مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين

اقيم مجلس الفاتحة يوم الاحد 7/6/2026م على روح آية الله العظمى الشيخ محمد اسحاق الفياض (قده) في مركز السيد الخوئي (قده) من قبل المؤسسات والمراكز في لندن ، وقد حضره ممثلو المراجع والعلماء وائمة الجماعة ومسؤولو المؤسسات وجمع غفير من المؤمنين من مختلف الجاليات الإسلامية.
وبهذه المناسبة المؤلمة القيت القصائد الشعرية وكلمات لبعض الافاضل تضمنت التعريف بالمنزلة السامية للفقيد علما وتقوى والإشارة إلى المحن التي واجهها من السلطات الظالمة انذاك .
هذا وكان للعلامة السيد الكشميري كلمة ألقاها في هذا المحفل وإليكم نصها :
بقلوب ملؤها الحزن والاسى يفتقد العالم الاسلامي اليوم علما بارزا من أعلام حوزة النجف الاشرف في وقت احوج ما نكون الى امثاله ونحن نعيش هذه الظروف الصعبة، ولكن ليس لنا الا التسليم لقضاء الله وقدره، فإنا لله وانا اليه راجعون.
ايها العلماء والفضلاء، ايها الحضور الكريم:
لقد اشار بعض الأخوة الى ما للفقيد من مكانة علمية واخلاقية ، ولكنني لن اخوض في هذا الجانب لضيق الوقت ، واكتفي بالاشارة الى الوصف الذي وصفه به مرجع الطائفة (مد ظله) في بيانه التأبيني وهو قوله:(اخي الصفي) في حين اننا لم نسمع هذه الكلمة منه ولا من غيره في تأبين من كان قبله من المراجع العظام علما بانها واردة في زيارات الائمة علهم السلام (يا اصفياء الله واحبائه).
اذن، فما هي دلالات هذا الوصف لاخيه الشيخ الفياض (قده)؟
اذكر بعض الوجوه التي اراها مناسبة:
1- كلمة (الصفي) مشتقة من الصفاء، وتستعمل فيمن خلُصت مودته ونقيت سريرته، فيكون صديقا خالصا ورفيقا موثوقا ومحبوبا من اعماق القلب، ومن هنا فان (اخي الصفي) لا تعني مجرد الاخوة في الدين بل التي امتزجت بها المودة الصادقة والاحترام العميق والثقة الكاملة.
2- الاشارة الى عمق العلاقة بين المرجعين ، فقد جمع بينهما الزمن بتاريخ طويل من الزمالة العلمية والحوزوية في النجف الاشرف، حيث عاشا عقودا طويلة في اجواء الدرس والبحث والتدريس وخدمة الحوزة العلمية، وشهدا معا مراحل صعبة مرت بها المرجعية العلمية والحوزة العلمية في العراق ، ومن الطبيعي ان تنشأ بين شخصيتين من هذا المستوى من العلم والدين علاقة تتجاوز حدود الزمالة العلمية الى اخوة حقيقية، ومن هنا يمكن فهم اختيار هذا التعبير بوصفه شأناً من العلاقة الخاصة التي كانت تربطهما.
3- شهادة ضمنية بصفاء روح الفقيد(قده)، فعندما يصف (مد ظله) المرجع الراحل بانه (الصفي) فان ذلك لا يعبّر فقط عن مشاعره الشخصية، بل يحمل في طياته شهادة اخلاقية رفيعة والتي احوج ما نكون نحن اليها في هذا العصر لطلبة العلوم الدينية فضلا عن المراجع، فالصفاء ليس مجرد محبة متبادلة ، بل هو عنوان للنقاء الداخلي وسلامة السريرة والبعد عن الاغراض الشخصية، فكانت العبارة تتضمن شهادة ضمنية لسيرة الشيخ الفياض (قده) وما عُرف عنه من الزهد والتواضع والهدوء والابتعاد عن الصراعات والاختلافات.
4- تأكيد وحدة المدرسة المرجعية في زمن تكثر فيه المحاولات لتصوير التباين بين المراجع او تضخيم الاختلافات الجزئية بينهم. فجاءت هذه العبارة لتقدم درسا عمليا في اخلاق المرجعية، وقد سمعتُ شخصيا من آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (قده) في لقاء جمعني معه في مطار لندن ودار الحديث عن سماحة السيد السيستاني (مد ظله) فكان قوله:(اني لا ارى لي وجوبا للتدخل في الشؤون السياسية العامة سوى السيد السيستاني)، ومثل هذا ما قاله الشيخ الفياض (قده) لبعض المسؤولين حينما زاروه ليسترشدوا برأيه فأجابهم:(لا رأي لي أمام رأي المرجع الاعلى السيد السيستاني فاسألوا منه).
فالخلاصة: ان كلا من السيد السيستاني (مد ظله) والشيخ الفياض (قده) من كبار مراجع الطائفة، ولكل منهما شخصيته العلمية واستقلاله الاجتهادي، ومع ذلك فان التعبير بـ(اخي الصفي) يكشف ان التعدد العلمي لم يكن يوما مانعا من الوحدة القلبية والاحترام المتبادل، وهذه رسالة مهمة الى طلاب العلوم الدينية والى المؤمنين جميعا بأن الاختلاف في الرأي لا ينبغي ان يتحول الى تباعد في القلوب او تنافس غير محمود.
5- اظهار حجم الخسارة الشخصية التي يشعر بها المرجع الاعلى (مد ظله)، فبالامس القريب فقد قرينا له السيد الحكيم (قده) واليوم يفقد الشيخ الفياض (قده)، وبهذا فان التعبير لم يقتصر على خسارة الامة والحوزة، بل اشار الى فقد شخصي ايضا.
إن المؤمن عندما يقرأ هذه الكلمة الموجزة يدرك ان اعظم ما يبقى للانسان بعد عمر طويل من العلم والعمل هو صفاء القلب وحسن العلاقة مع الاخرين ، ولهذا قلنا ان المراتب العلمية الكبيرة والمناصب الدينية الرفيعة كلها عظيمة الشأن لكن الكلمة التي اختارها المرجع الاعلى (مد ظله) لتوديع رفيق دربه لم تكن وصفا لمقامه العلمي فحسب بل كانت وصفا لعلاقته الوثيقة به فلذا قال (اخي الصفي) .
وهذا يكشف عن حقيقة مهمة في مدرسة اهل البيت (ع) وهي ان العلم اذا اقترن بالاخلاق والمحبة الصادقة انتج اخوة تبقى اثارها حتى آخر العمر وتتحول الى شهادة خالدة تختصر مسيرة عقودة طويلة في كلمتين ممتزجتين ولكنهما من ابلغ كلمات التأبين.
نسأل من الله تعالى للفقيد الراحل علو الدرجات وان يجعله مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقاً وإنا لله وإنا اليه راجعون.