مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)
(البقرة 185)
مناسبتان عظيمتان في شهر الصيام: نزول القرآن الصامت واغتيال القرآن الناطق.
أما نزول القرآن فإجماع المسلمين على نزوله في ليلة القدر (إنا أنزلناه في ليلة القدر) التي تختلف الروايات في تحديدها بين الليالي التالية: 19،21،23،25،27،29 كما اختلفت الروايات في نزول القرآن على صدر النبي (ص) جملة واحدة في ليلة القدر، ثم نزلت الآيات بالتدريج حسب الحوادث والوقائع، أو كان نزوله في ليلة القدر من الألواح إلى الحفظة أو غير ذلك من التفاصيل التي يمكن الرجوع إليها بمراجعة الروايات الواردة في المقام من مصادر المسلمين ومسانيدهم.
والأمر المهم أن هذا القرآن الذي هو بين يدي المسلمين اجماعهم على أن لا زيادة فيه ولا نقصان بدءاً بسورة الفاتحة وانتهاء بسورة الناس، وهو كتاب هداية وتربية وتزكية وتعليم للبشرية وسيبقى منذ نزوله في ليلة القدر وحتى قيام الساعة هادياً ومرشداً.
(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيراً) (الإسراء 9)
(الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (إبراهيم 1)
(هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ) (آل عمران 138)
وهو الذي فيه نبأ ما قبلنا وخبر ما بعدنا كما قال (ص).
ولو أقامت الأمة حدوده واتبعت مواقع إشاراته وإرشادته لاهتدت إلى الحق وأهله وعرفت حق العترة الطاهرة الذين جعلهم النبي (ص) قرناء الكتاب وإنهم الثقل الثاني في الأمة من بعدهم ولو استضاءت الأمة بأنوار معارف القرآن لأمنت العذاب الواصب ولما تردت في العمى ولا غشيتهم حنادس الضلال ولا عال سهم من فرائض الله ولا زلت قدم عن الصراط السوي ولكنها أبت إلا الانقلاب على الأعقاب واتباع الهوى والانضواء إلى راية الباطل حتى آل الأمر حتى إلى أن يكفر بعض المسلمين بعضاً ليتقرب إلى الله بقتله وهتك حرمته وإباحة ماله وأي دليل على اهمال الأمة للقرآن أكبر من هذا التشتت العظيم.
ولهذا فلن تستطيع الأمة الإسلامية أن تستعيد كرامتها وعزتها وموقعها الذي أراده الله لها بين الأمم إلا إذا التزمت بأحكام القرآن والعترة الطاهرة فالأمة اليوم رغم عددها الهائل كماً وكيفاً والذي يقدر بأكثر من مليار مسلم وتتحكم بأهم ممرات العالم وتجلس على ترسانات الأسلحة ولديها من الذهب الأبيض والأسود إلا أنها غثاء كغثاء السيل كما وصفها رسول الله (ص)، ولذلك كان من سوء حظها أن اغتالت القرآن الناطق علي بن أبي طالب (ع) في هذا الشهر الكريم وبذلك خسرت أكبر رصيد علمي لها لأنه كان هادياً ومرشداً لها بعد النبي فحل ما حل بها من البلاء ولهذا بكى النبي (ص) لهذه المصيبة في شهر رمضان فسأله الإمام علي (ع) عن بكائه فقال (يا علي أبكي لما يستحل منك في هذا الشهر كأني بك و أنت تصلي لربك و قد انبعث أشقى الأولين و الآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود فضربك ضربة على قرنك فخضب منها لحيتك) ولا ريب أن بكاء رسول الله وإخباره عن هذا الحادث إنما هو لعظم هذا المصاب وجلالة وقعه على الأمة إذا يمثل العلامة الأبرز في انحرافها عن الخط الذي وضعه لها رسول الله وأمرهم باتباع وصيه فما لبثوا أن أقصوه ثم حاربوه وانتهى الأمر بهم إلى تكفيره ويا لها من مفارقة غريبة ومفجعة أن ينعت باب علم رسول الله بالكفر ولما يمض ثلاثون عاماً على الرسالة ومن ثم تباد عترته وتسبى عياله بعد مضي خمسين عاماً. لذا فلا عجب إذا نظرنا إلى يومنا الحاضر نرى آثار هذا الافتراق عن العترة بادياً في فتاوى التكفير التي تسفك بها دماء المسلمين في شتى أنحاء العالم وتثير بينهم الفرقة وتجعلهم غرضاً لتحقيق مآرب الأعداء ومطية لمطامعهم.
هذا ونأمل من المؤمنين والمؤمنات في مختلف أنحاء العالم أن يرفعوا أكف الضراعة إلى المولى سبحانه وتعالى في هذه الليالي العظيمة بأن يوحد كلمتهم ويؤلف بين قلوبهم ويدفع عنهم كيد الأعداء إنه سميع مجيب.