مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين

جاء حديثه هذا في خطبة الجمعة بباريس قائلا:
ونحن في موسم الزهراء (ع) وذكرى ايام ولادتها لابد وان يكون لنا حديث في هذه المناسبة نستمد منه العطاء لانفسنا ولابنائنا ولاجيالنا لاننا نعيش في اجواء تفتقر الى الغذاء الروحي والتربوي والاخلاقي
ولكون الزهراء (ع) هي القدوة لنساء الامة وسيدة نساء العالمين فعلينا ان نأخذ من نهجها التربوي درسا لتربية ابنائنا لما تملكه من ثقافة الأمومة العالية والمثالية التي من أول معطياتها النظر باحترام بالغ إلى الابناء وبالتالي التعامل مع كل فرد منهم على أنه إنسان مكتمل مؤهل لتلقي التربية والتعليم، وليس الانتظار به حتى يكمل السادسة او السابعة من عمره فيعلّم أو يُربّى، كما هو حادث في زمننا المعاصر.
فأن تتعلم البنت قبل أن تكون أمّاً ثقافة الحياة وثقافة الأمومة ، خير لها من أن تتعلّم علوم الحياة الأخرى، رغم عدم وجود المانع من ذلك.
فالبنت مسؤولة قبل كل شيء سواء أمام الله سبحانه وتعالى أو أمام مجتمعها عن تعلّم أسس التربية والتعليم، بما يضم ذلك من القواعد الصحيحة الخاصة بسلامتها وسلامة طفلها، ومن النواحي الروحية والعاطفية التي لابد للطفل من أن يأخذ نصيبه الوافر منها، للحيلولة دون ابتلائه وتعرضه للأزمات النفسية التي تجرّ إلى الويلات الاجتماعية فيما بعد.
وكذلك من الأبعاد الدينية، حيث يتوجب على الأم ومنذ فترة انعقاد نطفة جنينها الإلتزام بتعاليم الدين الخاصة بطهارة المولد ونقاء الجنين أو الوليد أو الطفل اليافع من الحرام، فهذا كله ذو تأثير بالغ على حياته ومستقبله. فالخادمة الكافرة أو المسلمة غير الملتزمة على الأقل ، واللتين نراهما بكثرة في بيوت المسلمين لا يمكنهما بحال من الأحوال أن تأخذا مكان ومنزلة الأم، سواء على صعيد إرضاع الطفل أو تربيته والشفقة عليه.
وفي نهاية المطاف أودّ القول بأن الأم المسلمة لابد لها أن تعي موقعها الحساس في المجتمع ، إذ أن كل حركة أو سكنة تصدر منها لها الأثر البالغ على طبيعة أولادها وأجيالهم فيما بعد، وهذا الوعي من طبيعته أن يشمل النواحي الصحية والعاطفية والدينية والعلمية.
ولا يمكن بشكل من الأشكال أن تعي المرأة الأم كل ذلك بمجرد انها أصبحت أمّاً ، بل لابد من التمهيد لذلك عبر نشر ثقافة الأمومة، التي هي تجسيد لثقافة الحياة على وسعها، حيث تتكرس ضرورة تلقي البنات ومنذ نعومة إظفارهن تلكم الثقافة ، لتجري فيهن مجرى الدم في العروق، ولا أحسن من تدوين تفاصيل ثقافة الأمومة عبر الدراسة الدقيقة والواعية لحياة قدوات النساء المسلمات ، وفي مقدمتهن الزهراء البتول (ع) التي تركت لنا صورا والوانا من التربية الاسلامية تعتبر برنامجا متكاملا لنساء الامة في تربية ابنائهن تربية حقة، وللتمثيل على ذلك نذكر منها صورا:
الصورة الاولى: لم تكن الزهراء البتول (ع) ترضى بان يتولى احد تربية ابنائها سواها، وقد ذكر المؤرخون بان ام المؤمنين ام سلمة زوج النبي (ص) دخلت عليها وفي حجرها الحسن المجتبى (ع) وهي تطحن بالرحى، فقالت ايهما احب اليك ان شئت كفيتك ابنك وان شئت كفيتك الرحى، فقالت (ع) (انا بابني ارفق) دونك الرحى. وبهذا تعطي الزهراء (ع) درسا لنساء الامة هو في غاية الاهمية لان تربية الطفل منوطة بامه بالدرجة الاولى وهي الارفق بابنها والاعلم بما يصلحه، فلذا نؤكد على الامهات الا يوكلن تربية ابنائهن الى غيرهن وان يتولين ذلك بانفسهن ما امكن.
الصورة الثانية: روى الشيخ المجلسي (ره) بان الزهراء البتول (ع) كانت تلاعب ابنها الامام الحسن (ع) وتقول:
اشبه اباك ياحسن واخلع عن الحق الرسن
واعبد الها ذام منن ولا توال ذا الاحن
ففي البيتين اربعة دروس مهمة لقنتها الزهراء (ع) لابنها :
1- كن كابيك (ع): عبدا لله شجاعا، بمعنى ان نعلم ابناءنا الشجاعة والبطولة، وقد بلغ من شجاعة الحسن (ع) وهو طفل ان اعتلى المنبر وانزل من عليه قائلا (انزل هذا منبر ابي وجدي) دون ان يبالي بشخصه وموقعه.
2- اعبد الله وحده : بهذا تركز عليها السلام في ذهنية ابنها وحدانية الخالق جل وعلا لانه مصدر الخير كله، ولذا حبذ الشارع المقدس عند ولادة المولود ان يؤذن في اذنه اليمنى ويقام في اليسرى لتترسخ هذه المفاهيم في عالم اللاشعور ثم تظهر بعدها عند الشعور.
3- دافع عن الحق: بمعنى ان يكون مدافعا عنه ومحاربا للباطل.
4- لا توال ذا الاحن: بأن يبتعد عن معاشرة اهل الاحقاد والضغائن.
فاين نحن اليوم عن مثل هذه المبادئ المثالية في تربية ابنائنا وتعليمهم، فحري بالمؤمنات ترسيخ هذه الامور في ذهنية ابنائهن منذ الصغر حتى ينشأوا حماة للحق والدفاع عنه.
الصورة الثالثة: لما جاءت فضة (خادمة السيدة الزهراء (ع)) لتساعدها على اعمال البيت فلم تكلفها (ع) بكل ما يلزم من اعباء البيت بل قسمته بينها وبين فضة، وفيما يتعلق بتربية الحسنين (ع) اختصت بها وتولتها بنفسها للخصوصية التي ذكرناها ولانها تعلم سوف يقومان بدور رسالي ويصبحان رموز التاريخ وابطاله بالصدق والوفاء والسخاء والبذل والعطاء والايثار والتحسس بالام الاخرين وهمومهم ومشاكلهم بعيدا عن الانانية والعصبية واحتقار الاخرين وغير ذلك من الصفات الذميمة.
الصورة الرابعة: حرصت الزهراء البتول (ع) على اصطحاب اولادها الى محرابها في اناء الليل واطراف النهار لتعلمهم بذلك التبتل والتهجد بين يدي المولى سبحانه وتعالى، حتى روي عن الامام الحسن (ع) ان والدته اجلسته الى جانبها وهي غارقة بالتضرع الى الله سبحانه تعالى من اول الليل الى طلوع الفجر، اخذة بالدعاء لكل الناس الاقرب فالاقرب من حيث الجيرة ولكن لم تشمل بدعائها اولادها ولا نفسها، مما اثار في الامام الحسن (ع) السؤال في السر وراء ذلك، فاجابته بنظرة ملؤها العطف والحنان (يابني الجار ثم الدار).
الا يعتبر هذا درسا بليغا يتعلمه الاباء والامهات لتعليم ابنائهم على اداء الفرائض في اوقاتها.
الصورة الخامسة: التربية العلمية، فكانت عليها السلام تعلم الامامين (ع) خطب رسول الله (ص) فترسلهما الى المسجد لسماع خطب جدهما النبي (ص) ، وبعد فراغه يعودان اليها فتسألهما عما سمعا ثم كانت تعيد الكرة بحضور ابيهما امير المؤمنين (ع) ليطمئن قلبها وقلبه على سيرتهما التربوية. وهكذا تغرست هذه العلوم والمعارف من الجد ومن الاب ومن الام حتى طفحت على حياتهما في مقارعة خصومهما.
هذه بعض الصور المشرقة من تربية السيدة الزهراء (ع) لابنائها لتكون نهجا ومنارا لنساء المسلمين في تربية ابنائهم تربية ايمانية حقة توصلهم الى سعادة الدارين.
وفي الختام بارك سماحته للمرجعية العليا وللشعب العراقي على الانتصارات الاخيرة لتحرير العراق من دنس العصابات الشيطانية، وتضرع الى المولى سبحانه وتعالى مع المصلين ان يكلل مساعي المجاهدين بالنجاح لتحرير ما تبقى من ارض الوطن ومن الفساد الاداري الذي يهدد العراق ومؤسساته بدرجة لا تقل خطورة عن باقي التهديدات.
كما اهاب بالحشد الشعبي والجيش والقوى الامنية ومن تعاضد معهم ان يترفعوا عن زهو الانتصار ويتواضعوا فيما بينهم ولتراب الوطن المقدس لان الانتصار الحقيقي هو الانتصار على الذات والنفس، والنصر النهائي هو الحفاظ على مكاسب النصر، امتثالا لقوله (ص) وهو عائد من بعض حروبه: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. قيل يارسول الله وما هو الجهاد الاكبر قال جهاد النفس عن الهوى).
((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ))
تجدر الاشارة الى ان الخطبة القيت باللغتين العربية والاردية وتمت ترجمتها الى الفرنسية فورا