مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين

جاء حديثه هذا في مركز الخوجة العالمي في لندن بمناسبة توقيع مذكرة التفاهيم بين (الاتحاد العالمي للمسلمين الشيعة الاثنا عشرية (الخوجة) ومؤسسة العين للرعاية الاجتماعية).
وقد حضر في هذا اللقاء (الشيخ صفدر جعفر) الامين العام للاتحاد العالمي للمسلمين الشيعة الاثنا عشرية (الخوجة) و(الدكتور احمد السوداني) المدير التنفيذي لمؤسسة العين للرعاية الاجتماعية ، واعضاء من كلا المؤسستين وذلك في المقر الجديد للاتحاد في منطقة هرفيلد غرب لندن ، وافتتحت الجلسة بكلمة لممثل المرجع الاعلى والتي جاء فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين.
الإخوة الكرام.
إنّ من نعم الله تعالى على الإنسان أن يوفقه ليكون سبباً في تفريج كربةٍ عن مؤمن، أو مسح دمعة يتيم، أو إعانة أسرةٍ أثقلتها المحن والشدائد. وما أعظمها من نعمة حين تتحول هذه الروحية إلى مشروعٍ مؤسسيٍّ منظم، يحمل هموم الناس وآلامهم، ويسعى إلى مداواتها بما يستطيع من جهد وإمكان.
ونحن نعيش في هذه الأيام ظروفاً بالغة الصعوبة تمرّ بها مجتمعاتٌ كثيرة من أتباع أهل البيت عليهم السلام في أنحاء متعددة من العالم؛ حيث تتوالى عليهم صنوف الابتلاءات من فقرٍ ونزوحٍ وحرمان، ومن اضطراباتٍ أمنية واجتماعية واقتصادية، ومن تحدياتٍ تستهدف هويتهم الدينية والثقافية، فضلاً عمّا تخلفه الحروب والصراعات من مآسٍ إنسانية تطال الأبرياء والضعفاء والأطفال والنساء.
وفي خضم هذه المعاناة، تبرز الحاجة أكثر من أي وقتٍ مضى إلى استحضار مبدأ المواساة الذي ربّى عليه أهل البيت عليهم السلام شيعتهم ومحبيهم. فليس التشيع مجرد انتماءٍ فكري أو عاطفي، بل هو شعورٌ حيٌّ بالمسؤولية تجاه آلام المؤمنين وآمالهم، وإحساسٌ عميقٌ بأن المؤمنين جسدٌ واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
إنّ الطفل اليتيم الذي فقد معيله، والأم التي أثقلتها المسؤوليات، والأسرة التي ضاقت بها سبل العيش، والشاب الذي يواجه تحديات المستقبل، كل أولئك أمانةٌ في أعناق القادرين، ومسؤوليةٌ مشتركة ينبغي أن تستنهض الطاقات والإمكانات والهمم.
ومن هنا تكتسب هذه اللقاءات التي تجمع المؤسسات الرسالية والخيرية (خصوصا الاتحاد العالمي للمسلمين الشيعة الاثنا عشرية الخوجة ومؤسسة العين الخيرية للرعاية الاجتماعية) أهميةً استثنائية؛ لأنها تعبّر عن وعيٍ بأن حجم المعاناة أكبر من أن تتحمله جهة واحدة، وأن الواجب يقتضي توحيد الجهود وتنسيق الطاقات وتبادل الخبرات من أجل الوصول إلى أكبر عددٍ من المحتاجين، وتقديم الدعم لهم بصورةٍ تحفظ كرامتهم وتصون إنسانيتهم.
إنّ المؤسسة الناجحة ليست تلك التي تقدم المساعدة المادية فحسب، بل تلك التي تبعث الأمل في النفوس، وتعيد الثقة إلى القلوب المنكسرة، وتشعر المحتاج بأنه ليس وحيداً في مواجهة أعباء الحياة، وأن هناك من يشاركه همّه ويقف إلى جانبه في محنته.
ولعل من أبرز الدروس التي نستقيها من مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن أشد الأزمات لا ينبغي أن تُضعف روح التكافل، بل يجب أن تزيدها حضوراً وقوة. ففي أحلك الظروف التي مرّت على أئمتنا عليهم السلام، كانوا يؤكدون على رعاية الفقراء، وإغاثة الملهوفين، ومساندة الضعفاء، لتبقى الأمة متماسكةً ومتراحمةً وقادرةً على تجاوز المحن.
أيها الإخوة الاعزاء.
إنّ ما يعيشه كثير من المؤمنين اليوم من ابتلاءاتٍ ومصاعب يضع على عاتق الجميع مسؤوليةً مضاعفة. وإنّ من الوفاء لأهل البيت عليهم السلام أن تتحول مشاعر الحزن على آلام المؤمنين إلى عملٍ جادٍّ ومبادراتٍ عملية ومشاريع مستدامة تخفف من معاناتهم وتمنحهم فرصةً للحياة الكريمة.
نسأل الله تعالى أن يبارك جهود العاملين في ميادين الخدمة الإنسانية، وأن يوفق المؤسسات الخيرية والرسالية إلى مزيدٍ من التعاون والتكامل، وأن يجعلها مناراتٍ للرحمة والعطاء، وأن يفرج عن المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، ويرفع عنهم البلاء والمحنة، ويحفظهم في دينهم وأنفسهم وأوطانهم، إنه وليّ التوفيق.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.