مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين
تطل علينا ذكرى شهادة ثامن الحجج الالهية الامام علي بن موسى الرضا (ع) يوم السبت 17 صفر الموافق 1 اب 2026م، هذا الامام الذي كان معجزة عصره ومفخرة دهره وآية من آيات الإسلام، وقد اعترف بفضله السامي وعلو مقامه كافة الناس في عصره، ولهجت الألسن بفضائله ومزاياه، وتبارت الشعراء بتعداد أمجاده ومفاخره وكراماته. وكان أفضل أهل زمانه وأكملهم وأكثرهم علماً وعطاء وورعاً وعدلاً وعبادة. قال أبو الصلت الهروي: (ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا (ع) ولا رآه عالم إلا شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عددٍ علماء الأديان وفقهاء الشريعة والمتكلمين، فغلبهم عن آخرهم، حتى ما بقي أحد منهم إلا أقر له بالفضل، وأقر على نفسه بالقصور. ولقد سمعت علي بن موسى الرضا عليه السلام يقول: كنت أجلس في الروضة والعلماء بالمدينة متوافرون، فإذا أعيا الواحد منهم عن مسألة أشاروا إلي بأجمعهم وبعثوا إلي بالمسائل فأجيب عنها).
ولما رأى المأمون ما عند الامام (ع) من احاطة بالعلوم والمعارف طلب منه أن يكتب له شرحاً مفصلاً عن التوحيد والإسلام والطب فكتب له رسائل لخص فيها معنى التوحيد وأحكام الإسلام وأصول القواعد الصحية وغيرها، وقد جمعت هذه الرسائل في رسالة واحدة عرفت بالرسالة الذهبية .
ونظرا لاهميتها فقد عكف على شرحها وترجمتها جمهرة من العلماء بلغ عددهم تسعة عشر عالما ، فما احرانا ونحن نعيش في هذه العصور الجرداء ان نرجع الى تراث اهل البيت (ع) وما تركوه لنا من اثار علمية ومعرفية تستفيد منها الأجيال خصوصا أطباء العصر وأساتذة الفن من مسلمين وغيرهم ليستفيدوا منها وينفعوا بها البشرية.
إلى جانب هذا فقد زود إمامنا الرضا (ع) مدرسة أهل البيت (ع) بمختلف العلوم والمعارف انذاك وربى جيلاً من الطلبة احصى عددهم وأسماءهم العلامة الشيخ القرشي في موسوعة أهل البيت (ع).
فبلغوا اربعة الاف طالبا، ومن هنا يتضح لنا اهتمام الإمام الرضا (ع) كبقية أهل بيت النبوة بنشر العلوم المختلفة الدينية منها والطبيعية والإنسانية والكونية وغيرها، وتشجيع طلابه على تدوينها ونشرها في كل مكان وزمان خوفاً عليها من الضياع، وإلى هذا أشار بقوله (ع): (رحم الله عبداً أحيى أمرنا) يقول عبد السلام الهروي: فقلت له: يابن رسول الله وكيف يحيي أمركم؟ قال: (يتعلم علومنا ويعلمها الناس فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا).
وقوله (ع) (الناس) هنا لا يعني جماعة معينة أو فئة خاصة، وإنما يشمل كل محب للعلم والثقافة والمعرفة، مسلماً كان أم غير مسلم، لأن علم الأئمة (ع) وما يحملونه من معارف مثله كمثل الشمس التي تستفيد منها كل الكائنات الحية وغير الحية.
فعلى اتباع مدرسة اهل البيت (ع) ان يرتبطوا بائمتهم (ع) وياخذوا منهم معالم دينهم وعقيدتهم ولا ينبهروا بالرقي التكنولوجي او الذكاء الصناعي في هذا الزمن ويتصوروا بأن هذا هو الرقي الحقيقي وينجرفوا وراء ما تفرضه القوانين المنحرفة والشاذة التي تشكل خطرا على عقائدهم ودينهم وأجيالهم، فإن خطر هذه الأفكار عليهم أشد من خطر الأمراض الجسمية التي يصابون بها، وإلى هذا أشار أمير المؤمنين(ع) بقوله:(عجبت لمن يتفكر في مأكوله كيف لا يتفكر في معقوله ويجنب بطنه ما يؤذيه ويودع صدره ما يرديه)، فإن مرض البدن أهون من مرض العقل، لأن الأول يعالج عن طريق الدواء وأما الثاني فيؤدي به إلى الهلكة وخسارة الدنيا والآخرة.
ونحن في هذا العصر أمام انحدار أخلاقي وتحديات كبيرة في تربية الأبناء، وخصوصا وان بعض الاسر المسلمة تتساهل مع ابنائها في اقتنائهم الاجهزة الحديثة دون مراقبة، فلا يعلمون ماذا يشاهدون فيها ظنا منهم بان في ذلك صلاح دينهم ودنياهم ، وبين هذا وذاك استغل الاعداء الفرصة لغسل ادمغة الابناء وتغذيتها بالسموم الفكرية مما ادى الى انحراف البعض منهم ، بينما نرى ان التعاليم الاسلامية اكدت على تغذية المولود من اول ايامه بالعقيدة والايمان بان يؤذن باذنه اليمنى ويقام باليسرى ويحنك بشيء من تربة سيد الشهداء (ع) ليكون هذا اول غذاء روحي يزرع في ذهن الطفل ويظهر اثره (في عالم الشعور).
فلهذا ننصح للاباء والامهات ان يجلسوا مع ابنائهم اسبوعيا ليعلموهم أمور دينهم وعقيدتهم حتى ينشؤوا تنشئة إسلامية سليمة يقدرون معها على مواجهة الانحرافات والتحديات التي تعصف بهم في هذا العصر.
نسأل من العلي القدير ان يهدينا سواء السبيل وان يجعلنا من السائرين على منهج محمد واله محمد (ص) ، والحمد لله رب العالمين.
اللهم صل على علي بن موسى الرضا المرتضى الإمام التقي النقي وحجتك على من فوق الأرض ومن تحت الثرى الصديق الشهيد صلاة كثيرة تامة زاكية متواصلة متواترة مترادفة كأفضل ما صليت على أحد من أوليائك.