مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين


مؤسسة الامام علي (ع) تستقبل سفراء العراق

زار مجموعة من سفراء العراق المنتخبين جديدا لشغل مناصب سفارة العراق في بعض العواصم العالمية وقد رحب بهم العلامة السيد مرتضى الكشميري في ديوان مؤسسة الامام علي (ع) بلندن واكد عليهم بحديث مستوحى من كلام امير المؤمنين (ع) جاء فيه:
يسرّنا هذا اللقاء بكم وأنتم تتشرّفون بتمثيل العراق في ميادين العالم، في مقامٍ دقيق يجمع بين السياسة والأخلاق، والمصلحة والمسؤولية، والمنصب والأمانة. ولعلّ من أعمق ما يُستضاء به في هذا المجال هو نهج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ذلك النهج الذي لم يكن تجربة حكم عابرة، بل مدرسة خالدة في إدارة الدولة والتعامل مع الرعية.

أولًا: المنصب عند أمير المؤمنين تكليف لا تشريف
يعلّمنا أمير المؤمنين عليه السلام أنّ الولاية ليست غنيمة، ولا موقع امتياز، بل عبء ثقيل، إذ يقول (إنّ عملك ليس لك بطُعمة، ولكنّه في عنقك أمانة).
وأنتم اليوم في موقعٍ هو من مصاديق هذه الأمانة، تمثّلون دولة وشعبًا وتاريخًا، وتُسألون عن ذلك قبل أن تُمدحوا عليه. فليكن حضوركم في مواقعكم نابعًا من الشعور بالمسؤولية، لا من لذّة الموقع، ومن همّ الأداء، لا من مجرّد حمل الصفة.

ثانيًا: الناس صنفان… ومنهج التعامل الإنساني
من أبلغ ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في فلسفة الحكم قوله لمالك الأشتر (وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم… فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق).
هذه القاعدة ليست وعظًا أخلاقيًا فحسب، بل منهجًا عمليًا في التعامل مع البشر.
فالدبلوماسي الذي يستلهم هذا المبدأ، يتعامل مع الآخر ـ مهما اختلف معه ـ بكرامة، واحترام، وإنصاف، دون ضعف ولا استعلاء، ودون تنازل عن الحق أو القيم.
وهكذا يكون السفير العراقي حاملًا لرسالة إنسانية، قبل أن يكون ناقلًا لموقف سياسي.

ثالثًا: العدل أساس الاستقرار والهيبة
جعل أمير المؤمنين عليه السلام العدل عماد الحكم، واعتبره سبب بقاء الدول، فقال (العدل يضع الأمور مواضعها).
فالعدل في مواقعكم لا يقتصر على القضايا الكبرى، بل يبدأ من العدل في الكلمة، وفي الموقف، وفي نقل الصورة، وفي تمثيل الجميع دون تمييز.
وما أحوج العراق اليوم إلى أن يُمثَّل برجالٍ يُشعرون الآخرين بأنّ هذا البلد، رغم جراحه، ما زال يحمل روح الإنصاف، ويرفض الظلم، ولا يبرّره مهما كانت ذرائعه.

رابعًا: التواضع والحذر من الغرور بالسلطة
كان أمير المؤمنين عليه السلام في قمة السلطة، لكنه يقول (لا تزيدني كثرة الناس حولي عزّة، ولا تفرّقهم عني وحشة).
فاحذروا ـ رعاكم الله ـ من أن تُنسيكم المناصب حقيقتكم الإنسانية، أو تُبعدكم عن البساطة، أو تُثقِل حواجزكم مع الناس.
فالسفير المتواضع أقرب إلى القلوب، وأبلغ تأثيرًا، وأبقى ذكرًا، من سفيرٍ يتكئ على المظاهر ويغفل عن الجوهر.

خامسًا: الكلمة أمانة والموقف شهادة
في نهج أمير المؤمنين عليه السلام، الكلمة ليست حيادية، بل مسؤولية، وهو القائل (المرء مخبوء تحت لسانه).
وأنتم في مواقع تُحسب فيها الكلمات على الدول، وتُفسَّر فيها الإشارات قبل التصريحات. فكونوا من أهل الحكمة، الذين يجمعون بين الصراحة والرشد، وبين الوضوح والتعقّل، ويقدّمون مصلحة العراق العليا، دون تهوّر أو مجاملة مضرّة.

إخوتي الكرام، إنّ استلهام نهج أمير المؤمنين عليه السلام في الحكم لا يعني استحضار التاريخ، بل إحياء القيم: الأمانة، والعدل، والرحمة، والتواضع، والصدق.
فإذا حملتم هذه القيم معكم إلى مواقعكم، كنتم سفراء للعراق، وسفراء لنهجٍ إنساني عظيم، يفرض احترامه قبل أن يطلبه.
نسأل الله تعالى أن يوفّقكم للاقتداء بسيرة أمير المؤمنين عليه السلام، وأن يجعلكم أمناء على العراق كما كان هو أمينًا على الأمة، وأن يكتب على أيديكم ما فيه خير البلاد والعباد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.