مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين
يصادف يوم الاثنين 17 من شهر ربيع الاول ذكرى ولادة النبي محمد (ص) والتي تردد تاريخها بين الثاني عشر والسابع عشر من شهر ربيع الأول مما جعل بعض المصلحين يطلق اسم (أسبوع الوحدة الإسلامية) على الفترة الواقعة بين التأريخين.
ومن هذه المبادرة وغيرها يمكننا أن نلحظ أن الشيعة من أحرص الناس على وحدة المسلمين واجتماع كلمتهم، ولكن دعاة التفرقة ممن لا يروق لهم هذا التقارب يحاولون إيجاد الاختلافات والانشقاقات خلافا للمنهج القرآني المتمثل بقول الله تبارك وتعالى ( (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)).
وإننا إذ ندعو إلى الوحدة الإسلامية فإن ذلك لا يعني أن يتنازل كل منا عن ثوابته وإنما المراد هو الاطلاع والتركيز على الثوابت المشتركة بين الطرفين لتكون وسيلة لنشر الألفة بين المسلمين وانفتاح كل طرف على آراء الطرف الآخر وأفكاره لنحقق من ذلك ثمرة الوحدة المطلوبة والمتمثلة بقوله تعالى: ((ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون))
هذا أولا، وثانيا: يجدر بنا ونحن في ظلال هذه المناسبة المباركة أن نتأمل سيرة هذين المولودين العظيمين لنستخلص منها ما نتخذه منهجا نسترشد به في تقويم سلوكنا والسمو بأخلاقنا فنجسد القيم الإلهية من الصدق والأمانة والتواضع والحفاظ على وحدة الكلمة والمساواة ورعاية المظلومين والمحرومين والمستضعفين والتخلق بأخلاق النبي وآله (ع) التي نحن أحوج ما نكون إليها في عالمنا الذي يضج بالصراعات والمنازعات بعيدا عن الأخلاق وصوت الضمير الانساني، بينما يقول امير المؤمنين (ع) لمالك الاشتر (الناس صنفان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق).
لقد كان ميلاد النبي (ص) إيذانا ببدء نهضة إنسانية كبرى بزغ نجمها في جزيرة العرب وامتدت لتطبق العالم بنداء التوحيد الخالص والشريعة الإلهية الحقة. ومن أجل هذا يتحمل المسلمون اليوم مسؤولية حمل مشعل الإصلاح والعدالة كما حمله نبينا الأكرم (ص) وأهل بيته الكرام (ع) لنكون من أتباعه حقا ومن الذين تشملهم شفاعته يوم القيامة لانه الشفيع الاكبر لقوله تبارك وتعالى ((ولسوف يعطيك ربك فترضى))، وقد قال الامام الصادق (ع) (رضا جدي ان لا يدخل النار موحد).
وإن تزامن ولادة الإمام الصادق(ع) مع ولادة جده المصطفى (ص) واتحاد الفرع مع الأصل نسبا وهدفا يحمل رسالة بصرية للأمة بأن نور النبوة لم ولن ينقطع وأن خط الهداية مستمر عبر الأئمة من ذريته وهم سفن النجاة وباب حطة والأمان لهذه الأمة إذا اقتدوا بهم لقوله (ص): (إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإن اللطيف الخبير قد عهد إلي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)، ولكن من المؤسف ان الامة لم تلتزم بما اراد النبي لها من صلاح دينها ودنياها فلذلك اصبحت مشرقة ومغربة ، واليهم اشارت الاية بقوله ((وان لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا)) وقوله ((ولو ان اهل القرى امنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فاخذناهم بما كانوا يكسبون)).
كما أن هذا التقارن يشعر المؤمنين بأن الاحتفال بميلاد النبي (ص) لا ينفك عن الاحتفال بميلاد الإمام الصادق (ع) إذ أن الاثنين يشكلان معا بداية الخط الرسالي واستمراره فالأول أسس الدين وأقام معالمه والثاني حفظه من التحريف وبين أحكامه في مرحلة كان الفكر الإسلامي يتعرض فيها لتحديات فكرية وعقائدية هائلة فكان الامام الصادق (ع) هو المفسر والحافظ لتلك الشريعة حيث حافظ على نقاء الرسالة وسعى لنشرها على أوسع نطاق.
إن الإمامة الإلهية هي الامتداد الطبيعي للنبوة من حيث وظيفة الهداية مع فارق أن النبوة وحي والإمامة إلهام وعلم لدني فكان الإمام الصادق (ع) هو الناطق بلسان جده والمبين لأحكامه وقد ملأ الدنيا علما حتى نسب إليه المذهب الجعفري ونقلت عنه الأمة آلاف الروايات في الفقه والكلام والتفسير والطب والكيمياء وغيرها وما تزال إلى اليوم تنهل من نميره العذب ومعينه الصافي الذي لا يغيض.
نسأل من المولى سبحانه وتعالى ان يجعلنا من السائرين على منهاج نبيه الكريم (ص) وآله الأطهار (ع) والمهتدين بهداهم إنه سميع مجيب.