مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين


ممثل المرجعية العليا يهنئ المسلمين بذكرى البعثة النبوية الشريفة، ويدعوهم الى الالتزام بسيرة النبي (ص) والسير على نهجه ويقول:
إن المبعث النبوي الشريف يمثل أعظم منعطف في تاريخ الإنسانية بنقل الإنسان من ظلمات الجهل والوثنية الى نور التوحيد والهداية ومن شريعة القوة والغلبة الى شريعة العدل والرحمة

يصادف يوم الاحد 27 رجب الموافق 18 كانون الثاني 2026م ذكرى المبعث النبوي الشريف الذي لم يكن حدثا عابرا في الزمان بل مشروعا الهيا كاملا لاعادة بناء الانسان والمجتمع على أسس ربانية، ونعرف هذا المعنى من خلال الأهداف التي تشكلت منها روح الرسالة وجوهر البعثة وهي :
أولا: بناء الانسان أخلاقيا
لان الاخلاق جوهر البعثة ، وقد تلخص هذا المعنى بقول النبي (ص) (انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق) ويعد هذا الحديث من اهم المفاتيح لفهم الإسلام، اذ يبين ان الاخلاق ليست امرا ثانويا في الدين بل هي غاية مركزية من غايات البعثة ، والإسلام جاء ليحوّل الانسان من كائن تحكمه الغرائز والاهواء الى انسان تحكمه القيم والضوابط الإلهية ، لذا كانت الأخلاق معيارا هاما في كمال الإيمان والتفاضل به بين المؤمنين فقد ورد عنه (ص) (اكمل المؤمنين ايمانا احسنهم اخلاقا)
ثانيا: ترسيخ التوحيد وتحرير الانسان من العبودية لغير الله سبحانه
وهذا ما اعلنه النبي (ص) منذ الأيام الأولى من بعثته عندما صعد على الصفا فنادى أيها الناس: (قولوا لا اله الا الله تفلحوا) ومثل هذا قد فعله على المروة .
ان هذه الكلمة القصيرة تختزل هدفا تحريريا عظيما لان التوحيد يحرر الانسان من عبودية الاصنام والخضوع للطغاة والاهواء ويجعله مرتبطا بالله وحده.
ثالثا: تأسيس المعيار الحقيقي للتفاضل وترسيخ العدل والمساواة
لقوله (ص) (الناس سواسية كاسنان المشط) فكان هذا الإعلان النبوي ثورة حقيقية في مجتمع قائم على الطبقية والتمييز وبذلك أسس النبي (ص) مبدأً من اهم مبادئه وهو كرامة الانسان والمساواة امام الله والتفاضل بالتقوى.
ومن ثم كانت العدالة مقصدا محوريا للإسلام ، وقد ورد عنه (ص) قوله:(بالعدل قامت السماوات والأرض) ونقل عنه (ص)قوله:(لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). فالرسالة الإسلامية جاءت لتقيم العدل وتنظم العلاقات الاجتماعية بتوزيع الحقوق والواجبات على أفراد المجتمع كل بحسبه.
رابعا : بناء مجتمع متراحم على التعاون والتكافل والاحساس بالمسؤولية
وقد جسد هذا المعنى بقوله (ص) (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد) وقوله (ص) (من اصبح ولم يهتم بامور المسلمين فليس بمسلم).
خامسا: نشر الرحمة وهداية الإنسانية
لان الرحمة هي عنوان الرسالة لقوله (ص) (الراحمون يرحمهم الرحمن ) وبذلك وصف الله سبحانه نبيه (ص) حيث قال ((وما ارسلناك الا رحمة للعالمين)) ، فالرسالة الإسلامية لا تقوم على العنف والاكراه ((لا اكراه في الدين)) بل على الرحمة والهداية.
وهناك اهداف أخرى لبعثته (ص) لا يسع المجال لذكرها ، وعلينا ان نعلم بان المبعث النبوي الشريف هو ليس ذكرى احتفالية فحسب بل اعلان دائم لاهداف الإسلام الكبرى وبناء الانسان الاخلاقي مستندا الى التوحيد وإقامة العدل وبسط الرحمة للإنسانية جمعاء، والى هذا المعنى اشارت الصديقة الكبرى في خطبتها الفدكية حيث قالت: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيم، فَإنْ تَعْزُوه وَتَعْرِفُوهُ تَجِدُوهُ أبي دُونَ نِسائِكُمْ، وَأخا ابْنِ عَمَّي دُونَ رِجالِكُمْ، وَ لَنِعْمَ الْمَعْزِيُّ إلَيْهِ صَلى الله عليه وآله فَبَلَّغَ الرِّسالَةَ صادِعاً بِالنِّذارَةِ، مائِلاً عَنْ مَدْرَجَةِ الْمُشْرِكِينَ، ضارِباً ثَبَجَهُمْ، آخِذاً بِأكْظامِهِمْ، داعِياً إلى سَبيلِ رَبِّهِ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنةِ ...) .
ولو ان المسلمين التزموا بهذه الأهداف المذكورة وغيرها لاصبحوا اليوم سادات العالم ولخضعت لهم الدنيا من مشرقها الى مغربها ، ولكنهم اليوم-مع الأسف- أصبحوا كما وصفهم رسول الله (ص) (غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، تُنْتَزَعُ الْمَهَابَةُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيُجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنُ).
نسأل الله عز وجل ان يجعلنا من أولئك الذين وصفهم القران بقوله ((محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من اثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع اخرج شطاه فازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين امنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة واجرا عظيما)) وان يجعلنا من السائرين على نهج النبي (ص) واهل بيته الميامين انه ولي التوفيق.