مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين
بسمه تعالى
((وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ))-النور -31
نحن في شهر رمضان ، شهر التوبة وشهر المغفرة وشهر العتق من النار والفوز بالجنة . شهر يفتح الله فيه أبواب السماء وأبواب الجنان وأبواب الرحمة ، ويغلق فيه أبواب النيران . وفيه ليلة عبادة الله فيها خير من عبادته في ألف شهر ، فلينتبه الإنسان المسلم فيها لنفسه ويتبصر كيف يقضي فيها ليله ونهاره وكيف يصون جوارحه وأعضائه عن معاصي ربه . وأن لا يكون في ليله من النّائمين وفي نهاره من الغافلين عن ذكر ربه، ففي الحديث انّ الله عزوجلّ يعتق في آخر كلّ يوم من أيّام شهر رمضان عند الافطار ألف ألف رقبة من النّار فاذا كانت ليلة الجمعة ونهارها اعتق الله من النّار في كلّ ساعة ألف ألف رقبة ممّن قد استوجب العذاب ويعتق في اللّيلة الأخيرة من الشّهر ونهارها بعدد جميع من أعتق في الشّهر كلّه، فلنحذر من أن ينقضي عنا شهر رمضان وقد بقي علينا ذنب من الذّنوب وإيّانا أن نكون من المُذنبين المحرومين من الاستغفار والدّعاء.
فَعَنِ الصّادق (عليه السلام) أنّه : « مَنْ لَم يُغفَر لَه في شَهر رَمَضان لَم يُغفَر لَهُ الى قابِل اِلاّ أن يَشهَدَ عَرَفَةَ » وصن نفسك أيها المؤمن ممّا قد حرّمه الله ومن أن تفطر بمحرّم عليك،
واعمل بما أوصى به مولانا الصّادق عليه السلام حينما قال : اذا أصبحت صائما فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك وجميع جوارحك ، أي عن المحرّمات بل المكروهات أيضاً،
وقال (عليه السلام) : لا يكن يوم صومك كيوم افطارك ،
وقال (عليه السلام) : انّ الصّيام ليس من الطّعام والشّراب وحدهما فاذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب، وغضّوا أبصاركم عمّا حرّم الله، ولا تنازعوا ولا تحاسدوا ولا تغتابوا ولا تمارُوا ولا تخالفوا (كذبا بل ولا صدقا) ولا تسابوا ولا تشاتموا ولا تظلموا ولا تسافهوا ولا تضاجروا ولا تغفلوا عن ذكر الله وعن الصّلاة وألزموا الصّمت والسّكوت والصّبر والصدّق ومجانبة أهل الشّر، واجتنبوا قول الزّور والكذب والفرى والخصومة وظنّ السّوء والغيبة والنّميمة وكونوا مشرفين على الاخرة منتظرين لايّامكم (ظهور القائم (عليه السلام) من آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)) منتظرين لما وعدكم الله متزوّدين للقاء الله، وعليكم السّكينة والوقار والخشوع والخضوع وذلّ العبيد الخيّف من مولاها خائفين راجين، ولتكن أنت أيّها الصّائم قد طهر قلبك من العيوب وتقدّست سريرتك من الخبث ونظف جسمك من القاذورات وتبرّأت الى الله ممّن عداه وأخلصت الولاية له وصمتّ ممّا قد نهاك الله عنه في السّر والعلانية وخشيت الله حقّ خشيته في سرّك وعلانيك، ووهبت نفسك الله في أيّام صومك وفرغت قلبك له ونصبت نفسك له فيما أمرك ودعاك اليه ، فاذا فعلت ذلك كلّه فأنت صائم لله بحقيقة صومه صانع له ما أمرك، وكلّمأ انقصت منها شيئاً فيما بيّنت لك فقد نقص من صومك بمقدار ذلك، وانّ أبي (عليه السلام) قال : سمع رسول الله (ص)امرأة تساب جارية لها وهي صائمة فدعا رسول الله (ص)بطعام فقال لها : كُلي ، فقالت : أنا صائمة يا رسول الله (ص)، فقال : كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك انّ الصّوم ليس من الطّعام والشّراب وانّما جعل الله ذلك حجاباً عن سواهما من الفواحش من الفعل والقول، ما أقلّ الصّوم وأكثر الجّوع.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : كم من صائم ليس له من صيامه الّا الظّماء، وكم من قائم ليس له من قيامه الّا العناء، حبّذا نوم الاكياس وافطارهم،
وعن جابر بن يزيد عن الباقر (عليه السلام)قال : قال النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لجابر بن عبد الله : يا جابر هذا شهر رمضان مَن صام نهاره وقام وردا من ليلته وصان بطنه وفرجه وحفظ لسانه لخرج من الذّنوب كما يخرج من الشّهر ، قال جابر : يا رسول الله (ص) ما أحسنه من حديث ، فقال رسول الله (ص): وما أصعبها من شروط .
لهذا وغيره ،فشهر رمضان فرصة لنا جميعا أيها المؤمنون ، فرصة لعمل الخير ، فرصة للتأمل ، فرصة للتواصل ، وفرصة لتجديد الطاقات . فعلى شعوبنا الإسلامية والعربية أن تستفيد من أجواء الشهر الفضيل في نشر المحبة والتسامح والتصالح وتركيز القيم الإسلامية العظيمة التي تجمعنا جميعا على حب الله وطاعته . كما أتمنى على أولئك اللذين أساؤوا إلى مئات الملايين من المسلمين بتكفيرهم واتهامهم بما لا صحة له من الادعاءات . فسالت بسببه الدماء وانتهكت الأعراض وقتل الأبرياء من الرجال والنساء وذبح الأطفال . فعلى هؤلاء أن يتوبوا إلى الله في هذا الشهر الكريم ، عسى الله أن يتجاوز عنهم ويعفو فإنه هو الغفور الرحيم .