري (ع) قد تحدثوا عن كثيرا من العلوم الطبيعية وغيرها، وبنظرة فاحصة لكتاب السيد حسن الصدر (تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام) يتضح لنا بان الائمة (ع) واصحابهم قد تحدثوا عن الاختراعات والاكتشافات العلمية الحديثة.
وحديثي هذا اليوم يرتكز على اهم العوامل التي ساعدت على ظهور هذه المدرسة، وهي ثلاث عوامل:
اولا: الظروف السياسية التي عاصرها الامام الصادق (ع) كان لها دور كبير في اعطاء فرصة نجاح هذه المدرسة وبروز معالمها، لان الامام (ع) عايش نهايات الدولة الاموية وبدايات الدولة العباسية، وفي ظل هذه النهاية والبداية طرح الامام (ع) معالم مدرسته، لان بني امية كانوا في نهايات دولتهم ولم تكن لهم فرصة لملاحقة الائمة (ع) كما فعل من كان قبلهم، والدولة العباسية في بداية انطلاقها مشغولة بمطاردة الجيوب الباقية من الامويين وتخليص الوضع والساحة منهم، مضافا الى هذا ان العباسيين في بداية انطلاقهم لتاسيس دولتهم حملوا شعار الدعوة لاهل البيت (ع) فما كان بامكانهم ان يمسوا الامام الصادق (ع) بسوء وهم يحملون هذا الشعار، لذا فانصرف الحكام من الطرفين عن مراقبة الامام الصادق ومضايقته فتمتع بقسط وافر بحرية العمل وقدرة الحركة وسعة المجال للاتصال بالناس وابلاغ الرسالة واعلان الحق ونشر العلم وتهذيب الشريعة من الدنس والتشويه والتحريف وتوجيه الامة الى الجانب الاخلاقي والاجتماعي وتغذيتهم بالجانب العقائدي الصحيح وذلك باقصى حدود الامكان من قدرته التبليغية.
مضافا الى هذا فقد تميز ظرف الامام الصادق بظاهرة اخرى الا وهي :
1- التكتل والانقسام الطائفي وتعدد المذاهب في اطار الاسلام انذاك
2- تسرب العقائد والافكار الخارجية والفلسفية والمادية الى المجتمع الاسلامي الامر الذي ادى الى وجود طوائف شاذة ومذاهب ملحدة او كافرة تحت غطاء اسم الاسلام، فظهرت الملاحدة والدهرية والمجسمة والصوفية والغلاة وغيرهم حتى كادت العقيدة والمبادئ الاسلامية الحقة تضيع وتندثر في خضم تلك التراكمات والترسبات الضالة الفاسدة، وكاد المسلم ان يضيع في متاهات تلك الدعوة والدعاية الدخيلة، هذا كله الى جانب نشاط السلطات وسعيها الى توجيه ذلك الاختلاف وزيادة تلك الانقسامات في صفوف الامة لتبقى بعيدة عن التفكير في مصالحها الحقيقية والتصدي للحكم الجائر، كانت هي السياسة الاساسية بناءا على قاعدة (فرّق تسد) في كلا العهدين الاموي والعباسي وحتى يومنا هذا، لان هذا المبدء هو القاسم المشترك الذي يوحد كل الحكومات والانظمة الجائرة في العالم قديما وحديثا.
والخلاصة : ان عهد الامام الصادق (ع) وعصره كان دقيقا وحساسا وخطيرا للغاية، لان الاسلام كان فيه على حافة الانهيار والاضمحلال، فكان من الطبيعي والضروري ان يقف الصادق (ع) بوجه تلك الاخطار المهددة للاسلام ويقاوم تلك التيارات والعواصف والاعاصير التي هبت عليه وعصفت به من الداخل والخارج وان يقوم بعمل جذري يوقف تلك الاخطار جميعا مهما عظمت ودامت فلم يكن امامه (ع) الا العمل العسكري بان يفجر ثورة مسلحة للاستيلاء على زمام السلطة فيعيد الاسلام الى مجراه الصحيح وخطه السليم وهذا الامر لم يكن بمقدوره (ع) لعدم وجود الناصر وفقدان الاعوان رغم كثرة من حوله وكان (ع) نفسه اكثر الناس علما بهذه الحقيقة وايمانا بهذا الواقع المؤلم بسبب تجارب سلفه الصالح ابتداءا من جده امير المؤمنين(ع) وانتهاءا بعمه زيد الشهيد ويحيى وغيرهم من ال البيت (ع) الذين قاموا بحركات عسكرية وفجروا ثورات اصلاحية وخاضوا حروبا وصراعات مسلحة وكانت عاقبتهم الفشل والقتل والاستاصال من جراء غدر الناس وخذلانهم وتفرقهم عنهم بل وانقلابهم عليهم.
والى هذا اشار (ع) في حديثه مع الحسن بن سهل وسدير الصيرفي حينما جاءا اليه وقالا (اتجلس وبين يديك ثمانين الف سيف والاخر خمسمئة الف بل واعتبر الدنيا كلها مع الامام (ع) مناصرة ومجاهدة بين يديه فامتحن الاول بطلب منه ان يجلس على نار سجرت فتخوف واعتذر من الامام وللثاني اوقفه على قطيع من الغنم الذي لم يتجاوز عدده السبعة عشر راس وقال لو كان لي اعوان بعدد هذا القطيع لما وسعني السكوت) لذا فلم يبق امامه (ع) سوى طريق واحد وهو القيام بتوعية شاملة وتوجيه عام والعمل لبناء قاعدة روحية وفكرية قائمة على الاسس الاسلامية الصالحة عن طريق العلم والاخلاق والتربية الاسلامية والفضائل الاجتماعية. وبهذه المهمة قام وبنى مدرسته التي امدت العالم الاسلامي بكل ما يحتاج اليه من العلوم والمعارف انذاك وربى عليها نوابغ افذاذ امثال ابان بن تغلب وهشام بن احسن وجابر بن حيان وزرارة ابن اعين وجابر الجعفي وداود الرقي وهشام بن سالم وحمران ابن اعين وحمد بن علي الكوفي المعروف بمؤمن الطاق وجميل بن دراج والمفضل بن عمر وابي بصير الكوفي وحمزة ابن الطيار واسحاق بن عمار وابي حمزة الثمالي وعبد الله بن اليعفور وفضل بن يسار البصري والمعلى بن خنيس وسفيان الثوري وغيرهم ممن يربوا عددهم على اربعة الاف عالم سارت بذكرهم الركبان وملئت اثارهم البلدان واستفاد من علومهم وخدماتهم كل الناس من كل زمان ومكان.ومما يدل على بعد نظر الامام (ع) واهتمامه بالاجيال القادمة كان يامر اصحابه بان يكتبوا ويدونوا ما يتلقونه ويسمعونه منه ويؤكد عليهم ذلك بقوله (احتفظوا بكتبكم فانكم سوف تحتاجون اليها) وقد الف اصحاب الائمة (ع) الكثير من الكتب المتضمنة لاحاديثهم حتى قال الشيخ المفيد (ان الامامية صنفوا في عهد امير المؤمنين (ع) الى زمن العسكري (ع) اربعمائة كتاب تسمى الاصول) ومعظم هذه الكتب وان لم تصل الينا بنفسها الا ان اهم ما فيها من الاحاديث ادرج في الجوامع المتأخرة كالكافي والتهذيب وغيرهما مما وصلت الينا بفضل تضحيات وجهود العلماء المخلصين قدس الله اسرارهم، كما الف جابر بن حيان خمسمائة رسالة معروفة باسمه.
هذا هو العامل الثاني الذي ساعد على انتشار مدرسة الامام الصادق (ع).
اما العامل الثالث فطول العمر النسبي للامام (ع) لانه كان اطول الائمة (ع) عمرا فعاش ما يقرب اويزيد على سبعين عاما بالقياس الى اعمار بقية المعصومين عدا الامام الثاني عشر (عج)، لان الصادق (ع) كانت ولادته سنة 80هـ وشهادته في 148هـ، وهذه الفترة الزمنية من عمره الشريف (ثلث قرن) اتاحت له ان يمارس دوره الرسالي في طرح معالم المدرسة ومفاهيم اهل البيت (ع)، ولذلك عرف برئيس المذهب لان اكثر ما في فقه المذهب الجعفري يستند الى اخبار وروايات واحاديث صدرت عنه وعن ابيه الامام محمد بن علي الباقر (ع) ولذلك الفّ علماؤنا في هذا الباب موسوعات وموسوعات من احاديث الائمة (ع) على ان بعضها يحتاج الى تنقيح وتهذيب.
هذا وفي اخر الخطبة اشار سماحته الى الوضع العراقي الذي وصل الى اسوء درجاته نتيجة سوء الادارة والفساد المالي والبطالة وعدم الخبرة والكفاءة، وكادت الحكومة ان تسقط نتيجة التظاهرات التي عمت البلاد واوشكت ان تقع الفوضى لولا تدخل المرجعية العليا مرة ثانية لتقويم الوضع بالدعوة الى المسارعة الجادة لمكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية واجراء الاصلاحات الضرورية والضرب بيد من حديد على المفسدين وناهبي ثروات الشعوب، فبادر الدكتور العبادي سريعا ملبيا نداء المرجعية وتوجيهاتها ونصائحها وملتزما باوامرها وملبيا مطالب المتظاهرين لتحقيق ما يحتاجونه. نسال من الله ان يحمي العراق من المفسدين والارهابيين والتكفيريين