مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين


بمناسبة انتهاء شهر رمضان وقرب حلول عيد الفطر المبارك، صرح ممثل المرجعية العليا في اوربا سماحة العلامة السيد مرتضى الكشميري بما يلي :
بين فرحة العيد واستذكار اهات المنكوبين، العيد يقضة اجتماعية وعودة لمحاسبة الذات

اللهم لا تجعله اخر العهد من صيامنا لشهر رمضان ونعوذ بك ان يطلع فجر هذه الليلة الا وقد غفرت لنا

عشنا وعاش المسلمون شهرا كاملا مع الله وفي رحاب شهر الله وفي رحاب شهر المغفرة والرحمة والطاعة شهر رمضان المبارك موسم العطاء وموسم البناء وموسم التربية. وفي هذا الشهر العظيم تعلمنا الكثير الكثير وتربينا على منهج الله وعلى اخلاق الله وفي ظل طاعة الله وفي ظل القران، فشهر رمضان شهر العطاء الروحي وشهر العطاء الاخلاقي والفكري والثقافي والرسالي. ذلك ما تعلمناه في هذه الايام.
وما نطرحه الان وقد انتهينا من هذا الموسم العظيم ونحن على وشك توديعه سائلين الله سبحانه وتعالى ان يعيده علينا وعلى جميع المسلمين باليمن والبركة و الطاعة، والسؤال هو : هل بقينا نحتفظ بوهج الايمان الذي خلقه فينا هذا الشهر والحرارة الروحية التي صنعها في داخلنا ام لا؟

الجواب : سرعان ما تنقضي بأنقضاء الشهر فينخفض ذلك التصاعد الايماني والوهج المتحرك فيصاب الفرد منا بالضمور والخمول والركود، وكأن لم يكن الفرد منا ما كان عليه بالامس من الفعاليات التي كان يقوم بها وكأنه قد ودعها بتوديعه للشهر فلذا ونحن نعيش في اخريات هذه الايام المباركة علينا ان ندعو مع الداعين ونلهج مع الذاكرين بهذا الدعاء ( أعوذ بجلال وجهك الكريم أن ينقضي عني شهر رمضان أو يطلع الفجر من ليلتي هذه ولك قبلي تبعة أو ذنب تعذبني عليه ).
ان فرص التوبة والإنابة إلى الله ـ وإن كانت مفتوحة للأنسان في كل ساعة ـ لكن هذه الليالي الأخيرة والأيام الباقية من الفرص التي ينبغي أن لا تفوت ( واغتنموا الفرص فانها تمر مرّ السحاب ) ( وضياع الفرصة غصة ) (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ ) الزمر آية 56 .
ينبغي لكل انسان ان يحاسب نفسه ويذكرها بما ذكرنا.

اما العيد فنسمع ونردد كثيراً ( ليس العيد لمن لبس الجديد ولكن العيد لمن أمن الوعيد ) وهي كلمة حق لو أدركنا معناها وعملنا بمقتضاها ..
إن نظرة بسيطة لليالي شهر رمضان في مجتماعتنا ـ وخصوصاً في الليالي الأواخر التي ورد فيها أن النبي (ص) كان يطوي فيها فراش نومه ويتفرغ فيها لعبادة ربه ـ تعطينا عكس هذا المفهوم !!
ترى أسواق الملابس ومحلات العرض ملأى بالزبائن والمتسوقين وتعج بأصناف الناس الذين يبحثون عن لبس الجديد في يوم العيد وهو أمر جميل وحسن لو اقترن مع أمن الوعيد هذا فيما لو كنا أدينا ما علينا من واجبات واستحقاقات في شهر الله المبارك وخصصنا ولو جزءاً يسيراً ـ من لياليه الأخيرة لقيام الليل وتلاوة القرآن لحق لنا أن نفخر يوم العيد بلبس الجديد والتأنق في الملبس والتنوع في المأكل . إنها معادلة دقيقة ، ولكنها ليست صعبة أو مستحيلة ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا ا )

دعونا نقول مع القائلين ( ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) دون ( مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ) بهذه الصورة الجميلة نودع هذا الشهر المبارك ونستقبل عاماً جديداً نحتفل فيه ببداية سنة من حياتنا ملؤها الفرح والسعادة حين صححنا علاقاتنا في جميع أبعادها ولكن تكتمل صورة العيد علينا أن نضع بعض الأمور نصب أعيننا :

أولاً :
كما كان الشهر الشريف شهر تذكر لآلام الآخرين وتحسس لامالهم وآلامهم ، علينا في الأيام الأخيرة أن نفكر في من هم حولنا من أقارب وجيران وفقراء وأيتام ممن لا يمتلكون شيئاً تكتمل به صورة العيد في أذهانهم ، ليحاول كل واحد منا أن يتحسس دوائره القريبة الأقرب فالأقرب ليعيش معهم العيد بصورته البهية ويرسم البسمة على شفاههم التي قد لا تعرف طعم الفرح . فهناك المئات من اللذين قد استشهدوا وقتلوا في هذا الشهر فترملت نسائهم وتيتمت اطفالهم وكم من الاسر ابيدت فلم يبق منهم الا الرجل الطاعن في السن والمراة المسنة والطفل الرضيع؟ وكم من الثكلى التي تأن على شهدائها وقتلاها؟ فتلك على اخيها وتلك على زوجها؟ وتلك على ابيها .... فهل بعد هذا المنظر يبقى للعيد طعم مع وجود هذه المأساة ام لا؟
وهل فكر احد منا ان يزور هؤلاء الارامل ويمسح على رؤوس اليتامى ويواسيهم بما يستطيع عليه من المواساة ليخفف من الامهم واحزانهم وما فقدوه من اعزائهم ام لا؟ ثم لو زار المؤمن الواعي مقابر المسلمين في ايام العيد لرأها تعج بالبكاء والنياحة ؟

ثانياً :
وكـما أكـد الاسلام على صلة الأرحام في شهر رمضان نعود لنذكر بها مرة أخرى في العيد .
لعل أحداً لم تتح له الفرصة لتصحيح علاقاته مع أرحامه وأقاربه وعموم الناس في الشهر الفضيل فليستغل فرصة العيد وبهجة الناس ويجعلها منعطفاً لتصحيح العلاقة ويفتح بذلك صفحة جديدة في حياته وعلاقاته ولعل البعض يخرج من دائرة العزلة التي يفرضها على نفسه أو تفرضها عليه ظروف العمل وتكون فرصة الإجازة فرصة للتقريب والتأليف بين القلوب .
وهي فرصة أيضاً لعودة بعض العادات الحسنة التي بدأت بالتقلص ، ونعني بها إجتماع الأقارب أيام العيد في مكان واحد سواءاً لتقبل التهاني أو تناول طعام الغداء سوياً إلى غير ذلك من العادات الجميلة .

ثالثاً :
العلاقة مع الأبناء محور أساسي في حياة كل إنسان ، والواحد منا يكدح ليل نهار في سبيل تأمين مستقبل أفضل وغد أمثل لأبناءه فعليه أن يستغل فرصة العيد وإجازة أبناءه وبناته من المدارس ليقضي معهم وقتاً أطول وينفتح معهم في حوار صريح وبنَّاء حول أمور حياتهم و أحوالهم الشخصية التي قد لا يجد الواحد منا وقتاً لها ـ في الأيام العادية ـ على رغم أهميتها في كل وقت ، ولتكن هذه الإجازة والعطلة فرصة من فرص تقويم العلاقة مع الأبناء والأسرة بصورة عامة .

وكلمة أخيرة :
إن البعض قد تأخذه أجواء رمضان الجميلة ومجالسه الروحانية فتبعده عن واقعه السيء لبعض الوقت ، ولكن ما أن ينتهي هذا الشهر حتى يعود إلى كل ماضية بكل مآسيه وتلك ـ لعمري ـ هي الخسارة العظمى حين لا ينال الإنسان من صيامه سوى التعب والنصب لأيام قلائل ثم لا تعود عليه بالنفع في دنياه وآخرته . والى هذا اشار الحديث (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ).
إن وساوس الشيطان ـ الذي صُفِّد في شهر رمضان ـ تعود للكثيرين لتعيدهم إلى سبيل الغواية ، ولكن علينا أن لا ننسى أن كيد الشيطان ضعيف وليس له سلطان إلا على من يتولاه ، وان إرادة الإنسان التي صقلها خلال شهر رمضان ونمت ببركات الصيام كفيلة بأن تجعل مستقبل أمره خيراً من ماضيه ، ما عليك سوى التوكل على الله أن الله يحب التوابين ، ويحب المتطهرين وهو مع المتوكلين.

واخيرا اللهم اجعل صيامي فيه بالشكر والقبول على ما ترضاه ويرضاه الرسول محكمة فروعه بالاصول بحق سيدنا محمد واله الطاهرين والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
26 رمضان 1434هـ