مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين
تصادف هذه الليلة ليلة التاسع من محرم، وهي محطة ايمانية وتربوية عظيمة نستذكر فيها شابا من اعظم شباب الاسلام، الذي جمع بين جمال الصورة وجمال السيرة، وبين الشجاعة والاخلاق، وبين الايمان والطاعة، وبين التضحية والبصيرة، فما هي الدروس التي نستفيدها من هذه الشخصية هذه الليلة، اذكر لكم منها تسعة دروس:
الاول: تقديمه قدوة صالحة للشباب
لانه شاب جمع بين الايمان العميق والاخلاق الرفيعة والادب والتواضع والشجاعة والثبات والطاعة والالتزام ، ومن هنا ينبغي ان تكون هذه الليلة فرصة لتعريف الشباب بهذه الشخصية العظيمة وبيان ان الحقيقة لا تقاس بالمظاهر او الشهرة او المال بل بالقرب من الله تبارك وتعالى وخدمة الحق
ثانيا: استلهام معنى التشبه برسول الله (ص)
فان أيرز ما يميز علي الأكبر (ع) أنه كان أشبه الناس برسول الله (ص) خلقا وخلقأ ومنطقا، وهذا الوصف يفتح أمامنا بابا واسعا للتأمل، فالمؤمن لا يكتفي بمحبة النبي (ص) ، بل يسعى إلى الاقتداء به، فان من أفضل ما يمكن أن نستثمر به هذه الليلة أن نجدد علاقتنا العملية برسول الله (ص) من خلال الاقتداء بأخلاقه، والتحلي بالرحمة والرفق، والصدق في القول والعمل، واحترام الآخرين، والتواضع وحسن المعاملة، فكلما اقترب الإنسان من أخلاق النبي (ص) اقترب من النموذج الذي مثله علي الأكبر (ع) .
ثالثاً: تعزيز الهوية الإيمانية لدى الشباب
كان علي الأكبر (ع) يعيش وعياً كاملاً بهويته وانتمائه، لقد عرف موقعه في معسكر الحق، وعرف مسؤوليته تجاه الدين وامام زمانه، فلم تسمح له المغريات و المخاوف أن يتخلى عن قضيته في زمن تتعرض فيه الهوية الدينية والثقافية لكثير من التحديات، نحن بحاجة إلى ترسيخ هذه المعانى في نفوس أبنائنا. فينبغي أن تكون هذه الليلة مناسبة الحديث عن الاعتزاز بالدين، والاعتزاز بالانتماء لأهل البيت (ع) والثبات على المبادئ، ومقاومة الذوبان في الثقافات المنحرفة ، والجمع بين الأصالة والانفتاح الواعي. فالشاب الذي يعرف هويته يكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
رابعاً: استلهام روح الطاعة والالتزام
من ابرز معالم شخصية علي الأكبر (ع) طاعته المطلقة لامامه الحسين (ع) لقد نشأ في بيت الإمامة وتربى على التسليم للحق والانقياد لأوامر الله تعالى . ولذلك لم يتردد في الوقوف إلى جانب أبيه وأمامه في أصعب الظروف حينما قال « يا أبتَ ، ألَسنا على الحق » ؟ فقال : « بلى ، والذي إليه مَرجِع العباد » فقال علي الأكبر : « إذاً لا نبالي أوقعنا على الموت أو وقع الموتُ علينا » ، فأجابه الإمام الحسين (ع) : « جَزَاك اللهُ مِن وَلدٍ خَير مَا جَزَى وَلَداً عن والِدِه » .
وهذا الدرس مهم للغاية في عصر كثرت فيه الدعوات الى التحررمن كل قيد حتى من القيم والمبادئ الدينية.
ان الحرية الحقيقية لا تعني التمرد على الحق بل تعني التحرر من الاهواء والشهوات والالتزام بما يرضي الله تعالى.
ومن هنا فان ليلة علي الاكبر (ع) فرصة لتجديد الالتزام بالطاعة لله ورسوله واهل البيت (ع).
خامسا: تعلم الشجاعة المسؤولة
اشتهر علي الأكبر (ع) بشجاعته الفائقة في يوم عاشوراء. لكن شجاعته لم تكن اندفاعا عاطفياً أو تهورا غير محسوب. لقد كانت شجاعة نابعة من الإيمان والبصيرة واليقين. واليوم يحتاج الشباب إلى هذا النوع من الشجاعة، شجاعة قول الحق ومقاومة الضغوط السلبية والالتزام بالدين في البيئات الصعبة ومواجهة الانحراف الأخلاقي وتحمل المسؤولية، فالمجتمع لا ببنيه المترددون، بل ببنيه أصحاب المواقف الواضحة والثابتة.
سادساً: استلهام روح التضحية والعطاء
لقد قدم على الأكبر (ع) نفسه في سبيل الله تعالى وفي سبيل القضية التي امن بها. وكان بامكانه أن يبحث عن النجاة الشخصية كما فعل كثيرون في التاريخ، لكنه اختار طريق التضحية، وهذا يعلمنا أن الحياة الكريمة تقوم على البذل والعطاء والتضحية بالوقت لخدمة الدين والمجتمع، والتضحية بالراحة في سبيل طلب العلم، والتضحية بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة، والتضحية بالرغبات المحرمة طاعة لله تعالى، فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تكمن فيما يملك، بل فيما يقدم.
سابعاً: تعزيز العلاقة بين الأباء والأبناء
من المشاهد المؤثرة في كربلاء العلاقة المميزة بين الامام الحسين (ع) وولده علي الأكبر (ع) فلقد كانت علاقة قائمة على المحبة والثقة والتربية الإيمانية العميقة. وهذا يدعونا إلى مراجعة واقع أسرنا. فكم من الأباء يشتكون من ابتعاد أبنائهم، وكم من الأبناء يفتقدون إلى الحوار والاحتواء. إنّ ليلة على الأكبر (ع) فرصة التأكيد على أهمية الحوار الأسري، احتضان الأبناء، الاستماع إلى مشكلاتهم، بناء الثقة المتبادلة، غرس القيم بالإقناع والمحبة، فالعلاقة القوية بين الأباء والأبناء هي أساس التربية الناجحة.
ثامناً: الاهتمام بقضايا الشباب المعاصرة
إذا كانت ليلة على الأكبر (ع) تمثل ليلة الشباب في كربلاء، فمن الطبيعي أن تكون مناسبة الحديث عن هموم الشباب وتحديات هم. ومن أبرز القضايا التي تستحق التركيز على المحافظة على الهوية الدينية، مواجهة الإلحاد والشبهات، التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، اختيار الأصدقاء، بناء المستقبل العلمى والمهني، الزواج وتكوين الأسرة.
ان الوفاء لعلي الاكبر (ع) لا يكون بالبكاء عليه فقط بل بالاهتمام الحقيقي بالشباب الذين يمثلهم.
تاسعا: تجديد العهد مع مشروع الامام الحسين (ع)
لم يكن علي الاكبر (ع) منفصلا عن نهضة الامام الحسين (ع) بل كان جزءا اساسيا منها. ولهذا فان ذكراه تدعونا الى تجديد العهد مع اهداف كربلاء من نصرة الحق ومواجهة الظلم واصلاح النفس وخدمة المجتمع والالتزام بالقيم الاسلامية، فكلما اقتربا من هذه الاهداف اقتربنا من روح عاشوراء الحقيقية.
فسلام الله على علي الاكبر يوم ولد ويوم شب في طاعة الله ويوم استشهد مع الحسين (ع) ويوم يبعث حيا.
فنسال الله تعالى ان يرزقنا الاقتداء بسيرته وان يجعل شبابنا من حملة رسالته وقيمه انه سميع مجيب.