مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين


ممثل المرجعية العليا في اوربا يبارك للعالم الإسلامي ذكرى حادثة الإسراء والمعراج ويقول:
ان حادثة الإسراء والمعراج من أعظم المعاجز الإلهية التي خصّ الله بها نبيّه (ص) فهي ليست مجرد انتقالٍ مكانيّ أو زمانيّ خارق للعادة، بل تجربة روحية وتربوية عميقة، تحمل في طياتها دلالات عقدية وإنسانية تمتد آثارها إلى كل زمان ومكان، وعلى الشباب الواعي ان يتأملوا حقيقة هذه الرحلة وأهدافها المباركة

توافق ليلة السابع والعشرين من شهر رجب الأصب الذكرى المباركة لحادثة الإسراء والمعراج وفق بعض النقول وهذه الذكرى المباركة إلى جانب كونها من المناسبات الإسلامية البهيجة فإنها تحمل في طياتها دلالات هامة ودروس قيمة ينبغي للمسلم التأمل فيها والانتفاع منها، ولتوضيح هذه المضامين نذكر الأمور التالية:
أولا: ان الاسراء والمعراج هو من الحقائق القرانية التي أشار اليها بقوله:(سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من اياتنا انه هو السميع البصير)) وجعلها اية من ايات الله الكبرى وان الآمر الحقيقي هو الله سبحانه وان النبي (ص) فيها عبده الذي استحق هذا التشريف الأعظم (العبودية).
ثانيا: حقيقة الاسراء والمعراج بين النص والانكار: بعد ان سلمنا لهذه الحقيقة القرانية تواجهنا مجموعة من الروايات المتواترة من الفريقين ولا سيما من مدرسة اهل البيت (ع) والتي تدل بوضوح على ان الاسراء كان بالجسد والروح معا ، وان المعراج كان رحلة حقيقية الى السماوات لا مجرد رؤيا منامية او تجربة باطنية، والتعبير القراني ((اسرى بعبده)) يدل على الذات الإنسانية الكاملة لا على الروح المجردة
ثالثا: النبي في مقام العبودية الكاملة
من أعمق الدلالات في آية الإسراء أنّ الله تعالى وصف نبيّه في هذا المقام العظيم بـ“العبد”، فقال: ﴿أسرى بعبده﴾. فالعبودية هنا ليست مقامًا دونيًّا، بل هي أعلى مراتب الكمال الإنساني، وهي العنوان الذي يؤهّل الإنسان لأن يكون محلًّا للتجليات الإلهية.
لقد بلغ النبي صلى الله عليه وآله في هذه الرحلة مقامًا عبّر عنه القرآن بقوله: ((ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى)) وهو تعبير رمزي عن أقصى درجات القرب الممكنة لمخلوق من خالقه، من دون أن يخرج عن حدّ العبودية، أو يتجاوز مقام الممكن إلى مقام الواجب.
وهنا تتجلّى مدرسة التوحيد الخالص في الإسلام؛ فالنبي، مع عظمة مقامه، يبقى عبدًا لله، وكلّ كماله نابع من هذه العبودية. وفي هذا درس عميق للأمّة: أنّ طريق الرفعة ليس في ادّعاء الاستقلال، ولا في تضخيم الذات، بل في التحقّق بالعبودية الصادقة. كلّما ازداد الإنسان عبودية لله، ازداد قربًا وسموًّا وكرامة.
رابعا : الصلاة هدية المعراج الكبرى
من أبرز ما حمله النبي (ص) من هذه الرحلة المباركة هو تشريع الصلاة بصورتها النهائية، حتى ورد في الروايات أنّ الصلاة “معراج المؤمن”، وأنها الصلة اليومية التي تعيد للإنسان شيئاً من روح تلك الرحلة السماوية.
فالمعراج لم يكن حدثًا تاريخيًا معزولًا، بل تحوّل إلى منهج يومي في حياة المؤمن؛ إذ جعل الله الصلاة وسيلة ارتقاء روحي متكرّر، ينتقل فيها العبد من عالم الانشغال الأرضي إلى أفق الحضور الإلهي.
وكأنّ الله أراد أن يقول لعباده: إن كنتم لا تستطيعون أن تصعدوا بأجسادكم إلى السماء، فقد فتحت لكم بابًا تصعد به أرواحكم في كلّ يوم عدة مرّات.
وبهذا تتحوّل الصلاة من مجرّد واجب تعبّدي إلى مشروع تربية روحية مستمر، يعيد للإنسان توازنه، ويذكّره بأن له وطناً أعلى من هذه الأرض، وأن وجوده ليس محصوراً في عالم المادة.
خامسا : الإسراء في سياق الألم والابتلاء
تأتي حادثة الإسراء والمعراج بعد عام الحزن، حيث فقد النبي نصيريه الكبيرين: أبا طالب وخديجة عليهما السلام، وتعرّض لأقصى درجات الإيذاء في الطائف، حتى أُدميت قدماه.
في هذا السياق، يمكن فهم المعراج بوصفه “جبرًا سماويًا” للكسر الأرضي، وتكريمًا إلهيًا في مقابل الإعراض البشري، وتأكيدًا على أنّ القيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يلقاه من الناس، بل فيما له عند الله.
وهذا يعلّم الدعاة والمصلحين في كلّ زمان أنّ الفشل الظاهري لا يعني الخذلان الإلهي، وأن الانكسار الاجتماعي قد يكون مقدّمة لفتح سماوي، وأن طريق الرسالة محفوف بالمحن، لكن نهايته في القرب والرفعة.
سادسا: الإسراء والمعراج وتعزيز الثقة بالذات
واجه النبي (ص) بعد الإسراء والمعراج موجة من التكذيب والسخرية، إلا أن إيمانه وثقته بالله لم تتزعزع، وكان موقف المؤمنين الصادقين، وفي مقدمتهم الإمام علي بن أبي طالب (ع) مثالاً للثبات واليقين.
وهذا الدرس مهم لشبابنا في الغرب، الذين قد يتعرضون للسخرية بسبب التزامهم الديني أو مظهرهم الإسلامي.
فالإسراء والمعراج يزرع فيهم الثقة بالذات، ويعلّمهم أن الاعتزاز بالهوية لا يتعارض مع الانفتاح، بل يمنح صاحبه قوة داخلية واستقلالاً فكرياً.
سابعا: البعد العالمي للحادثة ورسالة التعايش
انطلاق الإسراء من مكة ووصوله إلى القدس، ثم العروج إلى السماوات، يحمل دلالة عالمية واضحة، تربط بين الرسالات السماوية وتؤكد وحدة الأصل الإلهي. فبيت المقدس رمز للتواصل بين الأنبياء. وفي السياق الغربي، يساعد هذا الفهم شباب المسلمين على تقديم صورة متوازنة عن الإسلام، تقوم على الحوار والتعايش واحترام الآخر، دون التفريط بالثوابت، مما يعزّز حضورهم الإيجابي في مجتمعاتهم.
ثامنا: الإسراء والمعراج ومواجهة النزعة المادية
تغلب على المجتمعات الغربية النزعة المادية، حيث تُقاس القيمة بالإنجاز المادي والاستهلاك والنجاح الدنيوي. وتأتي حادثة الإسراء والمعراج لتكسر هذا المنطق الأحادي، وتؤكد أن الإنسان كائن روحي بقدر ما هو مادي.
إن استحضار هذه المعاني يساعد الشباب المسلم على تحقيق التوازن النفسي، وعدم الانجراف وراء ثقافة الاستهلاك، وبناء شخصية متكاملة تُوازن بين الطموح الدنيوي والسمو الروحي.
تاسعا: المعراج كنموذج للارتقاء الذاتي
المعراج ليس مجرد رحلة نبوية فريدة، بل هو رمز لإمكانية ارتقاء الإنسان في مدارج الكمال، من خلال الإيمان والعمل الصالح وتزكية النفس. وقد التقى النبي ﷺ بالأنبياء في السماوات، في إشارة إلى وحدة المسيرة الإلهية نحو الكمال.
وهذا المفهوم ملهم للشباب، إذ يدعوهم إلى السعي المستمر للتطوير الذاتي، والارتقاء الأخلاقي، وعدم الاستسلام للواقع السلبي أو الصور النمطية المفروضة عليهم.
عاشرا: دور الأسرة والمؤسسات في تفعيل معاني الإسراء والمعراج
لا يكفي أن تبقى حادثة الإسراء والمعراج مادةً للذكرى السنوية، بل يجب أن تتحول إلى برنامج تربوي عملي. وهنا يأتي دور الأسرة، والمسجد، والمراكز الإسلامية في الغرب، في ربط الشباب بهذه القيم من خلال الحوار، والأنشطة الثقافية، والخطاب المعاصر القريب من واقعهم.
إن تقديم الإسراء والمعراج بلغة عقلانية وروحية في آنٍ واحد، بعيداً عن الجمود أو التهويل، يُسهم في ترسيخ الإيمان الواعي لدى الشباب.
نسال المولى سبحانه وتعالى ان يجعلنا من الملهمين لحقائق هذه الرحلة النبوية والثابتين على نهج النبي وآله الميامين انه ولي التوفيق