مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين
جاء حديثه هذا في مركز الزهراء (ع) الثقافي في بوخارست/رومانيا حيث قال :
يصادف هذا اليوم الاثنين السابع عشر من شهر صفر الموافق 11 اب 2025م ، ذكرى شهادة الإمام الرضا (ع) وبهذه المناسبة الحزينة نتبرك بذكر نبذة من حياته الشريفة:
- فهو ثالث العليّين (الذين أسماؤهم علي بين الأئمة الاثني عشر (ع)) بعد جده أمير المؤمنين علي بن ابي طالب وجده الإمام زين العابدين علي بن الحسين السجاد).
- وكنيته أبو الحسن الثاني تمييزاً له عن أبيه الإمام الكاظم (ع) الذي يكنى بابي الحسن الأول.
- وأشهر ألقابه الرضا وعالم آل محمد، وبهذا لقبه جده الإمام الصادق (ع) الذي كان يتمنى رؤيته ويقول لولده الكاظم(ع):(إن عالم آل محمد لفي صلبك، وليتني أدركته، فإنه سمي أمير المؤمنين علي).
لقد كان الإمام الرضا (ع) معجزة عصره ومفخرة دهره وآية من آيات الإسلام، وقد اعترف بفضله السامي وعلو مقامه كافة الناس في عصره، ولهجت الألسن بفضائله ومزاياه، وتبارت الشعراء بتعداد أمجاده ومفاخره وكراماته. وكان أفضل أهل زمانه وأكملهم وأكثرهم علماً وعطاء وورعاً وعدلاً وعبادة. قال أبو الصلت الهروي: (ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا (ع) وما رآه عالم إلا وشهد بمثل شهادتي، ولقد جمع له المأمون العلماء والفقهاء وأئمة المذاهب [وأرباب الأديان من الصابئة والنصارى والزرادشت وغيرهم] في مجالس متعددة لمناقشتهم والاحتجاج معهم فما من أحد منهم إلا وأقر له بالفضل وبان عليه العجز عند محاورة الامام ومناظرته).
وحينما كان بالمدينة المنورة يجلس في مسجد جده النبي (ص) فيجتمع حوله العلماء والفقهاء يسألونه عما أشكل عليهم وهو يجيبهم ويحل لهم مشاكلهم، وقد شد الرحال مراراً إلى أقطار بعيدة للتوجيه والتعليم والدعوة إلى الحق.
وروى ابن شهرآشوب في المناقب بسنده عن سليمان الجعفري أنه قال: (دخلت على علي بن موسى الرضا (ع) ذات يوم داره فرأيت جمعاً كثيراً من الناس حوله يسألونه وهو يرد عليهم فقلت في نفسي: ينبغي أن يكون هذا نبياً فالتفت إلي الرضا (ع) وقال: يا سليمان إن الأئمة علماء يحسبهم الجاهل أنبياء وليسوا بأنبياء).
وروى الصدوق عن إبراهيم بن العباس أنه قال: (ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا (ع). ما رأيته جفا أحداً بكلامه ولا قطع على أحد كلامه وما رد أحداً عن حاجة يقدر عليها، ولا شتم أحداً من مماليكه ومواليه، وما سئل عن شيء إلا علمه وأجاب عنه).
وكان المأمون العباسي يمتحنه بالسؤال عن كل شيء فيجيبه، وكانت أجوبته انتزاعات من القرآن، وكان (ع) كثير التلاوة له ويختمه في كل ثلاث ليال مرة.
وطلب المأمون العباسي منه أن يكتب له شرحاً مفصلاً عن التوحيد والإسلام والطب فكتب له فيها رسائل لخص فيها معنى التوحيد وأحكام الإسلام وأصول القواعد الصحية وغيرها، وتعرف الأخيرة بالرسالة الذهبية .
ونظرا لاهميتها فقد عكف على شرحها وترجمتها جمهرة من العلماء نص عليهم في تقديم هذه الرسالة سماحة المرحوم المحقق محمد مهدي الخرسان وهم تسعة عشر عالما ، فما احرانا ونحن نعيش في هذه العصور الجرداء ان نرجع الى تراث اهل البيت (ع) وما تركوه لنا من اثار علمية ومعرفية تستفيد منها الأجيال خصوصا أطباء العصر أساتذة الفن من مسلمين وغيرهم ليستفيدوا منها ولينفعوا البشرية بذلك.
إلى جانب هذا فقد زود إمامنا الرضا(ع) مدرسة أهل البيت (ع) بالعلوم والمعارف المختلفة حتى ربى جيلاً من الطلبة، وقد ذكر عددهم وأسماءهم العلامة الشيخ القرشي في موسوعة أهل البيت (ع).
ومن هنا يتضح لنا اهتمام الإمام الرضا (ع) كبقية أهل بيت النبوة بنشر العلوم المختلفة الدينية منها والطبيعية والإنسانية والكونية وغيرها، وتشجيع طلابه على تدوينها خوفاً عليها من الضياع ونشرها في كل مكان وزمان، وإلى هذا أشار بقوله (ع): (رحم الله عبداً أحيى أمرنا) يقول عبد السلام الهروي: فقلت له: يابن رسول الله وكيف يحيي أمركم؟ قال: (يتعلم علومنا ويعلمها الناس فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا).
وقوله (ع) (الناس) هنا لا تعني جماعة معينة أو فئة خاصة، وإنما تشمل كل محب للعلم والثقافة والمعرفة، مسلماً كان أم غير مسلم، لأن علم الأئمة (ع) وما يحملونه من معارف مثله كمثل الشمس التي يستفيد منها كل الكائنات الحية وغيرها.
فعلى اتباع مدرسة اهل البيت (ع) ان يرتبطوا بائمتهم (ع) وياخذوا منهم معالم دينهم وعقيددتهم ولا ينبهروا بالرقي التكنولوجي في العالم ويتصوروا بأن هذا هو الرقي الحقيقي وينجرفوا وراء ما تفرضه القوانين المنحرفة والشاذة التي تشكل خطرا على عقائدهم ودينهم وأجيالهم فإن خطر هذه الأفكار عليهم أشد من خطر الأمراض الجسمية التي يصابون بها، وإلى هذا أشار أمير المؤمنين(ع) بقوله:(عجبت لمن يتفكر في مأكوله كيف لا يتفكر في معقوله ويجنب بطنه ما يؤذيه ويودع صدره ما يرديه)، فإن مرض البدن أهون من مرض العقل لأن الأول يشفى عن طريق الدواء سريعا وأما الثاني فيؤدي به إلى الهلكة وخسارة الدنيا والآخرة.
ونحن في هذا العصر أمام انحدار أخلاقي وتحديات كبيرة في تربية الأبناء وللأسف فإن الكثير من الأسر المسلمة تتساهل مع هذا الانفتاح التقني فيمكنون أطفالهم من الأجهزة الحديثة ولا يعلمون ما يشاهد ويسمع ويقرأ فيها، في حين أن التيارات المنحرفة تسعى لغسل أدمغتهم من السنوات الأولى فيغذونهم بالسم القاتل تدريجا وبمرور الأيام يخرج الولد شاذا، فمهما كنت أيها الأب متدينا فإن ولدك يطعم من الآن بالسموم عن طريق المدرسة ووسائل التواصل الاجتماعي بكمية قليلة قليلة لا تظهر عليه من اللحظة الأولى ولكنها تتراكم لتظهر نتيجتها بعد مدة. ولذلك يجب أن يتحمل الأبوان المسؤولية لحماية أولادهم في مواجهة هذا التحدي الجارف. ولعل من أوجب الأمور أن يجلس الآباء والأمهات يومياً مع أولادهم ويعلموهم أمورهم الدينية وعقيدتهم الإسلامية ويميزوا لهم ما يتلقونه من الضار والنافع والصحيح والسقيم حتى ينشأ الأولاد تنشئة إسلامية سليمة يقدرون معها على مواجهة الانحرافات والتحديات التي تعصف بهم.
ومن الغريب أن الجاليات الإسلامية قد احتجت على حرق القرآن ولكن لم نر لحد الآن من يحتج على ما يجري في هذا العالم من انحراف أخلاقي وسلوكي، علماً بأن المسلمين عندما هاجروا إلى هذه البلدان في بداية الأمر كانوا يمارسون عقائدهم بحرية على عكس ما عليه الأمر الآن، فعلى أولياء الأمور ان يتنبهوا الى ما يجري من حولهم وما يخطط لابنائهم.
نسأل من العلي القدير ان يهدينا السبيل وان يجعلنا من السائرين على منهج محمد واله محمد (ص) ، والحمد لله رب العالمين.
اللهم صل على علي بن موسى الرضا المرتضى الإمام التقي النقي وحجتك على من فوق الأرض ومن تحت الثرى الصديق الشهيد صلاة كثيرة تامة زاكية متواصلة متواترة مترادفة كأفضل ما صليت على أحد من أوليائك.