مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين
يصادف يوم السبت 17 رمضان الموافق 7 اذار 2026 ذكرى واقعة بدر الكبرى وهي المواجهة العسكرية الاولى بين المسلمين وقريش بعد هجرتهم الى المدينة ، وقد استنفر لها ابو سفيان جيشا يقارب الف مقاتل مزودين بالسلاح والعتاد في مقابل 313 رجلا ومعهم سبعون بعيرا وفرسان، ولكن الارادة الالهية ارادت بعزمهم وحزمهم ان ينتصروا على اعدائهم للاسباب التالية:
1- الثقة بوعد الله والتوكل عليه والتخطيط الدقيق الذي خططه لهم رسول الله (ص) .
2- وحدة الصف ونبذ التنازع لقوله تعالى ((ولا تنازعوا فتفشلوا)) وبهذا التماسك الداخلي والانضباط الجماعي والالتفات حول القيادة الواحدة انتصروا على اعدائهم ، وفي هذا درس للمسلمين اليوم لما يعانونه من التشرذم والاختلاف رغم كثرتهم وامكاناتهم المادية، وهي حقيقة اشار اليها النبي (ص) قبل 14 قرنا بقوله (يوشك ان تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الاكلة على قصعتها قال: قلنا: يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ قال أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: حب الحياة وكراهية الموت)
3- القيادة الواعية وهو رسول الله (ص) .
4- التضحية والايثار ، فقد خرج المسلمون الى بدر وهم لا يطلبون حربا بل اعتراض قافلة ، ومع ذلك حين فرضت عليهم المواجهة ثبتوا وقدموا الشهداء في سبيل العقيدة، وفي مقدمة الابطال كان الامام علي بن ابي طالب (ع) الذي كان له دور حازم في المبارزات الاولى مما رفع معنويات المسلمين فقتل من الشركين 70 ، منهم 35 بسيف على بن ابي طالب (ع) وشارك (ع) المسلمين في النصف الاخر.
ومن هذا نستنتج ان الامم لا تنتصر الا بالتضحية، وان الحقوق لا تصان بالشعارات وحدها بل بالبذل والصبر والثبات.
5- ان النصر من عند الله لا من العدة ، واليه الاشارة بقوله ((وما النصر الا من عند الله)) فالموازنة المالية ليست كل شيء فقد يكون العدو اقوى ظاهرا لكن الايمان العميق والعدالة في القضية يمنحان طاقة معنوية تصنع الفارق وتكون العنصر الحاسم في صناعة الانتصار.
6- التعامل الاخلاقي حتى في الحرب رغم قسوة المعركة ، فقد امر النبي (ص) بالاحسان الى الاسرى وبتعليم بعض المسلمين القراءة والكتابة . نستنتج من هذا بان الاسلام لا يفصل بين الاخلاق والحرب ، فالغاية لا تبرر الوسيلة والعدالة لا تسقط في لحظات الصراع ، في حين اننا نرى في عالمنا اليوم تتجاوز الحروب حقوق الانسانية والرحمة والرافة التي امرنا الاسلام بها.
7- نستنتج من كل هذا صناعة التحول التاريخيي ، فكانت بدر نقطة تحول بعدها تغير موقع المسلمين في الجزيرة العربية وبدات القبائل تعيد حساباتها ، وهذا يعلمنا ان الاحداث الكبرى قد تبدء بظروف محدودة لكنها تصنع تاريخا جديدا اذا توفرت الارادة والايمان والموقف الصادق والقرار الشجاع.
واخيرا ان واقعة بدر لم تكمن معركة ارقام وعدة بل كانت لحظة فاصلة كشفت عن جوهر المشروع الاسلامي وقد اثبتت ان الامة التي تتسلح بالايمان وتلتزم بالقيادة وتاخذ بالاسباب يمكنها ان تغير وجه التاريخ ، واذا كانت بدر قد صنعت اول انتصار عسكري للمسلمين فان قيمها صنعت ما هو اعظم، امة امنت بأن النصر وعد الهي مشروط بالعمل ، وان العزة تبني النصر وان القيادة مسؤولية وان الاخلاق لا تنفصل عن القوة.
نسال المولى سبحانه وتعالى وبمناسبة هذه الذكرى ان يمنحنا النصر والقوة على من ناوءنا ويجعل عاقبة امرنا خيرا انه ولي التوفيق.
((وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون))