مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين


ممثل المرجعية العليا يهنيء العالم الاسلامي بعيد الاضحى المبارك ويقول:
كيف يتلقى المسلمون عيد الاضحى المبارك بزمن المحن وما هي واجباتهم تجاه اخوانهم

ام سماحة العلامة السيد الكشميري المؤمنين في العاصمة البريطانية لندن لصلاة عيد الاضحى المبارك لهذا العام، وقد جاء في خطبته :
نعيش هذا اليوم بنفحات هذا العيد المبارك الذي جعله الله تعالى موسماً للطاعة والتسليم والرضا بامره، ومظهراً من مظاهر الفرح المشروع الذي يعبّر فيه المؤمن عن شكره لله تعالى على نعمه وآلائه. ولكن من المؤلم بان قلوب المؤمنين مثقلة بالهموم، وأرواحهم يعتصرها الألم لما يمرّ به إخوانهم في كثير من بقاع العالم من محنٍ وآلام، ومن دمارٍ وتشريدٍ وضياع، وما يتعرضون له من ظلمٍ وعدوانٍ وحرمان.
وفي مثل هذا الجو المشحون بالالم تبرز الحاجة إلى أن نتعامل مع العيد بمنطق الإيمان الواعي؛ فلا نفرط في مظاهر الفرح حتى ننسى آلام إخواننا، ولا نستسلم للحزن حتى نعطل شعائر الله ومواسمه المباركة. بل المطلوب هو التوازن الذي يصنعه الإسلام بين إدخال السرور المشروع، وبين استشعار المسؤولية الإنسانية والإيمانية.
ومن أهم النصائح التي ينبغي أن نتواصى بها في هذه الأجواء:

أولاً: استحضار البعد الرسالي للعيد
عيد الأضحى ليس مناسبة للترف واللهو والغفلة، وإنما هو ذكرى عظيمة للتضحية والفداء والتسليم لله تعالى، يوم يذكّرنا بموقف نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام حين قدّما أروع صور الطاعة والانقياد. ومن هنا فإن العيد يدعونا إلى أن نقدّم نحن أيضاً تضحياتنا في سبيل نصرة الحق، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته. فقد تكون التضحية بالمال لمواساة المحتاجين او التضحية بالوقت لخدمة الناس او لتضحية ببعض الراحة الشخصية للقيام بمسؤولية اجتماعية او التضحية بالمصالح الخاصة من اجل نصرة الحق ، فاذا كانت الامة تعيش اوجاعا او محنا فان من الوفاء لعيد الاضحى ان يتحول العيد الى موسم عطاء لا الى موسم استهلاك واسراف.

ثانياً: مواساة المؤمنين واستشعار آلامهم
من صفات المؤمنين التي أكّد عليها أهل البيت عليهم السلام أنهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى. فلا ينبغي للمؤمن أن يعيش العيد وكأنه منفصل عن هموم أمته. إن أقلّ المواساة أن يحمل همّ إخوانه في قلبه، وأن يخصّهم بالدعاء الصادق، وأن يستشعر مصابهم وهو يفرح بنعمة الله عليه. ففي الوقت الذي تكتسي فيه بعض البيوت بمظاهر الفرح، هناك بيوت يخيّم عليها الحزن، وأسر لا تجد ما يسد حاجتها، وأيتام وأرامل ومهجّرون ينتظرون لفتة رحمة. وقد ورد عن أهل البيت عليهم السلام التأكيد العظيم على إدخال السرور على المؤمن. فالعيد الحقيقي ليس فيما نلبسه أو نأكله، بل فيما نزرعه من بسمة في قلب مؤمن منكسر.

ثالثاً: إحياء روح الوحدة والدعاء للأمة
الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى الوحدة والتراحم والتكافل. ومن واجبات المؤمن في العيد أن يجعل هذه المناسبة باباً لتصفية النفوس، وإزالة الخصومات، وإصلاح ذات البين. فما أجمل أن يكون العيد مناسبة للمبادرة إلى الصلح، والتسامح، وقطع أسباب التنازع.

رابعاً: ترجمة المشاعر إلى عملٍ واقعي
التأثر وحده لا يكفي، بل لا بد أن يتحول إلى فعل. فمن استطاع أن يساهم بماله في إغاثة المحتاجين فليفعل، ومن قدر على الكلمة الصادقة الهادفة فليكتب أو يتحدث، ومن لم يملك إلا الدعاء فلا يستهِن به. فرب دعوة صادقة في يوم مبارك تكون سبباً في تفريج كربة أو رفع بلاء.

خامساً: حفظ الأمل وعدم الاستسلام لليأس
ما تمرّ به الأمة من شدائد ينبغي أن لا يورث القنوط، فإن سنن الله تعالى قائمة على أن بعد العسر يسراً، وبعد الشدة فرجاً. والمؤمن الحق يستمد من إيمانه قوةً وثباتاً، ويعلم أن الفرج الإلهي قد يأتي من حيث لا يحتسب.

سادسا: المشاركة الوجدانية
من خلال الدعاء للمستضعفين، واستحضار آلامهم، وعدم الغفلة عنهم في ساعات الفرح.
فان المؤمن الصادق لا يهنأ له عيدٌ إذا كان غافلاً عن آهات إخوانه.

سابعا: الاقتصاد في المظاهر واجبٌ أخلاقي
من الآفات التي قد تصيب بعض المجتمعات في الأعياد: الإفراط في الإنفاق والمبالغة في المظاهر الاستهلاكية. وفي زمن تعاني فيه الأمة من أزمات اقتصادية ومعيشية، يصبح التخفف من الإسراف موقفاً أخلاقياً ورسالةً إنسانية. قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
فليس المطلوب أن يحرم الإنسان نفسه وأهله من الفرح المشروع، وإنما المطلوب هو التوازن، فكم من مالٍ يُنفق في الكماليات كان يمكن أن يكون سبباً في تفريج كربة مؤمن.
فالعيد فرصةٌ لتربية الأبناء على القناعة، وتعليمهم أن الفرح لا يُقاس بحجم الإنفاق، بل بعمق المعنى.
إن عيد الأضحى في زمن المحن ليس مناسبةً للغفلة، بل موسمٌ لتجديد الإيمان، وتعميق الشعور بالمسؤولية، واستلهام معاني التضحية والعطاء.
فالمؤمن الواعي هو الذي يجمع بين إظهار شعائر الله، وبين استحضار هموم الأمة، فيفرح بطاعة الله، ويحزن لألم إخوانه، ويحوّل فرحته إلى عطاءٍ ومواساة.
فلنجعل عيدنا هذا عيداً لله، وعيداً للمؤمنين، وعيداً للمستضعفين، ولنستحضر دائماً أن أعظم أضحية نقدّمها في هذه الأيام هي أن نذبح أنانيتنا، ونقدّم من أنفسنا وأموالنا ما يخفف عن إخواننا آلامهم.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العيد عيد خيرٍ وبركة وفرج على الأمة الإسلامية، وأن يكشف الغمة عن المؤمنين، ويرزق الجميع الأمن والإيمان، إنه سميع مجيب.