مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين
تطل علينا في العشر الأواخر من شهر رمضان ليالي القدر المباركة ،هذه الليالي التي يمكننا من خلالها أن نرسم خارطة الطريق لمستقبل حياتنا الدنيوية والأخروية وذلك عن طريق البرنامج التالي:
أولاً: الاستعداد النفسي والروحي لليلة القدر
إنّ من أهمّ أسباب نجاح الإنسان في استثمار ليالي القدر أن يتهيّأ لها قبل حلولها، لأنّ العبادة المثمرة لا تولد فجأة، بل تحتاج إلى إعدادٍ روحيّ يهيّئ القلب لاستقبال النفحات الإلهية.
ومن مظاهر هذا الاستعداد أن يدخل المؤمن هذه الليالي بقلبٍ خالٍ من الأحقاد والضغائن، لأنّ القلب المليء بالخصومات لا يكون مهيّأً لتلقّي الرحمة الإلهية. كما ينبغي أن يستحضر الإنسان عظمة هذه الليلة في نفسه، وأن يدرك أنّها فرصة قد لا تتكرر في حياته.
وقد ورد في بعض الأحاديث أنّ من علامات التوفيق أن يشعر الإنسان بالشوق إلى الطاعة، وأن يتطلع إلى هذه الليالي بروحٍ مفعمة بالأمل والرجاء.
ثانياً: حضور القلب في العبادة
كثيراً ما يحيي الناس ليالي القدر، ولكنّ بعضهم قد يخرج منها دون أن يحقق التحوّل الروحي المطلوب، والسبب في ذلك أنّ العبادة قد تتحول أحياناً إلى أداءٍ شكلي يخلو من حضور القلب.
إنّ الإحياء الأمثل لهذه الليالي يتطلب أن يكون القلب حاضراً في كل عبادة يؤديها الإنسان؛ فعندما يقرأ القرآن ينبغي أن يستشعر أنّه يخاطب ربّه، وعندما يرفع يديه بالدعاء ينبغي أن يشعر بأنّه يقف بين يدي الله تعالى.
وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، فالتضرّع هو روح الدعاء، وهو الذي يمنحه قيمته الحقيقية.
ولهذا فإنّ لحظة واحدة من الدعاء الصادق قد تكون أعمق أثراً من ساعاتٍ طويلة من الدعاء الخالي من الخشوع.
ثالثاً: التوبة الصادقة وتجديد العهد مع الله
من أهمّ ما ينبغي أن يحرص عليه المؤمن في هذه الليالي المباركة أن يجعلها محطةً للتوبة الصادقة، لأنّ ليلة القدر هي ليلة المغفرة والصفح.
فما أكثر الذنوب التي قد تتراكم في حياة الإنسان دون أن يشعر، وما أكثر اللحظات التي يبتعد فيها عن طريق الله. ولذلك فإنّ هذه الليالي تمثّل فرصة عظيمة لمراجعة النفس والعودة إلى الله تعالى.
والتوبة الحقيقية تقوم على ثلاثة أركان أساسية:
أولها الندم على ما صدر من الذنب،
وثانيها العزم على عدم العودة إليه،
وثالثها إصلاح ما يمكن إصلاحه من الحقوق.
وإذا تحققت هذه الأركان بصدقٍ وإخلاص، فإنّ الله تعالى وعد عباده بقبول التوبة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾.
رابعاً: الإكثار من الدعاء وطلب الحاجات
إنّ الدعاء في ليالي القدر له مكانة خاصة، لأنّها ليالٍ تُفتح فيها أبواب السماء وتُستجاب فيها الدعوات.
وقد أكّد أهل البيت عليهم السلام على الإكثار من الدعاء في هذه الليالي، ومن أبرز الأدعية الواردة دعاء الجوشن الكبير، ودعاء رفع المصاحف، وغيرهما من الأدعية التي تحمل معاني التوحيد والخضوع لله تعالى.
وينبغي للمؤمن أن لا يقتصر في دعائه على الأمور الدنيوية، بل يجعل نصيباً وافراً من دعائه للأمور الأخروية، كطلب المغفرة والهداية والثبات على الإيمان.
كما يُستحب أن يدعو المؤمن لغيره من المؤمنين، لأنّ الدعاء للآخرين من أسباب استجابة الدعاء،
خصوصا مع ما تشهده الساحة من أحداث تزهق فيها الأرواح ويعتدى فيها على الحرمات والممتلكات.
خامساً: الارتباط بالقرآن الكريم
لقد ارتبطت ليلة القدر ارتباطاً وثيقاً بالقرآن الكريم، إذ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
ومن هنا فإنّ من أجمل صور إحياء هذه الليالي أن يعيش الإنسان مع القرآن الكريم قراءةً وتدبّراً وتأمّلاً.
فالقرآن ليس كتاباً للتلاوة فحسب، بل هو كتاب هداية يقدّم للإنسان منهج الحياة. ولذلك فإنّ تدبّر آياته قد يفتح أمام الإنسان آفاقاً جديدة من الفهم والإيمان.
وقد ورد في الحديث الشريف أنّ تلاوة القرآن في شهر رمضان لها أجرٌ عظيم، لأنّه الشهر الذي نزل فيه القرآن هدى للناس.
سادساً: الدعاء للإمام المهدي عليه السلام
من الأعمال المهمة التي ينبغي الاهتمام بها في ليالي القدر الدعاء للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، لأنّه إمام العصر وحجّة الله على عباده.
وقد ورد في الروايات أنّ الملائكة تنزل في ليلة القدر بما يقدّره الله تعالى من أمور السنة، وتعرض ذلك على وليّ الأمر في كل زمان.
ومن هنا فإنّ ارتباط المؤمن بإمامه في هذه الليالي يعبّر عن وعيه بدوره في مسيرة الهداية الإلهية.
فالدعاء بتعجيل الفرج ليس مجرد دعاءٍ عاطفي، بل هو تعبير عن التطلع إلى قيام العدل الإلهي في الأرض.
سابعاً: تحويل ليلة القدر إلى نقطة تحوّل في الحياة
إنّ الإحياء الحقيقي لليالي القدر لا يقاس بعدد الساعات التي يقضيها الإنسان في العبادة، بل يقاس بالأثر الذي تتركه هذه الليالي في حياته بعد انتهائها.
فإذا خرج الإنسان من هذه الليالي بعزمٍ جديد على الطاعة، وبإرادة أقوى لمجاهدة النفس، فقد حقّق الهدف الحقيقي من إحيائها.
أما إذا انتهت الليالي وعاد الإنسان إلى عاداته السابقة دون تغيير، فإنّه يكون قد فوّت على نفسه فرصة عظيمة فيكون مصداقا لقوله تعالى:(كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا).
نسأل الله تعالى أن يوفقنا لإحياء هذه الليالي بما يحب ويرضى وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.