مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين


ممثل المرجعية العليا في اوربا يقول: ما هو طريق الخلاص من المصائب والابتلائات التي يمر بها العالم الاسلامي في هذا العصر؟

الجواب هو: الدعاء لانه سلاح المؤمن وملجأه ونافذته المفتوحة على رحمة السماء لان الدعاء ليس مجرد الفاض تتلى بل هو حالة وجودية تعبر عن فقر العبد الى ربه وعن ثقته بان مفاتيح الفرج بيد الله تعالى وحده وستتضح لنا هذه الحقيقة من خلال النقاط التالية:
اولا: الدعاء هو تجلي لحقيقة العبودية والتوحيد إذ لاملجأ ولامنجأ من الله الا اليه قال تعالى ( امن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) فالاضطرار حاله صفاء في التوجه وصدق في الإلتجاء ولذلك كان الدعاء في حال الشدة اقرب الى الاجابة وقد ورد عن رسول الله (ص) الدعاء سلاح المؤمن عمود الدين ونور السماء والارض. فكما ان السلاح يحمي الجسد من الاخطار فإن الدعاء يحمي الروح من الانكسار فيمنحها طاقة ايمانية تعيد ترتيب الداخل المبعثر ومن ابلغ ما روي عن امام امير المؤمنين(ع) قوله (ما كان الله ليفتح على عبد باب الدعاء ويغلق باب الاجابة) ففتح باب الدعاء عناية الإهية واشارة الى ان العبد قد دخل دائرة القرب من الله.
ثانيا: الدعاء مصدر للسكينة النفسية في أوقات الأزمات التي تهزّ المشاعر، وتثير القلق، وقد تدفع الإنسان إلى اليأس أو الاعتراض. غير أنّ الدعاء يُحدث انقلاباً داخلياً؛ إذ ينقل الإنسان من الشعور بالوحدة إلى الإحساس بالمرافقة الإلهية، ومن الضيق إلى الرجاء.
يقول تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، والدعاء أخصّ مصاديق الذكر. فحين يرفع المؤمن يديه بالدعاء، فإنّه يُفرغ همّه بين يدي الله، فيخفّ العبء النفسي، ويستعيد توازنه. ولذا نجد أنّ الأنبياء عليهم السلام كانوا يبادرون إلى الدعاء عند اشتداد البلاء؛ فهذا نبي الله أيوب عليه السلام يقول: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فكان دعاؤه مفتاح الفرج.
ثالثاً: الدعاء سبب لدفع البلاء وتغييره فقد ورد في الحديث: «الدعاء يردّ القضاء وإن أُبرم إبراماً». وهذا يرسّخ في نفس المؤمن أنّ له دوراً في صناعة مصيره من خلال الارتباط بالله.
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «عليكم بالدعاء، فإنّ الدعاء والطلب إلى الله يردّ البلاء وقد قدّر وقُضي فلم يبقَ إلا إمضاؤه، فإذا دُعي الله وسُئل صُرف البلاء صرفاً». إنّها رؤية تمنح الإنسان أملاً دائماً، وتمنعه من الاستسلام للواقع المرير.
وهنا يتضح أن الدعاء في زمن المصائب ليس هروباً من المسؤولية، بل هو ممارسة روحية فاعلة، تُسهم في تغيير الظروف بقدر ما يشاء الله تعالى.
رابعاً: الدعاء تربية على الصبر والرضا بقضاء الله. فالعبد حين يدعو، إنما يُقرّ بحكمة الله وعدله، ويطلب الفرج مع التسليم لإرادته.
قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فجعل الدعاء عبادة، بل ورد في الحديث: «الدعاء مخّ العبادة». لأنّه يجمع بين التوحيد، والخضوع، والرجاء، والخوف.
ومن أروع النماذج في الجمع بين الدعاء والصبر ما تجلّى في مسيرة الإمام الحسين بن علي عليه السلام يوم عاشوراء، حيث لم يكن دعاؤه استكانة، بل كان قمّة في التسليم والثبات، حتى قال: «صبراً على قضائك يا ربّ، لا معبود سواك». إنّه دعاء العارف الذي يرى في البلاء طريقاً إلى الله.
خامساً: الدعاء يعمّق روح التضامن الاجتماعي في أزمنة الكوارث العامة – كالأوبئة أو الحروب أو الفتن – يتجلّى أثر الدعاء الجماعي، حيث يلتفّ المؤمنون حول بيوت الله، أو يجتمعون على قراءة الأدعية المأثورة، فيشعرون بوحدة المصير، وتتعزّز فيهم روح الأخوّة.
الدعاء هنا لا يقتصر على البعد الفردي، بل يتحوّل إلى طاقة اجتماعية، تبعث في المجتمع الأمل، وتمنع الانهيار المعنوي. ولذا كان الأئمة عليهم السلام يحثّون شيعتهم على الدعاء لإخوانهم بظهر الغيب، لما فيه من إشاعة روح الرحمة والمواساة.
سادساً: آداب الدعاء في زمن المصائب فهناك جملة من الآداب التي أرشدت إليها النصوص، منها:
1. الإخلاص وحضور القلب: فلا يكون الدعاء مجرد عادة لسانية لقوله (ص) فسئلوا الله بنيات صادقة وقلوب طاهرة.
2. البدء بالثناء على الله والصلاة على محمد وآل محمد.
3. الاعتراف بالذنب والتقصير، فإنّ البلاء قد يكون تذكيراً بالعودة إلى الله.
4. الإلحاح وعدم اليأس، فقد تتأخر الإجابة لحكمة، لكنّ الله لا يردّ عبداً صادقاً.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾، فاليأس ينافي روح الدعاء، بينما الرجاء يمدّه بالحياة. هذا ولا ننسى بأن في زمن المصائب ليس خياراً ثانوياً في حياة المؤمن، بل هو ضرورة وجودية، وروحٌ تحفظ إيمانه من الانكسار. هو صلة الأرض بالسماء، ونافذة الرجاء في أحلك اللحظات. به يستمدّ الإنسان قوته، ويجد سكينته، ويستجلب رحمة ربّه، ويُربّي نفسه على الصبر والرضا.
إذا أيها المؤمنون فلنحرص – ونحن مقبلون على ليالي القدر المباركة بأن نواجه ما يعتري حياتنا من شدائد – على أن نجعل الدعاء رفيقنا الدائم، لا في أوقات الرخاء فحسب، بل في أزمنة العسر على وجه الخصوص. فإنّ ربّاً قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، لا يخيّب من قصده، ولا يردّ من لجأ إليه، وهو أرحم الراحمين.
اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الحُجَّةِ بْنِ الحَسَنِ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَعَلى آبائِه فِي هذِهِ السّاعَةِ وَفِي كُلِّ ساعةٍ وَلِيّاً وَحافِظاً وَقائِداً وَناصِراً وَدَلِيلاً وَعَيْناً حَتّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعاً وَتُمَتِّعَهُ فِيْها طَوِيلاً.