مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين

جاء حديثه هذا في خطبة صلاة الجمعة بمركز الامام علي (ع) في العاصمة السويدية ستوكهولم وبحضور جمع غفير من مختلف الجاليات الاسلامية، فذكر ان المجالس الحسينية وزيارة الحسين تعد من الروافد العظيمة للتحول الروحي نحو العقيدة ونشر الثقافة الاسلامية الحقة وتزكية النفس وتهذيبها. فالناس يقتدون بالإمام الحسين (ع) ببكائهم على مظلوميته في هذه المجالس، فيخلقون الأرضية الخصبة لديهم في محاكاة سيرته عليه السلام. والتأثير الذي تخلفه هذه المجالس على درجة بحيث تُعتبر ثورة حقيقية للعديد من الأفراد في هذه المجالس فعزموا على ترك الذنوب والمعاصي، وربّما تنبه بعض الضالين إثر حضورهم فيها فعادوا إلى أنفسهم وساروا على الدرب. لان هذه المجالس تعلم الإنسان على التوبة ودروس العزة والكرامة والإيثار والتضحية ودروس الأخلاق والورع والتقوى، بالتالي فهي مصنع الأبطال وعشاق الحق والعدالة.
أضف إلى ذلك كانت هذه المجالس طيلة التاريخ بمثابة مدارس تعرف الجماهير بالمعارف والحقائق الدينية والتاريخ والرجال والأحكام ومختلف الموضوعات، وأنجح مراكز التزكية والتهذيب والتربية. قال المؤرخ الألماني (ماربين) بهذا الشأن:
(إنّ المسلمين لن يعيشوا الذلّة مادامت لديهم هذه المجالس التي يتعلمون فيها دروس الشجاعة والتضحية وقوله ان اعظم عنصر يقف وراء تقدم الشيعة هو اقامة مجالس العزاء على الحسين فكأن كل شيعي في الواقع يدعو الاخرين الى مذهبه دون التفات سائر المسلمين بل لعل الشيعة انفسهم لم يلتفتلوا الى فائدة هذا العمل وكانوا يظنون انهم يحصلون على الثواب الاخروي).
وان هذه المجالس تعتبر اعظم قوّة تقف وراء يقظة الناس والنهج الذي حدده الإمام لأتباعه هو الضامن لبقاء الإسلام وديمومته. إنّ أهمية إقامة هذه المجالس وسرّ تأكيد الأئمّة الأطهار(ع) على حفظها تبدو أوضح حين نلاحظ أنّ الشيعة في عصر صدور هذه الروايات كانوا يعيشون عزلة خانقة وضغوط شديدة تمارسها ضدهم الحكومات الأموية والعباسية بحيث يتعذر عليهم ممارسة أدنى نشاط سياسي واجتماعي حتى أشرفوا على الإنهيار، لكن مجالس العزاء الحسينية أنقذتهم وخلقت لديهم حالة من الإنسجام والوئام لتجعلهم قدرة ذات شوكة في المجتمع الإسلامي. وعلى هذا الضوء عبّرت بعض الروايات عن إقامة هذه المجالس بإحياء أمر أهل البيت(عليهم السلام). حتى قال عنها الإمام الصادق (ع): (إِنَّ تِلْك الْمجالِسَ أُحِبُّها فَأَحْيُوا أمْرَنا).
وعلق على هذا بعض المصلحين بقوله : (ما ينبغي أن ندركه جميعاً أنّ ما يوجب الوحدة بين المسلمين هي مراسم العزاء على الأئمّة الأطهار(ع) ولاسيما سيد المظلومين أبي الأحرار الحسين (ع) هي التي حفظت هوية المسلمين ولاسيما الشيعة الإمامية).
إنّ الأئمّة الأطهار(ع) بتأكيدهم على إقامة مراسم العزاء إنّما جعلوا نهضته (ع) محوراً للوحدة ، بحيث يجتمع في ايام شهادته ملايين الأفراد على اختلاف مستوياتهم وأعراقهم وأديانهم ليخوضوا في مراسم العزاء ويلتفوا حول الراية الحسينية.
وكل أُمّة بحاجة لعنصر الوحدة بغية ديمومتها وموفقيتها. وممّا لا شك فيه أنّ أفضل عنصر لوحدة أتباع أهل البيت(ع) يسعه استقطاب التجمعات المليونية حول محور معين بأقل كلفة ومعاناة هو هذه المراسم الحسينية. حقّاً لو تمتعت أمّة بمثل هذه القوّة التي يمكنها حشد طاقاتها المتفرقة وتوجيهها في مدة زمنية قياسية وشيء من الإعلام لاستطاعت القضاء على أيّة عقبة تعترض سبيل رقيها وتقدمها. والحق أنّ الأئمّة (ع) إنّما حاولوا ـ بحثهم الناس على إقامة هذه المراسم ـ دون تشتت تلك الطاقات وعبّأوا الجموع المتفرقة وخلقوا منهم قوّة مقتدرة من خلال إيجاد الوحدة والإنسجام. والحركة العفوية للجماهير والى هذا اشار المؤرخ الألماني (ماربين):
(إنّ جهل بعض مؤرخينا جعلهم ينسبون الشيعة للجنون وهذه مجرّد تُهم فإننا لم نشاهد بين الشعوب قوماً كالشيعة حيث سلكوا بواسطة مجالس العزاء سياسة عقلائية وانتجت نهضات دينية مثمرة)- فلسفة الشهادة والعزاء ص109.
واضاف الى ذلك (ليس هنالك ما يوازي مراسم العزاء الحسيني في خلق هذا الوعي السياسي لدى المسلمين) -السياسة الحسينية ص44.
ولاهمية هذه المجالس وتأثيرها على الجمهور عالميا نرى الهلع الذي يعيشه أعداء الاسلام اليوم من اقامتها، حتى بذلوا قصارى جهدهم من خلال كيل التهم الشنيعة للشيعة بواسطة عملائهم أحياناً، وأخرى عن طريق إثارة الطواغيت السائرين في فلكهم ، كما سعوا لإفراغ هذه المجالس من محتواها بغية القضاء على الشعائر الحسينية. وإننا لنلمس من خلال نظرة عابرة لتاريخ الإسلام بعد حادثة كربلاء كيف غدت هذه المجالس والشعارات الحسينية أسوة لنهضات المجاهدين في سبيل الله ومواجهة الطواغيت والظلمة. ولعلنا نتساءل هنا: لو انفتح جميع المسلمين على هذه المجالس كما ينبغي وطهروا أوساطهم ممّا علق بها من فساد ودنس بوسيلة هذا العنصر القوي فهل كان يسع الظلمة الهيمنة على البلاد الإسلامية؟ وهل كان باستطاعة الناهبين التطاول على ثروات البلدان الإسلامية لو فُعِّلت هذه المجالس والملحمة الحسينية؟
ومن ظريف ما نشر اخيرا كتاب في اوربا للدكتور مايكل برانت تحت عنوان (خطة لعزل المذاهب الدينية) يقول فيه (من عوامل قوة الشيعة ونفوذهم التاثر بثقافة الشهادة التي ظهرت قبيل 1400 سنة من قبل سبط نبي الاسلام الامام الحسين (ع) وتتسع وتترسخ هذه الثقافة سنوياً أيّام محرم من خلال إقامة مراسم العزاء). ثم يقول (عزمنا على تحريف هذه الثقافة وعقائد الشيعة من خلال توفير الدعم المالي لبعض الخطباء والمداحين والقائمين على رعاية هذه المراسم)- صحيفة الجمهورية الاسلامية، العدد 7203/3/83 هـ ش.
وقد تصور هؤلاء وغيرهم بانهم يستطيعون القضاء على هذه المجالس الحسينية دون ان يلتفتوا الى ان من ورائها التأييد الرباني وبه انبأتهم عقيلة الطالبيين قبل اربع عشر قرن حين قالت ليزيد: (فوالله لا تمحوا ذكرنا ولا تميت وحينا ...).
هذا بأجمال هو الرافد الاول.
واما الرافد الثاني لاستمرارية بقاء التشيع هي زيارة الامام الحسين (ع) التي حث عليها الائمة الاطهار (ع) في مختلف العصور رغم علمهم بالمخاطر البدنية التي تحيط بالزائرين ومع ذلك كانوا يشجعون عليها ويدعمونها باحاديثهم وادعيتهم المباركة ومنها دعاء الامام الصادق (ع) (اللهم يا من خصنا بالكرامة ، وخصنا بالوصية ، ووعدنا الشفاعة ....... اللهم إن أعدائنا عابوا عليهم خروجهم ، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا ، وخلافا منهم على من خالفنا ، فارحم تلك الوجوه التي قد غيرتها الشمس ، وارحم تلك الخدود التي تقلبت على حفرة أبي عبدالله ، وارحم تلك الاعين التي جرت دموعها رحمة لنا ، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا ، وارحم الصرخة التي كانت لنا ، اللهم إني أستودعك تلك الانفس ، وتلك الابدان حتى توافيهم على الحوض يوم العطش) ولما اسكثر معاوية ذلك على زوار الحسين قال له الامام الصادق (ع) (من يدعو لزواره في السماء أكثر ممن يدعو لهم في الارض) .
ومن دعاء الامام (ع) هذا ومساندته لزيارة ابي عبد الله الحسين (ع) وزواره يتضح لنا بان هذه المسئلة ليست مسئلة استحباب وانما الزيارة تمثل جانبا من جوانب العقيدة والتحدي للباطل والظلم والاضطهاد وتمثل ركنا من اركان المذهب وهو (الامامة) فلذلك كانوا يدفعون شيعتهم الى مواصلة هذا العمل وتشويقهم ليكونوا على تماس مباشر مع القيم والمثل، لان الحسين كان يجسد الاسلام والقران، نعم الحسين كجسد استطاعت الحراب الاموية ان تمزقه بحوافر الخيل واستطاعت رماحهم ان ترفع راسه واستطاع البغي والاجرام الاموي ان يمثل بجسده لكنهم لم ينالوا من فكر الحسين (ع) وعقيدته ومبادئه لان المبادئ والفكر لا يموت ولا يمزق. ولهذا اعتبر البعض بان الحسين (ع) ولد يوم سقوطه على رمال كربلاء.
ويموت الرسول جسماً ولكن في الرسالات لن يموت الرسول
لان الرسالات تبقى متوهجة ومشعة برغم التضييق والخناق عليها من السلطات الغاشمة عبر التاريخ، وتصورت بنو امية بانها خنقت صوت الحسين في حفرة من الارض اسمها قبر الحسين لكن الحسين تمرد على القبر وتمرد على التربة وتمرد على الارض وتمرد على كربلاء وتمرد على الدنيا ليصبح الاشعاع العالمي والنور القائم المستطيل للعالم. نعم طوقوا كربلاء وحاصروها ووضعوا المسالح والعيون لئلا يتسلل شيعي ويقف على قبر الحسين ليجدد العهد به ويستلهم منه روح البطولة والتضحية، وما اكتفوا بهذا بل حاربوها بمختلف الاساليب وعبر مختلف القنوات، وارادوا محو خارطة كربلاء فحرثوا المنطقة باكملها واجروا الماء على قبر الحسين (ع) فحار واستدار ومنه سمي بـ (الحائر الحسيني)، كما قطعوا السدرة التي كان يستظل بها الزائرون من حرارة الشمس، ثم اجلوا سكان كربلاء وحرثوا المنطقة برمتها، ومنعوا الزيارة بشكل رسمي فلم تنقطع الناس عن زيارته ومع ذلك كانت الناس تتوجه الى زيارته فحاربوها عقائديا وقالوا ان زيارة الحسين بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، كما حاربوها طائفيا باستغلالهم عواطف المجتمع البريء فكانوا يأتون ويخاطبون من يريد الزيارة اتعلم ما يقول الشيعة لما يقفون على قبر الحسين (ع)؟ انهم يشتمون الصحابة وهي فرية ما بعدها فرية ومعاذ الله ان يفعل الشيعة ذلك، نعم اذا كانوا يعتبرون ان من الصحابة عمر بن سعد و شمر بن ذي الجوشن و شبث بن ربعي الذي بنى مسجدا فرحا بقتل الحسين !، فمثل هؤلاء وغيرهم نتبرء ويتبرء الصحابة والمسلمون منهم.
هذا ومع كل هذه الارهاصات والمخاطر كانت الناس تتوجه الى زيارة ابي عبد الله الحسين (ع) لانه رمز الصلاح والتضحية والفداء لكل احرار العالم، ونرى هذا الحب التصاعدي يزداد في كل سنة في قلوب المؤمنين ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً)) وفي الزيارة (وجعل افئدة من الناس تهوي اليكم)
وما اشبه اليوم بالبارحة حيث الجماهير المليونية تتجه الى صوب كربلاء من اقاصي الدنيا شيبا وشبابا ورجالا ونساءا واطفالا مشيا على الاقدام دون ادنى ان يصيبهم ملل او كلل، حتى يكونوا جميعا على تماس مباشر مع الحسين وفكره ومبادئه وقيمه.
ومن المؤسف جدا ان نرى تغاضي الاعلام العالمي والعربي والتجاهل المتعمد لهذه التظاهرة المليونية والتي فاق عددها عدد حجاج بيت الله الحرام بخمس مرات والتي تظهر منها قوة المسلمين التي تطلق الاشارات الرافضة للظلم والاستكانة للحاكم الجائر ايا كانت هويته، والى هذا اشارت صحيفة الاندبندنت البريطانية وقالت ان هذا التجمع الديني يفوق مهرجان (كوم ميلا) لانه يحدث مرة كل ثلاث سنوات وان زيارة الاربعين تجري في كل عام في اجواء امنية خطيرة ما يمثل تحديا للارهاب ورسالة (سلمية واصلاحية) الى العالم كله. ومن خلال عرض مقارنات بين التجمهر المليوني في زيارة الاربعين ومشاريع دولية كبيرة مثل المساعدات التي قدمتها بعض الجهات الدولية لضحايا زلازل هاييتي حيث تم توزيع اربع ملايين وجبة طعام (عليهم) بينما نرى في كربلاء توزع 200 مليون وجبة خلال فترة الزيارة وكل ذلك من نفقات المتطوعين والخيرين. ويوجه الكاتب انتقادا لاذعا للاعلام الغربي لتعاطيه المسيس مع القضية الحسينية ويتساءل كيف يتم تغطية مظاهرة صغيرة في لندن او مسيرة لبضع مئات في هونكوك او تجمع محدود في روسيا ويتغاض الطرف عن اعظم تجمهر سلمي في العالم حيث السيبل الجارف من النساء والرجال والاطفال، ويرجع الكاتب هذا التعتيم الاعلامي على زيارة الاربعين الى عدم اكتراث الاعلام الغربي بالقصص الايجابية الملهمة خصوصا فيما يرتبط بمذهب اهل البيت (ع)، كما يشير الى ان الزائر بامكانه ان يجد في المشاة الى الحسين قصصا من الفداء والصبر والتحمل والعطاء وكل مفردات الخلق الرفيع ما يحتوي على مادة ثرية لانتاج افلام ضخمة. (نقلا عن موقع المسلة الاخباري http://almasalah.com/ar/news/42316)
كذب الموت فالحسين مخلد كلما خلد الزمان تجدد
وسيبقى الحسين (ع) ما بقيت الدنيا رمزا للمناضلين والاحرار ونورا يشع سناه الى الابد في الافاق.
فسلام الله عليك يا ابا عبد الله يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا.