مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين
قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد ((فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)) صدق الله العلي العظيم
نهنئ عموم المؤمنين بحلول يوم عرفة المبارك ونشكر الله تعالى ان وفقنا وأنعم علينا بدرك هذا اليوم الذي هو من الأيام التي تفتح فيه أبواب الرحمة الإلهية لكل العباد ليؤوبوا اليه ويرجعوا نحوه ويلجأوا الى رحمته ورضوانه ، وبذلك يتحقق رضا الله تعالى فان من الامور التي ندب اليها القرآن واكدت عليها الأحاديث الشريفة هو الارتباط الروحي بين العبد وخالقه ، وقد جعل الله تعالى أزمنة معينة وامكنة معينة وحالات معينة يتضاعف فيها ثواب الاعمال الصالحة ، وماذلك الا تشويقا لبقاء ذلك الارتباط الروحي وتحفيزا على استدامته وعدم انقطاعه ، فالله تعالى يحب ان لاينقطع ذلك الارتباط ، وان لايشيح العبد بوجهه ويميل بقلبه الى غير ربه ، فذلك هو الشرك الخفي (ومايؤمن اكثرهم بالله الا وهم مشركون) وعندها تحل بالعبد الكارثة اذ يكله الله تعالى عندئذ الى نفسه ، وهو العاجز عن جلب الخير اليها و دفع الضر عنها .
أيها الإخوة المؤمنون ان يوم عرفة فرصة جديدة لنا جميعا لاعادة ذلك الارتباط الذي يحبه الله تعالى والى تقويته واعطائه شحنة جديدة ، انه يوم أوبة لله تعالى ، وقد وصف امامنا الصادق عليه السلام هذا اليوم بأنه (يوم دعاء ومسالة) فأبواب اجابة الدعاء فيه مفتوحة ، ومصاريع الرحمة الإلهية مشرعة ، لا لمن كان في عرفات فقط ، فشرف هذا اليوم وفضيلته تتجاوز المكان وتعبر حدوده لتشمل جميع المتضرعين الى الله في هذا اليوم ، الراجين رحمته ، المنقطعين اليه ، ففي الحديث عن الامام الصادق عليه السلام قال (في يوم عرفة يجتمعون بغير إمام في الأمصار يدعون الله عزوجل).
و هو يوم معظم حتى في الأديان السابقة ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله لمولانا أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (ع) (ألا أعلمك دعاء يوم عرفة وهو دعاء من كان قبلي من الأنبياء ...)، وقد ورد عن الامام زين العابدين (ع) انه سمع في يوم عرفة سائلا يسأل الناس فقال له (ويلك أتسأل غير الله في هذا اليوم وهو يوم يرجى فيه للأجنة في الأرحام أن يعمها فضل الله تعالى فتسعد).
وقد وردت عن الأئمة الأطهار (ع) توصيات بالقيام فيه باعمال معينة واستحباب افعال خاصة مذكورة في كتب الأدعية كمفاتيح الجنان وغيره ، فكل ذلك برهان ساطع ودليل لامع على شمول بركة هذا اليوم لكل المؤمنين أينما كانوا وفي أي بقعة وجدوا ، فما علينا الا تلقف هذه المنحة الإلهية واستثمار هذه الفرصة الربانية الرحمانية بأن ننقطع اليه تمام الانقطاع بقلوب مؤمنة تمام الإيمان بأن الخير كله بيده دون سواه و دفع الشر باللجوء اليه دون سواه ( ياهو ، يامن هو ، يا من لا اله الاهو ، أسألك بحق لا اله الا هو إلا ما نصرتني)، ولنبادر الى ساعات هذا اليوم ونواكب الأنبياء والأولياء والصالحين في عروجهم الملكوتي وسيرهم اللاهوتي ونعيش ساعات عرشية إلهية ، فقد قال نبينا الأعظم (ص) وهو يصف ساعات يوم عرفة (هي الساعة التي تلقى فيها آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم ، والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا ان لله بابا في سماء الدنيا يقال له باب الرحمة وباب التوبة وباب الحاجات وباب التفضل وباب الإحسان وباب الجود وباب الكرم وباب العفو ، ولايجتمع بعرفات أحد إلا استاهل من الله في ذلك الوقت هذه الخصال ) وقد ورد عن النبي الأعظم (ع) ايضا (ما من أيام العمل فيها أحب الى الله عزوجل من ايام هذه العشر) التي تاسعها يوم عرفة.
فما علينا إلا الاعراض عن كل ما حوالينا والاغماض عن كل ما يلهينا ويغرينا ونخاله منقذا لنا ، والوثبة الى تلقف حبل النجاة والأمان من الرحمن الرحيم الحق الكريم السميع العليم ليغيثنا من ضعفنا وينقذنا من سوء حالنا ، انه هو يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد.
هذا ولا ننسى الاعمال الواردة في يوم عرفة من صلاة ودعاء واستغقفار خصوصا دعاء الامام الحسين (ع) يوم عرفة وزيارة قبره التي ورد في فضلها كما جاء عن الامام الصادق (ع) ( أيُّما مؤمن أتاه في يوم عرفة عارفاً بحقّه كُتِبَ له ألف حجّة ، وألف عُمرة مبرورات متقبّلات ...) وفي أحاديث كثيرة معتبرة: إنَّ الله تعالى ينظر إلى زُوَّار قبر الحُسَين (ع) نظر الرّحمة في يوم عرفة قبل نظره إلى أهل عرفات.
فلنستمطر شآبيب رحمة الله في هذا اليوم المبارك ليرحمنا ويعفو عنا ويدفع عنا ظلم الطالمين ويكشف هذه الغمة عن هذه الامة بلطفه ورحمته انه على كل شيء قدير.
((استَغفِروا رَبَّكُم إِنَّهُ كانَ غَفّارًا، يُرسِلِ السَّماءَ عَلَيكُم مِدرارًا، وَيُمدِدكُم بِأَموالٍ وَبَنينَ وَيَجعَل لَكُم جَنّاتٍ وَيَجعَل لَكُم أَنهارًا((.
هذا ونبارك لجميع المسلمين بعيد الاضحى المبارك سائلين المولى سبحانه وتعالى ان يعيده علينا وعليهم باليمن والبركة انه ولي التوفيق.
واخيرا نذكّر المؤمنين بشهادة مسلم بن عقيل (رض) الذي كان اول سفير للحسين (ع) لاهل الكوفة، ولهذه الشخصية من اهل البيت (ع) مقام رفيع ومنزلة كبيرة ، وابرز ما ناله (رض) من الاوسمة:
1- كونه اول شهداء النهضة الحسينية (وفوق كل ذي بر بر حتى يقتل المرء في سبيل الله).
2- ما قاله النبي (ص) لأمير المؤمنين (ع) عندما سأله (أتحب عقيلاً) (قال (ص): إي والله، إني لأحبه حبين: حبا له، وحبا لحب أبي طالب له، وإن ولده لمقتول في محبة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلي عليه الملائكة المقربون، ثم بكى رسول الله (ص) حتى جرت دموعه على صدره، ثم قال: إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي).
3- شهادة الامام المعصوم (ع) بالوثاقة له، لقوله (ع) في رسالته لاهل الكوفة (وإنّي باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي).
فسلام الله عليك يا شهيد كوفان با مسلم بن عقيل ورحمة الله وبركاته.