مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين
ان زيارة الأربعين للحسين (ع) ليست شعيرة دينية بل هي منبر للوعي وتجسيد عملي للثورة الحسينية وتعبير جمعي عن الولاء للحق والرفض للباطل، ولهذا لم تكن زيارة الاربعين بمنأى عن الاستهدف بل كانت منذ قرون محط سخط الطغاة والظالمين ومحورا للمعارك الثقافية والإعلامية والعقائدية.
وفي عصرنا الحاضر تتعرض هذه الزيارة الى محاولات متعددة لمحاربتها بالتشويه والتعتيم و التضييق والتحريف، فكيف يمكن للمؤمنين ان يواجهوا هذه المحاولات، وما هي الأدوات التي يجب توظيفها لصيانة هذه المسيرة الإلهية من الانحراف او التضييع؟ يمكننا تلخيص ذلك في بعض النقاط:
أولا: ترسيخ الوعي العقائدي لمكانة زيارة الأربعين تأسيسا عميقا بوصفها شعيرة مشروعة ومؤكدة منصوصا على فضلها في احاديث اهل البيت (ع) ومنها قول الامام الحسن العسكري(ع):(علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم) ، فمن الضروري ان يرّبى المجتمع المؤمن (ولا سيما الاجيال الشابة) على فلسفة الزيارة ومعرفة ارتباطها بمبادئ ثورة الحسين (ع) الإصلاحية: (الامر بالمعروف، رد الطغيان ونصرة المظلوم) ومتى ترسخ هذا الفهم تصبح الزيارة عند الزائر موقفا رساليا وشهادة ولاء عملية لا مجرد حضور شكلي موسمي او ترفيهي او سياحي، مما يجعلها عصية على محاولات التشويه والتحريف.
ثانيا: مواجهة التعتيم بالاعلام الواعي والمؤثر ، فالمسيرة التي تجمع اكثر من عشرين مليون تُتجاهل عمدا من كبرى المؤسسات الإعلامية الدولية، فلذلك يجب ان نقابل هذه الحرب الإعلامية باعلام بديل قوي صادق ومهني يوظف أدوات العصر الرقمي ويخاطب العالم بلغته وذلك بانشاء محتوى عالمي متعدد اللغات (أفلام، وثائق، مقالات ..الخ) يعرّف العالم على عمق هذه الظاهرة من زوايا إنسانية وعقائدية وخدمية، واستقطاب وسائل الاعلام الدولية المحايدة لتغطية الحدث ميدانيا، وتفعيل مواقع التواصل الاجتماعي بنشاط منظم يرفع الوعي ويكسر الصورة النمطية المغلوطة، وكذلك تأهيل اعلاميين من داخل المواكب والهيآت للقيام بتوثيق الزيارة من الداخل وبلغة راقية شاملة.وبهذا الاعلام النوعي يتم كسر الحصار المفروض على الزيارة، وتُقدم للعالم كاعظم ظاهرة سلمية ايمانية في العصر الحديث.
ثالثا: التصدي للتحريف بالحفاظ على اصالة الزيارة من محاربة زيارة الأربعين مما يجري من محاولات تحريفية داخلية تسعى لتفريق الزيارة من محتواها الرسالي او تسييسها او حصرها بالطابع المظهري فقط، ولمواجهة ذلك يجب على المؤمنين ان يلتزموا بما يلي:
1- استحضار اهداف نهضة الحسين (ع) عند كل خطوة بالمسير (لماذا خرج؟، وما الذي يريد منا فعله؟ وهل نحن نعيد تمثيل اهدافه في حياتنا؟).
2- تقديم الزيارة كمدرسة أخلاقية وسلوكية لا فقط شعيرة دينية ، فالتعامل مع الناس وخدمة الزائرين واحترام القوانين والنظام والنظافة هي جوانب لا تقل عن المشي في قدسيتها طبق ما جاء في وصايا المرجعية العليا لزائري الامام الحسين (ع).
3- رفض التوظيف السياسي او الطائفي للزيارة، لانها فوق الانتماءات ولكونها مشروعا إنسانيا وحدويا جامعا لا ينبغي اختطافه لأي غرض سياسي او دعائي.
4- احياء الجانب الثقافي للزيارة بعقد الندوات الفكرية على طريق الزيارة وتوزيع الكتب والمطبوعات وتنظيم حوارات حول الإصلاح الحسيني وربطه بواقع الامة كما جاء أيضا في توجيهات المرجعية العليا لزوار الحسين (ع).
5- الرد على الشبهات بالحوار والدليل والخلق الرفيع، لوجود كثير منها حول زيارة الأربعين سواء من قبل مغرضين او متاثرين بالاعلام المضلل او حتى من الشباب المتحير. وتشكك هذه الشبهات في مشروعية الزيارة او تقوم باتهامها بالغلو او وصفها بانها مظاهر عاطفية لا فائدة منها، ولمواجهة ذلك يمكن الاعتماد على:
• الخطاب العلمي المقنع المستند الى القران والحديث والعقل والتاريخ.
• الحوار الهادف مع أصحاب الشبهات بعيدا عن التشنج والانفعال التزاما بنهج الامام الصادق (ع) بحواره مع الملاحدة والزنادقة.
• تسليط الضوء على الأثر التربوي والاجتماعي للزيارة في النفوس والمجتمعات مما يفحم الخصم من خلال الواقع لا الجدال.
• القدوة العلمية في السلوك، اذ ان خلق الزائر المؤمن وايثاره وخدمته للناس وسمو تعامله هو افضل رد على أي تهمة توجه للزيارة او الزائرين، وقد تمثل هذا بمجموعة ممن رايناهم يواكبون المسيرة الحسينية اخذين بنظر الاعتبار وصايا المرجعية العليا .
• توحيد الصفوف وخدمة المشروع الحسيني من وسائل التصدي لمحاربة زيارة الأربعين بين أبناء الامة لا سيما بين شيعة اهل البيت (ع) لئلا تستغل الخلافات من النيل من قدسية الزيارة، ومن هنا تاتي ضرورة التنسيق بين الهيآت والمواكب على أساس التعاون لا التنافس، وان تقدم صورة موحدة للعالم على السلوك الحسيني الحقيقي.
• احياء روح الخدمة والضيافة والاخوة على طول الطريق بما يعكس روح كربلاء التي جمعت الحر والعباس وزهير وعلي الأكبر وجون وسائر الشهداء.
هذا ومن الواجب علينا ان نشيد بحهود العراقيين وسائر الجاليات المؤمنة من كل اطراف كربلاء في خدمة الزائرين وبكل أنواع الخدمة، وبهذا ضربوا اسمى الأمثلة للعالم بالجود والكرم والسخاء والشهامة بمواقفهم النبيلة فيما قدموه من ضيافة تليق بمقام المضيف ومكانته، سائلين المولى ان يجزيهم جزاء المحسنين وان يكفيهم شر الاعداء بما بذلوه من كل غال ونفيس في هذا السبيل، واجرهم على الله ورسوله والائمة الطاهرين (ع).
((ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقران ومن اوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم)).