مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين
جاء تصريحه هذا على جواب لسؤال من صوت الجالية العراقية: ما هو واجب المسلمين اليوم عموماً وأتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام خصوصاً في الأجواء المتشنجة التي تعيشها الساحة الإسلامية اليوم؟
فأجاب سماحته بأن أفضل منهج لمعايشة الآخرين هو الحفاظ على الألفة والمحبة ووحدة الكلمة وتوحيدها التزاماً بنهج القرآن الذي لم يغفل الحوار بين الفرقاء والمختلفين في الفكر والعقيدة والاجتماع والسياسة وغيرها، بل أولاه الاهتمام في ذلك وركز على الحكمة والتي هي وضع الأشياء في مواضعها، والأساليب العلمية التي تتخذ في هذا الإطار، كما لم يغفل الجانب الأخلاقي والذي عبر عنه بالموعظة الحسنة والمجادلة والحوار بالتي هي أحسن.
والنبي ص والأئمة الطاهرة من عترته هم الذين تقمصوا الحوار القرآني وطبقوه أحسن تطبيق وأخذوا به في حوارتهم مع مواليهم ومخالفيهم فكان خلقهم القرآن الكريم لأنهم عدله ولن يفترقوا عنه حتى يردوا جميعاً على رسول الله الحوض، وقد حكت لنا كتب السيرة عن النبي المصطفى قوله ص: أوصاني ربي بتسع .. إلى أن قال "أن أعفوا عمن ظلمني وأعطي من حرمني وأصل من قطعني ... ". ومن مصاديث ذلك بأن أجاب لمن قال له (السام عليك با أبا القاسم) بقوله (وعليكم) فقال بعض من معه: أسمعت قوله يا رسول الله؟ قال نعم وقد قلت له وعليكم، وسئل بعض خلطائه عن خلقه فأجاب: كان خلقه القرآن.
وفي سيرة الأئمة من أبنائه محطات كثيرة وكثيرة تعلمنا كيف نعايش الآخرين فذلك الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ونهجه في التعامل مع من أساء إليه من سب وشتم فكان جوابه: أظنك يا هذا غريباً، إن كنت جائعاً أشبعناك وإن كنت عرياناً كسوناك وإن كنت غريباً آويناك وإن كنت محتاجاً قضينا حاجتك فما كان منه إلا أن قال "الله اعلم حيث يجعل رسالته" ثم قال "دخلت المدينة وكنت أنت وأبوك من أبغض الناس إلي وأخرج منها وأنت وأبوك من أحب الناس إلي"
وفي نهج الإمام الصادق ع لنا المثل الأعلى في حواره مع الزنادقة وغيره ومنهم ابن أبي العوجاء الذي كان يتمتع بالذكاء وبقوة المجادلة ومن المنكرين للخالق والمستهزئين بالشريعة فما كان منه ومن غيره إلا وأن أذعن بالطاعة للإمام لما رأى أسلوبه المهذب في الحوار وفي الحديث معه.
ومن منهج الإمام الصادق ع في معايشة الآخرين ما رواه معاوية بن وهب في صحيحته قُلْتُ لَهُ ـ أي لابي عبد الله (ع) ـ كَيْفَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَصْنَعَ فِيمَا بَيْنَنَا وَ بَيْنَ قَوْمِنَا وَ بَيْنَ خُلَطَائِنَا مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ لَيْسُوا عَلَى أَمْرِنَا ؟قَالَ تَنْظُرُونَ إِلَى أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تَقْتَدُونَ بِهِمْ فَتَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُونَ فَوَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَعُودُونَ مَرْضَاهُمْ وَ يَشْهَدُونَ جَنَائِزَهُمْ وَ يُقِيمُونَ الشَّهَادَةَ لَهُمْ وَ عَلَيْهِمْ وَ يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ إِلَيْهِمْ. الكافي ج 1 ص 636
و في صحيحة هشام الكندي قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِيَّاكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا عَمَلًا يُعَيِّرُونَّا بِهِ فَإِنَّ وَلَدَ السَّوْءِ يُعَيَّرُ وَالِدُهُ بِعَمَلِهِ كُونُوا لِمَنِ انْقَطَعْتُمْ إِلَيْهِ زَيْناً وَ لَا تَكُونُوا عَلَيْهِ شَيْناً
صَلُّوا فِي عَشَائِرِهِمْ وَ عُودُوا مَرْضَاهُمْ وَ اشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ وَ لَا يَسْبِقُونَكُمْ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ. الكافي ج 1 ص 219 .
وفي خبر مرازم قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَ حُسْنِ الْجِوَارِ لِلنَّاسِ وَ إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ وَحُضُورِ الْجَنَائِزِ إِنَّهُ لَا بُدَّ لَكُمْ مِنَ النَّاسِ إِنَّ أَحَداً لَا يَسْتَغْنِي عَنِ النَّاسِ حَيَاتَهُ وَ النَّاسُ لَا بُدَّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ . ال?اف? ج 1 ص 635
و في خبر ابْنُ مُسْكَانَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع إِنِّي لَأَحْسَبُكَ إِذَا شُتِمَ عَلِيٌّ ع بَيْنَ يَدَيْكَ لَوْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَأْكُلَ أَنْفَ شَاتِمِهِ لَفَعَلْتُ فَقُلْتُ إِي وَ اللَّهِ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي لَهَكَذَا وَ أَهْلَ بَيْتِي قَالَ فَلَا تَفْعَلْ فَوَ اللَّهِ لَرُبَّمَا سَمِعْتُ مَنْ يَشْتِمُ عَلِيّاً ع وَ مَا بَيْنِي وَ بَيْنَهُ إِلَّا الْأُسْطُوَانَةُ فَأَسْتَتِرُ بِهَا فَإِذَا فَرَغْتُ مِنْ صَلَاتِي فَأَمُرُّ بِهِ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَ أُصَافِحُهُ . السرائر ج3 ص 647
وهكذا نرى ثامن أئمة أهل البيت قد لقب بالرضا لميزته في الحوار الهادئ والهادف مع غيره حتى أصبح ذلك جزءاً من حياته العملية بل وتعدى إلى أن تحول إلى لقب يعرف به بين الموافق والمخالف.
و كذلك نجد اليوم سيرة المراجع العظام من نوابهم في عصر الغبية الذين انتهجوا نفس النهج وساروا على نفس السيرة ففي لقائي الأخير مع المرجعية العليا رأيتها تؤكد على الوفود الزائرة لها من مختلف أنحاء العالم على وحدة الكلمة ووحدة الصف. وخاطبهم بقوله أحسنوا لمن أساء إليكم بالقول والفعل فردوا عليه بالتحية وتحببوا وتقربوا إليه فقول المسلم لأخيه المسلم إني أحبك ينبت في قلبه المحبة. قال ويجب علينا أن نثقف شعوبنا ومجتمعاتنا على ثقافة المودة والمحبة وتقريب القلوب وتأليفها. وقد لاحظته يشدّد على أهمية تبني العلماء للخطاب المعتدل الخالي من التحريض على الغير ونشرهم لثقافة التعايش السلمي المبني على الاحترام المتقابل بين أتباع مختلف المذاهب مما يقوي شوكة المسلمين.
هذا مجمل جوابي على سؤالكم ونأمل أن يستفيد المؤمنون من أجواء الشهر الكريم في تنقية القلوب من الأحقاد والضغائن وتحليتها بالفضائل عملاً بقوله تعالى " وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ"