مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين


ممثل المرجعية العليا في أوروبا يسأل من الله سبحانه وتعالى ان يتقبل صيام الصائمين وقيام القائمين في هذا الشهر الفضيل ويقول:
كيف نودع شهر رمضان المبارك ونحن في أخريات ايامه ؟

جاء حديثه هذا في الجلسة التي عقدت في ديوان الكفيل في وداع شهر رمضان المبارك طارحا هذا السؤال على الحاضرين: هل كان شهر رمضان محطة عابرة في حياتنا؟ ام كان بداية لتحول حقيقي في قلوبنا وسلوكنا؟
الجواب: ان مدرسة اهل البيت (ع) تعلمنا ان العمل العبادي هو بالكيفية لا بالكمية، اي بقبوله واستمراره، ولهذا يقول امير المؤمنين (ع) (كونوا لقبول العمل اشد اهتماما منكم بالعمل، الم تسمعوا قول الله عز وجل ((انما يتقبل الله من المتقين))) ، فالمؤمن الحقيقي لا يفرح بانتهاء العمل فقط بل يقلق ويسأل نفسه هل قبل عملي ام لا؟ هل كان صيامي صيام الجوارح والقلب ام كان مجرد امتناع عن الطعام والشراب؟
لقد اراد الله سبحانه وتعالى من شهر رمضان ان يكون مدرسة لتربية النفس، ففيه يتعلم الانسان الصبر ويعتاد على ضبط الشهوات والطاعة والعبادة، فاذا خرج الانسان منه ولم يتغير حاله فانه لم يستفد من هذه المدرسة كما ينبغي ، ولهذا روي عن الامام الصادق (ع) قال (ان من قبول علامات الصيام و(نجاج العمل) في شهر رمضان ان يخرج العبد من شهر رمضان وهو عازم على ترك الذنوب).
ايها المؤمنون: ان اعظم علامة على نجاح الانسان في شهر رمضان هو ان يشعر بعده بنفور عن المعصية وحب للطاعة ورغبة بالتقرب من الله تعالى . اذن فاسأل نفسك هل اصبحت بعد شهر رمضان افضل مما كنت قبله ؟ هل ازداد ارتباطك بالقرآن؟ هل تركت ذنبا كنت تعاني منه في الماضي؟ هل اصبح قلبك ألين مع الناس واقرب الى الرحمة والتسامح؟ فشهر رمضان الحقيقي هو الذي يغير الانسان من الداخل لقوله تعالى ((لعلكم تتقون)) ، وقد كان ائمة اهل البيت (ع) يعيشون لحظات وداع شهر رمضان بمشاعر خاصة من الشوق والحزن ، فاسمع ما يقوله الامام السجاد (ع) وهو يودع هذا الشهر العظيم (السلام عليك يا شهر الله الأكبر ، ويا عيد أوليائه الأعظم ... السلام عليك من قرين جل قدره موجودا ، وأفجع فراقه مفقودا).
فلنتأمل كلمات الامام (ع) حين يصف هذا الشهر بانه قرين وصديق عزيز، حينما يكون موجودا يملأ الحياة نورا وبركة وحينما يغيب يترك في القلب فراغا والما، وهكذا ينبغي ان يكون حال المؤمن لا يفرح بانتهاء هذا الشهر لانه تخلص من الصيام، وليحزن لانه فقد موسما عظيما من مواسم الرحمة الإلهية.
ايها الاخوة والاخوات: ان من اهم الدروس التي ينبغي ان نحافظ عليها بعد شهر رمضان هي الاستمرار على الطاعة، لان رب هذا الشهر هو رب سائر الشهور الذي لم يفرض علينا العبادة فيه فقط بل جعل هذا الشهر تدريبا لنعيش العبادة طوال العام.
ومن العبادة التي ينبغي المحافظة عليها بعد شهر رمضان:
1- اداء الصلاة في وقتها، فان الصلاة عمود الدين وهي اول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة.
2- الاستمرارا في تلاوة القران، فقد اعتدنا في شهر رمضان ان نقرأ القران كثيرا، فلا ينبغي ان نترك المصحف بعد انتهاء الشهر الفضيل، فلنجعل لنا وردا يوميا من كتاب الله.
3- الصدقة والاحسان الى الناس ، فقد كان شهر رمضان موسما للعطاء والبذل، فينبغي ان يبقى هذا الخلق في حياتنا.
4- صلة الارحام والاحسان الى الاقارب، فقد ورد عن الامام الباقر (ع) انه قال (صلة الأرحام تزكي الأعمال وتنمي الأموال وتدفع البلوى وتيسر الحساب وتنسي الأجل) وقول الزهراء (ع):(وصلة الأرحام منسأة في العمر).
ان المجتمع المؤمن هو المجتمع الذي تسوده المحبة والتواصل بين افراده.
5- محاسبة النفس، فقد تعلمنا في شهر رمضان مراقبة انفسنا طوال اليوم وهذا الدرس يجب ان يستمر بعد شهر رمضان ايضا لقول الامام الكاظم (ع) (ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإن عمل حسناً استزاد الله، وإن عمل سيّئاً استغفر الله) فالمؤمن في كل ليلة يجلس قليلا مع نفسه ويسألها ماذا فعلت اليوم؟ هل اقتربت الى الله؟ هل ادخلت السرور على قلب انسان؟ هل ظلمت احدا او اذيت بريئا؟
6- طلب القبول من الله تعالى، من اهم المشاعر التي ينبغي ان ترافق المؤمن في ختام شهر رمضان شعور القلب الايمان ، المؤمنون الحقيقيون لا يغترون باعمالهم بل يخافون أن يكون قد شابها التقصير او الرياء او الغفلة لقوله تعالى ((وقلوبهم وجلة انهم الى ربهم راجعون)) اي انهم يعملون الصالحات ويخشون ان لا تقبل منهم.
ايها الحاضرون: ان شهر رمضان لم يكن نهاية الطريق بل بداية الطريق، فمن اراد ان يعرف مقامه عند الله فلينظر ماذا يفعل بعد شهر رمضان، فان عاد الى الطاعة فهذه علامة خير، وان عاد الى المعصية فليعلم انه قد خسر فرصة عظيمة وقد ورد في الحديث (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ).
نسال الله ان يتقبل صيامنا وقيامنا وان يجعلنا من الفائزين وان لا يجعل هذا الشهر اخر العهد بنا.
اللهم بلغنا شهر رمضان من كل عام في عافية من دين ودنيا واشرح قلوبنا واحشرنا مع محمد وال محمد إنك على كل شيء قدير.