مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين
يصادف يوم الخميس 15 رمضان الموافق ٥/٣/٢٠٢٦ ذكرى ولادة الامام الحسن (ع)، المولود الاول لعلي وفاطمة (ع)، وكانت ولادته مبعث فرح وسرور للنبي المصطفى (ص) الذي احاطه بعناية فائقة، فأسماه بأمر السماء (حسنا) وكناه (زكيا) واجرى معه السنة النبوية الشريفة، فعق عنه كبشين وحلق راسه في اليوم السابع من ولادته، وتصدق بوزن شعره فضة ، وفي ذلك ما يوجه المسلمين نحو اتباع هذه السنة الشريفة لما فيها من اثار كبيرة ومفيدة على حياة المولود المستقبلية.
إننا حين نرجع الى حياة الامام الحسن (ع) نجدها مليئة بالعظات والعبر منذ ولادته وحتى شهادته، ولعل ابرز ما جاء في حياته ثلاث خصال فريدة اشتهر بها حتى صارت له عنوانا في كتب السيرة والتاريخ، وهي: (الحلم والكرم والحكمة القيادية) ، وهذه الخصال ليست خصال فردية معزولة بل هي منظومة اخلاقية رسالية شكلت مشروعه الاصلاحي وموقفه من الحياة والاحداث.
1- الحلم قمة السيطرة على النفس: وبهذا عرف الامام الحسن (ع) حتى لقب الحليم، والحلم بالمفهوم الاسلامي ليس ضعفا ولا عجزا بل هو قوة داخلية تضبط الغضب وتسمو على رد الفعل الانفعالي وحسن ادارة المواقف الصعبة.
وكنموذج من حلمه : نقل ان رجلا من اهل الشام تاثر بالاعلام الاموي لقي الامام الحسن (ع) فانهال عليه سبا وشتما وبعد فراغه خاطبه الامام (ع) بناعم القول: أيها الشيخ، أظنك غريباً، ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كانت لك حاجة قضيناها لك، فلو حولت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك، كان أعود عليك، لأنّ لنا موضعاً رحباً، وجاهاً عريضاً، ومالاً كثيراً. فانقلب الرجل باكيا معتذرا وقال: الله اعلم حيث يجعل رسالته.
هذا الموقف يكشف عن شخصية ترى في الجاهل مريضا يحتاج الى علاج لا خصما ينبغي الانتقام منه، وهذا بعد رسالي يمثله حلمه.
ومن هذه الحادثة وغيرها من المواقف التي كان يواجهها (ع) من أتباع الخط الاموي وسمو خلقه في التعامل معها نستلهم:
- أن الحلم قوة نفسية تعزز ثقة الانسان بنفسه ومبدئه.
- أن السيطرة على الغضب اساس في بناء المجتمع المتماسك
- أن الاخلاق الرفيعة قادرة على تغيير العدو الى صديق
- أن الاصلاح يبدأ بكسب القلوب قبل كسب المواقف
ان عالمنا المعاصر المليء بالتوترات وردود الفعل السريعة، احوح ما يكون الى استلهام خلق الحلم الحسني الذي يضبط الانفعال ويوجه الطاقات نحو البناء لا الهدم.
2- الكرم : واذا ذكر الكرم في تاريخ الاسلام كان الامام الحسن (ع) احد اعلامه الكبار حتى اشتهر بكريم اهل البيت (ع)، غير ان المراد منه لم يكن مجرد سخاء مادي بل كان حقيقة عن ادارة وظيفة المال وصرفه في موارده الصعبة.
ومن ذلك ما نقلته المصادر التاريخية انه قاسم الله ماله ثلاث مرات، اي تصدق بنصف ماله بكل مرة وواسى الفقراء حتى لم يبق لنفسه الا الضروري منه، وروي انه اعطى سائلا في موقف واحد مالا عظيما فقيل له في ذلك فقال (ع):(اني استحي من ربي ارد سائلا).وكان عطاؤه يتم بصمت وتواضع لا رياء فيه ولا منة، لانه كان يرى العطاء وسيلة للتقرب الى الله لا للمكانة الاجتماعية.
وفي كرمه هذا وغيره نرى البعد الروحي وهو امتداد لروح الزهد التي تربى عليها في بيت النبوة، لانه راى بأم عينه جده رسول الله (ص) يعيش البساطة وهو يضع حجر المجاعة على بطنه، واباه علي (ع) يطعم الفقراء ويبيت جائعا ، وقوله للاحنف (علل النفس بالقنوع وإلاّ طلبت منك فوق ما يكفيها) فكان يلقم الايتام الخبر واللحم والتمر والسمن، فكونت له (ع) هذه الروحية العالية.
3- الحكمة القيادية وهي البصيرة في صناعة القرار، وهذه هي المحطة من حياته(ع) التي أثير حولها النقاش تاريخيا وهو قراره بالصلح مع معاوية سنة 41هـ ،غير ان القراءة المتأنية للأحداث تكشف لنا ان هذا القرار كان تجليا لأعلى درجات الحكمة الالهية، إذ بعد استشهاد الامام امير المؤمنين (ع) بايع الناس الامام الحسن (ع) لكن المجتمع كان مغرقا بالحروب والجيش مخترقا بالخيانة لان بعض قادته اشترتهم اموال الشام، في ظل هذا الواقع كان الاصرار على الحرب يعني استنزاف ما تبقى من المؤمنين دون ضمان النتيجة، فلهذا اختار الامام(ع) الصلح لا حبا بالسلطة بل حفاظا على الدين والدماء وبذلك وضع شروطا على معاوية كشف بها زيف الحكم الاموي الذي كان يتضرع بالتقوى وبالقرب من رسول الله ، من ذلك ما اشترطه على معاوية من ان يكون الحكم من بعده له (ع) ، فان حدث به حدث فلأخيه الحسين (ع) ، ولكن معاوية لم يلتزم بما اشترط عليه الحسن (ع) بل صعد على المنبر في النخيلة وقال (والله ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا ولا لتزكوا لأنّكم تفعلون ذلك، وإنّما قاتلتكم لأتآمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون) وقد منيت الحسن بن علي بشروط لا افي بشرط واحد منها وها
هي تحت قدمي. وبهذا الموقف الحكيم كشف الامام معاوية على حقيقته التي كان يتضرع بها من انه كاتب الوحي وخال المؤمنين.
لهذا نقول ان الحكمة الحسنية علمتنا ان القائد الحقيقي هو من يوازن بين المواقف والظروف ويختار ما يحفظ الجوهر حتى لو خسر المظهر.
نكتفي بهذه الاشارة من حياته في ذكرى مولده الشريف.
فسلام على الامام الحسن يوم ولد في بيت الوحي ويوم قاد الامة بحكمة ويوم استشهد مظلوما.
جعلنا الله جميعا من المتمسكين بنهجه والثابتين على هداه والحمد لله اولا وآخرا