مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين
جاء حديثه هذا بمناسبة قرب زيارة اربعينية الحسين (ع) التي تصادق هذا العام يوم الجمعة 15 اب 2025م، حيث تتوجه الملايين من المسلمين وغيرهم من اقصى الدنيا وادناها صوب مدينة ابي الاحرار (كربلاء) قاصدين مواساة سبايا ال محمد (ص) العائدة من الشام عبر الاسر والسبي ، وهذا التوجه يقودنا الى السؤال حول مشروعية هذا العمل لما فيه من عناء ومشقة خصوصا في هذه الاجواء الحارة.
والجواب: ان مشروعية هذه الزيارة تنبع من القران والسنة واجماع العلماء عليها.
أولا: فمن القران:
ا- قوله تبارك وتعالى ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون)) فهذه الاية تدل على ان الشهداء احياء عند الله ومقامهم رفيع، وبالتالي فان زيارتهم وزيارة مراقدهم من باب تعظيم شعائر الله وتكريم اوليائه.
ب- الامر بالتوسل بالصالحين جاء في قوله تعالى ((ولو انهم اذ ظلموا انفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما))، وقد فسّر المفسّرون هذه الآية بأنّ المؤمنين مأمورون بالمجيء إلى النبي (ص)، حتى بعد وفاته، للتوبة والدعاء والشفاعة، وهذا يدل على جواز ومشروعية زيارة قبره الشريف، وقياسًا عليه تُستفاد مشروعية زيارة ذريّته الطاهرين، لا سيما من بذل مهجته لإحياء الدين كالحسين (ع).
وقد وردت روايات عن الائمة بهذا المضمون تحث على زيارة قبور الائمة والاولياء الصالحين.
ثانيا: واما السنة فوردت احاديث كثيرة في هذا الباب بدء من النبي المصطفى (ص) ومرورا بالائمة الاطهار (ع) ، من ذلك ما رواه الشيخ الطوسي والشيخ الصدوق باسنادهما عن الامام الصادق (ع) عن ابائه عن رسول الله (ع) قال (من زار الحسين بن عليٍّ بعد مقتله، كتب الله له حجةً من حجج الإسلام).
ونكتشف من هذا الحديث ان النبي (ص) كان عالمًا بما سيقع على سبطه، وأوصى أمته بزيارته، حتى قبل وقوع كربلاء، ما يدلّ على الأهمية الاستثنائية لهذه الزيارة.
ومن احاديث الامام الباقر (ع) (مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين عليه السلام، فإنَّ إتيانه يزيد في الرزق، ويمد في العمر، ويدفع مدافع السوء، وإتيانه مفترض على كلِّ مؤمن يقرُّ للحسين بالإمامة من الله).
ومضمون هذه الرواية بالإضافة الى الاجر، يجازى الانسان بثلاثة خصال في الدنيا وهي بزيادة الرزق وطول العمر والحفظ من كل سوء.
وهناك سيل من الروايات بهذا المضمون ذكرها الشيخ بن قولويه بكتابه (كامل الزيارات)، واقل ما يفهم من الفاظها التأكيد على استحباب الزيارة بما لا يدع مجالا للريب.
ثالثا: الاجماع العملي والاهتمام من قبل الائمة (ع)، حيث كانت ممارساتهم واضحة في تأكيد زيارة الامام الحسين (ع)، فقد كان الامام الصادق (ع) كثير التشجيع عليها ويبعث أصحابه اليها، بل ورد عنه (ع) قوله (لو يعلم الناس ما في زيارة الحسين عليه السلام من الفضل لماتوا شوقاً ، وتقطّعت أنفسهم عليه حسرات).
كما نقل ان الامام الكاظم (ع) كان يوجه أصحابه الى كربلاء رغم التضييق السياسي الشديد انذاك.
ولم يعتبر الائمة (ع) في احاديثهم زيارة الحسين (ع) امرا عارضًا، بل عدّوها من شعائر الدين، وقد ربطوها بالمفاهيم الكبرى كالبكاء، والولاء، والبراءة من الظالمين. وقد ورد عن الإمام الهادي (ع) قوله (من زار قبر الحسين عارفًا بحقه، كتب الله له أجر ألف حجّة). وهذا الفضل لا يُعطى إلا لعمل ذي مشروعية وتأثير كبير في بناء شخصية المؤمن. فالزائر لقبر الحسين (ع) يتاثر ويتفاعل مع اهداف الحسين (ع) التي تتضمنها زيارتهم بإقامة الصلاة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من الأهداف السامية.
رابعا : الاستدلال العقلي والوجداني على استحباب الزيارة لما فيها من احياء لذكرى الشهداء وتثبيت القيم، فزيارة الحسين (ع) ليست مجرد زيارة مادية لقبر، بل هي تجديد للعهد مع المبادئ التي استشهد من أجلها: العدل، الكرامة، مقاومة الظلم، نصرة المستضعفين. وعقلًا، فإنّ إحياء ذكرى مثل هذه الشخصية هو إحياءٌ لقيم الإسلام.
وعقلا ان احياء ذكرى لمثل هذه الشخصية هو احياء لقيم الإسلام وان هؤلاء المؤمنين الذين يتوجهون الى كربلاء فإنهم يُعيدون رسم خطّ الحسين في الوعي الجماهيري، ويقفون سدًّا منيعًا أمام محاولات تسطيح القضية الحسينية أو تحريفها. ولهذا، فإنّ العقل يُقرّ أن هذه الزيارة تمثّل ضرورة حضارية لحفظ الدين، ومصداقًا من مصاديق قوله تعالى ((ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب)).
خامسا : زيارة الامام الحسين (ع) نصت فتاوى الفقهاء على استحبابها، حيث صرح كبار علماء الامامية من المتقدمين والمتاخرين بان زيارة الامام الحسين (ع) مستحبة لا سيما في المناسبات الخاصة. قال شيخ المفيد في المقنعة (وزيارة قبر الحسين عليه السلام من أعظم القربات، وأفضل الطاعات، وأكّد ما رُغّب فيه من زيارات قبور الأئمة عليهم السلام) وقال السيد الخوئي (تُستحب زيارة الإمام الحسين عليه السلام، بل تُستحب في كل زمان، ويُرجَّح قصدها في بعض الأوقات مثل يوم عرفة، وليلة النصف من شعبان، وعاشوراء، وأربعينية الإمام) وذلك للنصوص الواردة على الاتيان بها في هذه الاوقات.
اما زيارة الأربعين فقد تميزت بنص خاص ورد عن الإمام العسكري (ع) حيث قال (علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)
وهذا النص يُشير إلى أن زيارة الأربعين أصبحت من شعار الإيمان نفسه بما يدل على تأكيدها الفقهي والديني.
نسال الله تعالى ان يبارك لزوار ابي عبد الله الحسين (ع) زيارتهم ويتقبلها بأفضل ما يتقبل به عمل عباده الصالحين حتى يكونوا في سيرهم وسيرتهم في زيارتهم هذه وما بقي من حياتهم مثلا لغيرهم، وان يجزيهم عن اهل بيت نبيهم (ع) خيرا لولائهم لهم واقتدائهم بسبرتهم وتبليغ رسالتهم عسى ان يدعو بهم (ع) في يوم القيامة حيث يدعى كل انساس بامامهم، وان يحشر الشهداء منهم بهذا السبيل مع الحسين (ع) واصحابه بما بذلوه من نفوسهم وحملوه من الظلم والاضطهاد لاجل ولائهم انه سميع مجيب.