مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين


ممثل المرجعية العليا في اوربا يعزي العالم الاسلامي بشهادة الرسول الاعظم محمد بن عبد الله (ص) ويقول:
فقدت الانسانية اعظم شخصية عرفها الانسان على وجه الكرة الارضية لما لها من تاثير في تاريخ البشرية منذ ان كانت طفلا فاقدا لابويه الى شاب عرف بالصدق والامانة الى نبي واجه مجتمعا جاهلا بابسط امور الحياة، ثم الى قائد اسس كيانا جديدا ثم الى رسول بلغ الرسالة وادى الامانة وبقيت سيرته مفتوحة للاجيال

يصادف الاربعاء 28 من شهر صفر الموافق 12 اب 2026يوم رحلة النبي المصطفى (ص) الى الملكوت الاعلى، وبهذه المناسبة تتشح المراكز والمؤسسات الاسلامية بالسواد حزنا على وفاته (ص) وتقام فيها مجالس العزاء كالعادة ، ولا نستطيع اختزال شخصية الرسول الاكرم (ص) بمقال كهذا ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وبسرد ما ياتي نطلع على اهم نقاط حياته:

أولاً: الولادة والنشأة
وُلد رسول الله محمد (ص) في مكة المكرمة في عام الفيل، على المشهور، من عبد الله بن عبد المطلب وآمنة بنت وهب. وقد توفي والده عبد الله قبل ولادته، فنشأ يتيماً منذ بداية حياته، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾.
وكانت هذه النشأة المبكرة تحمل في طياتها معنى مهماً؛ فقد عاش النبي (ص) تجربة اليتم والفقد والحاجة، ولذلك بقيت في شخصيته حساسية عميقة تجاه الضعفاء والمحرومين والأيتام.
ومن السنن التي جرت عند العرب آنذاك أن يُرسل الأطفال إلى البادية، فتولى حليمة السعدية رضاعته مدة من الزمن، ثم عاد إلى أمه. ولما بلغ السادسة من عمره توفيت أمه آمنة، فانتقل إلى كفالة جده عبد المطلب، ثم بعد وفاة جده تولى رعايته عمه أبو طالب الذي كان شديد العناية به، وظل مدافعاً عنه وحامياً له طوال مرحلة الدعوة المكية.

ثانياً: شبابه وظهور شخصيته
نشأ النبي (ص) في مجتمع كانت تنتشر فيه مظاهر الشرك والظلم الاجتماعي والعصبية القبلية، ومع ذلك حافظ منذ شبابه على صفاء فطرته ونقاء سلوكه.
وهذا اللقب مهم جداً في فهم شخصيته؛ لأن الإنسان الذي سيطالب الناس بعد ذلك بتصديق الوحي والرسالة لا يمكن أن يبدأ حياته بالكذب والخيانة. لقد عرفه الناس قبل البعثة بالصدق والأمانة، ثم جاء الإسلام ليكشف لهم أن هذه الصفات لم تكن أمراً عارضاً، وإنما كانت جزءاً أصيلاً من شخصيته.
اشتغل النبي (ص) في شبابه بالتجارة، وكان معروفاً بحسن المعاملة والأمانة. وقد خرج في بعض الرحلات التجارية، فاكتسب خبرة واسعة بأحوال الناس والمجتمعات والأسواق.
وفي هذه المرحلة تزوج السيدة خديجة بنت خويلد (ع) ، وكانت من أبرز الشخصيات في حياته. وقد شكلت خديجة بالنسبة إليه سنداً روحياً واجتماعياً كبيراً، وكانت أول من آمن برسالته وصدقه عندما نزل عليه الوحي.

ثالثاً: مرحلة ما قبل البعثة
كان النبي (ص) يميل إلى التأمل والابتعاد عن أجواء الشرك والفساد، وكان يتعبد ويتأمل في غار حراء، وعندما بلغ الأربعين من عمره جاءت اللحظة الفاصلة في تاريخ البشرية، فنزل عليه الوحي.

رابعاً: البعثة ونزول الوحي
بدأت الرسالة الإسلامية بنزول القرآن الكريم على النبي (ص) في غار حراء، وكان أول ما نزل عليه من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
وهنا بدأت مرحلة جديدة كلياً في حياته.
لم تكن الرسالة مجرد دعوة إلى أداء بعض العبادات، وإنما جاءت لتعيد بناء الإنسان والمجتمع على أساس التوحيد والعدل والكرامة والأخلاق.
وكان أول المؤمنين به السيدة خديجة (ع)، ومن أوائل من آمن به الإمام علي بن أبي طالب (ع) .
وفي السنوات الأولى كانت الدعوة محدودة، ثم أُمر النبي (ص) بإعلانها والجهر بها.
وقد واجهت قريش الدعوة الجديدة بمقاومة شديدة؛ لأن الإسلام لم يواجه الشرك العقدي فقط، وإنما واجه أيضاً الظلم والاستغلال والعصبية والتمييز الاجتماعي.

خامساً: المرحلة المكية والصبر على الأذى
استمرت الدعوة في مكة نحو ثلاث عشرة سنة، وكانت هذه المرحلة مدرسة عظيمة في الصبر والثبات.
تعرض النبي (ص) وأصحابه لأنواع مختلفة من الأذى والسخرية والاتهام والمقاطعة والاضطهاد.
وكان بإمكانه أن يتراجع عن دعوته مقابل الحصول على المال والجاه والسلطة، وقد عرضت عليه قريش ذلك بصورة أو بأخرى، لكنه لم يتراجع.
وهنا تظهر إحدى أعظم خصائص سيرته: الثبات على المبدأ.
لم يكن النبي (ص) يبحث عن سلطة شخصية، وإنما كان يرى نفسه مسؤولاً عن أداء الأمانة الإلهية.
وقد تحمل المسلمون في مكة أذى شديداً، حتى اضطرت مجموعة منهم إلى الهجرة إلى الحبشة، ثم اشتد الحصار على النبي (ص) وبني هاشم، في حادثة المقاطعة المعروفة.
ثم توفي أبو طالب والسيدة خديجة (ع)، فكان ذلك عاماً شديداً في حياة النبي، حتى عُرف بعام الحزن.
ومع ذلك لم يتوقف عن أداء رسالته.

سادساً: الهجرة إلى المدينة
بعد اشتداد الأذى، أذن الله تعالى للنبي (ص) بالهجرة إلى المدينة.
والهجرة لم تكن مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى المدينة، وإنما كانت انتقالاً من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء المجتمع والدولة.
دخل النبي (ص) المدينة، فبدأ مرحلة جديدة من العمل الإسلامي.
وكان من أهم أعماله بناء المسجد، وإقامة مجتمع يقوم على الإيمان والتعاون، وتنظيم العلاقات بين المسلمين وغيرهم، ومعالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تواجه المجتمع الجديد.
وهنا ظهر الجانب القيادي في شخصية النبي (ص) بصورة واضحة.
فهو لم يكن مجرد واعظ، بل كان معلماً ومربياً وقائداً وقاضياً ومديراً لشؤون المجتمع.

سابعاً: بناء الإنسان والمجتمع
من أهم ما يميز المرحلة المدنية أن النبي (ص) ركز على بناء الإنسان قبل بناء المؤسسات.
فربّى أصحابه على الصدق والأمانة والتواضع والإيثار والصبر.
وكان يؤكد أن التفاضل الحقيقي بين الناس لا يكون بالمال والقبيلة والعرق، وإنما بالتقوى والعمل الصالح.
ومن أبرز مظاهر منهجه أنه جمع بين العبادة والأخلاق والعمل الاجتماعي.
فالصلاة لم تكن منفصلة عن الأخلاق، والصيام لم يكن منفصلاً عن التقوى، والزكاة لم تكن مجرد إخراج مال، والجهاد لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، وإنما كانت جميعها وسائل لبناء الإنسان الصالح والمجتمع العادل.

ثامناً: مواجهة الأزمات والحروب
لم تكن حياة النبي (ص) خالية من الأزمات. فقد واجه المسلمون في المدينة تهديدات عسكرية وسياسية متعددة، ووقعت معارك مثل بدر وأحد والخندق وغيرها.
وفي معركة بدر ظهر أثر الإيمان والثبات والتخطيط.
وهذه الأحداث تكشف أن النبي (ص) كان يجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب.
فلم يكن التوكل عنده تركاً للتخطيط، كما لم يكن التخطيط بديلاً عن الاعتماد على الله.

تاسعاً: أخلاق النبي (ص)
من أعظم جوانب سيرته أخلاقه.
وقد وصفه القرآن الكريم بقوله:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
وكانت أخلاقه سبباً مهماً في جذب الناس إلى الإسلام.
كان متواضعاً، يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويعامل الفقراء باحترام، ويعود المرضى، ويهتم بالأيتام، ويصل الرحم، ويعفو عمن أساء إليه في المواطن التي يكون العفو فيها أصلح.
ولم تكن رحمته مقتصرة على أصحابه، بل كان القرآن يصفه بقوله:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
وهذه الرحمة هي من أهم المفاتيح لفهم شخصيته.

عاشراً: فتح مكة
بعد سنوات من الصراع جاءت مرحلة فتح مكة.
وكان هذا الحدث من أبرز اللحظات في حياته؛ لأن النبي (ص) دخل مكة التي أُخرج منها واضطهد فيها، وأصبح قادراً على الانتقام ممن آذوه.
لكن منهجه لم يكن قائماً على التشفي الشخصي.
بل غلب على موقفه العفو وإعادة بناء المجتمع، وأصبحت مكة مركزاً للتوحيد بعد أن كانت مركزاً للشرك.
وهنا يظهر درس عظيم: القوة في الإسلام ليست غاية للانتقام، وإنما وسيلة لإقامة الحق ودفع الظلم وإصلاح المجتمع.

الحادي عشر: اتساع الإسلام
بعد فتح مكة دخل الناس في الإسلام بأعداد كبيرة، وبدأت الرسالة تنتشر في أنحاء الجزيرة العربية.
وأرسل النبي (ص) رسائل ودعوات إلى عدد من الملوك والحكام، في إطار إيصال رسالة الإسلام إلى خارج الجزيرة.

الثاني عشر: حجة الوداع
في السنة العاشرة للهجرة أدى النبي (ص) حجة الوداع.
وكانت هذه الحجة محطة بالغة الأهمية؛ لأنها كانت من آخر المواقف العامة الكبرى في حياته.
وفيها أكد على مجموعة من المبادئ الأساسية، منها حرمة الدماء والأموال والأعراض، وضرورة التمسك بالقيم الإسلامية، ونبذ العصبية الجاهلية.
وفي الرؤية الإمامية، تكتسب أحداث أواخر حياته أهمية خاصة، ولا سيما واقعة الغدير، حيث أعلن النبي (ص) ولاية الإمام علي بن أبي طالب (ع) في ذلك الموقف العظيم، وأكد على موقع أهل البيت (ع) في مسيرة الأمة.
ومن هنا فإن دراسة المرحلة الأخيرة من حياته لا تكتمل ـ وفق الرؤية الإمامية ـ من دون دراسة حديث الثقلين وحديث الغدير وسائر النصوص الواردة في أهل البيت (ع) .

الثالث عشر: الأيام الأخيرة والوفاة
بعد عودته من حجة الوداع لم تمض مدة طويلة حتى بدأت تظهر عليه علامات المرض.
وقد كان النبي (ص) في أيامه الأخيرة حريصاً على مستقبل الأمة، وعلى أداء ما بقي من مسؤوليات الرسالة.
اشتد به المرض، وانتقل في تلك الأيام إلى بيت السيدة عائشة، وتذكر المصادر أنه كان يوصي بالصلاة، ويؤكد على جملة من القضايا الأساسية.
وفي السنة الحادية عشرة للهجرة، وبعد حياة حافلة بالرسالة والجهاد والتربية والصبر، انتقل النبي (ص) إلى الرفيق الأعلى عن عمر يقارب ثلاثاً وستين سنة.
وكان رحيله أعظم مصيبة عرفها المسلمون؛ لأنه لم يكن فقدان قائد سياسي أو عالم ديني فحسب، وإنما فقدان رسول الله (ص) وخاتم الأنبياء.

رابع عشر: ماذا ترك النبي للأمة؟
إن أهم سؤال بعد دراسة حياة النبي (ص) هو: ماذا أراد أن يترك للأمة؟
لقد ترك القرآن الكريم، والسنة، والمنهج الأخلاقي، ومشروع بناء الإنسان، كما أكدت الروايات على التمسك بأهل البيت (ع).
وفي الحديث المعروف:
(إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي)

ومن هذا المنظور فإن استمرار الهداية بعد النبي (ص) ارتبط بالإمامة وأهل البيت (ع)، ولذلك لا يمكن فصل الرسالة النبوية عن الدور الذي أداه أهل البيت (ع) في حفظ معالمها وشرحها والدفاع عنها.
فسلام الله عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين ما صمت صامت و نطق ناطق و ذر شارق و رحمة اللّه و بركاته.