مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين


ممثل المرجعية العليا في أوروبا يعزي العالم الإسلامي بذكرى شهادة رابع أئمة المسلمين الامام علي بن الحسين زين العابدين (ع) ويقول :
• إن اهم تراث تركه الامام (ع) للمسلمين صحيفته السجادية وهي من كنوز التراث الإسلامي التي يتمثل فيها التجرد التام عن عالم المادة والارتباط بالملكوت الاعلى
• لقد قام الإمام (ع) بتربية كوكبة من العلماء الذين أضحوا مصدرا لعلوم القران وغيره من العلوم النافعة
• تصدى الإمام(ع) لتشخيص وظيفة الفرد المسلم بمنهاجه العبادي والتوعوي من خلال الدعاء والارتباط بالله في مقابل الطريقة الاموية والمروانية التي تمثلت بالظلم والاضطهاد والفساد والانحلال الاخلاقي.

تصادف ذكرى شهادة الامام السجاد (ع) يوم الاثنين 25 محرم الحرام الموافق 21 تموز 2025م، وبهذه المناسبة الحزينة ألقى السيد الكشميري محاضرة تناولت حياة هذا الامام العظيم الذي اتفق المسلمون باختلاف مشاربهم على الاعتراف له بالفضل وانه علم شاهق في هذه الدنيا لا يدانيه احد في فضله وعلمه وتقواه، وكان من مظاهر تبجيلهم له انهم كانوا يتبركون بتقبيل يده ووضعها على عيونهم.
ولم يقتصر تعظيمه على الذين اصطحبوه او التقوا به، وانما شمل المؤرخين من شتى المذاهب، فقد رسموا باعجاب واكبار سيرته والقوا عليه جميع الألقاب الكريمة والنعوت الشريفة:
1- فقد قال الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الانصاري:(ما رؤي من أولاد الأنبياء مثل علي بن الحسين).
2- كان عبد الله بن العباس على تقدمه في السن يجل الامام (ع) وينحني خضوعا له وتكريما، فاذا رآه قام تعظيما ورفع صوته وقال: (مرحبا بالحبيب بن الحبيب).
3- ووصفه محمد بن مسلم القرشي الزهري: (بالفقيه) و(احد الائمة الاعلام) و(عالم الحجاز والشام)، في حين لم يكن الرجل من اتباع مدرسة اهل البيت (ع)، وأضاف الى قوله (ما رايت هاشميا افضل من علي بن الحسين) و(لم ادرك من اهل البيت رجلا كان افضل منه).
4- سعيد بن المسيب وهو من الفقهاء البارزين في يثرب قال (ما رايت قط افضل من علي بن الحسين وما رايته الا مقت نفسي) و(ما رايت اورع منه).
5- وقد اعترف له بالفضل حتى اعداؤه ومغبضوه، فهذا يزيد بن معاوية بعد ان الح عليه اهل الشام بان يخطب فيهم علي بن الحسين (ع) ابدى مخاوفه منه قائلا:(انه من اهل بيت زقوا العلم زقا، انه لا ينزل الا بفضيحتي وفضيحة ال ابي سفيان).
ومثل يزيد عبد الملك بن مروان الذي هو احد اعدائه فكان يخاطبه بقوله:(فانك لذوا فضل عظيم على اهل بيتك وذوي عصرك ولقد اوتيت من الفضل والعلم والدين والورع مالم يؤته احد مثك ولا قبلك الا من مضى من سلفك).
وثالث الأعداء كان المنصور الدوانيقي الذي أشاد بفضل الامام (ع) في رسالته الى ذي النفس الزكية بقوله: (ولم يولد فيكم -أي في العلوين- بعد رسول الله (ص) مولود مثله -أي مثل زين العابدين (ع)).
ومن هذه الشهادات نعرف فضله ومقامه الشامخ الذي تمتع به (ع) وهذا غيض من فيض.
واما نشاطه الاخلاقي والتربوي والسياسي فكان واضحا من خلال ما نشير اليه رغم الحصار الذي كان مفروضا عليه من بني امية وبني مروان، فلم تمنعه هذه الضغوط من ان يثري الساحة بالمعارف والعلوم في زمانه، وبامكان الباحث ان يراجع الموسوعات التاريخية للاطلاع على ما تركه (ع) من ثراء روحي كالصحيفة السجادية والتي يعبّر عنها بـ(زبور ال محمد (ص)) ولعلها تسمى:(الثقل الثالث) من تراث اهل البيت (ع) بعد القران ونهج البلاغة، وقد عكف العلماء على دراستها وشرحها وايضاح مقاصدها، وألفت في ذلك مجموعة من الكتب القيمة ذكرها شيخ المحققين اغا بزرك الطهراني في موسوعته (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) وقد احصى لها 66 شرحا.
ورسالته الحقوقية التي تعتبر من اعمق واقدم الوثائق الأخلاقية والانسانية في التاريخ الإنساني حيث ترسم خريطة للإنسان تجاه نفسه وربه ومحيطه. هذه الرسالة ليست مجرد تعاليم دينية بل تعد مشروعا حضاريا متكاملا يسعى لبناء الإنسان أخلاقيا وروحيا، وقد ضمت الرسالة ما يقارب خمسين حقا تبدا بحق الله وتنتهي بحق اهل الذمة مرورا بحق الجوار والمعلم والزوج والزوجة حتى حق العدو وهذا من اغرب ما يذكر من موقفه (ع) من العدو بان يجعل له حقا لقوله : (واما حق من ظلمك ان تعفو عنه فانك ان فعلت ذلك كنت له قاهرا). وفي هذا المقطع درس عظيم في التسامي الأخلاقي حيث يطلب من الانسان ان يسمو فوق احقاده وان ينتصر على الظلم بالعفو عملا بدستور القران الذي يقول ((والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)).
هذا ولا ننسى دعاءه المعروف لاهل الثغور الذي يدعو (ع) فيه للمرابطين في ثغور المسلمين، من أجل الحفاظ على حدود الدولة الإسلامية، وفيه مجموعة من المفاهيم الهامة، منها: الدعاء للمجاهدين وطلب الزيادة في عدتهم وعتادهم، والثبات على المبدأ، والإخلاص والعمل الصالح، وإظهار الشدة عند لقاء العدو.
وقد عُبّر عنها بالنداء رباني من الإمام زين العابدين (ع) إلى حماة الأمة، يدعوهم فيها إلى جعل الجهاد خالصًا لله، وأن يكونوا قدوة في الإيمان والخلق، وهذه الرسالة تجمع بين التوجيه العسكري، والدعاء، والارتقاء بالمرابطة إلى مستوى العبادة الكبرى، وتكشف عن نظرة الإمام العميقة لدور الجيش وأهمية حماية الثغور من منطلق شرعي وأخلاقي.
والى جانب هذا، قام(ع) بإعداد ثلة من أصحابه ليكونوا مصدر إشعاع إيماني وفكري في المجتمع كالقراء الذين رباهم على تعليم القران ومعرفة اسراره واحكامه ومناهجه التي كانت غائبة عن اذهان الجميع وتربيته لتلامذته الذين انتشروا في ذلك العصر كابي حمزة الثمالي وابو خالد الكابلي والزهري وغيرهم.
اما نشاطه السياسي فقد تمثل ببكائه على ابيه الحسين (ع) مظهرا به احتجاجه على الظالمين بما ارتكبوه من قتل ابيه الحسين (ع) والثلة الطيبة من اهل بيته في يوم كربلاء.
مضافا إلى هذا، فقد رسم (ع) للمجتمع في صحيفته السجادية صورة الانسان المسلم الملتزم باحكام الاسلام عكس ما كان يقوم به بنو امية وبنو مروان من الابتعاد عن النهج الاسلامي وقيمه الاخلاقية فاشاعوا الفساد والتحلل في البلدين المقدسين مكة والمدينة، فكانتا مسرحا للتجاهر بشرب الخمر والفواحش مما افسد شباب ذلك العصر فواجه الامام السجاد (ع) هذا التيار الفاسد بمنهجه العبادي ليعرّف المجتمع بان هذا هو الطريق الى الله والذي سار عليه نبي الاسلام (ص) والمسلمون الأوائل لا ما يفعله الحاكمون انذلك.
وهكذا عاش إمامنا حياة حافلة بالجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته متحملا أعباء الإمامة ومسؤولياتها الجسيمة إلى أن قضى شهيدا بالسم في مثل هذه الأيام فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا.
نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لانتهاج نهجه ويجعلنا من شيعته الخلص الطالبين بثار أبيه الحسين (ع) مع الإمام المنتظر المهدي (عج) أرواحنا فداه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.