مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين

ممثل المرجعية العليا في اوربا يبين:
كيفية استقبال شهر رمضان في اخر جمعة من شعبان

ربما يتساءل بعض المؤمنين وقد اقتربنا من اخر جمعة من شهر شعبان المعظم عما ينبغي أن يفعله المؤمن وهو على أعتاب شهر رمضان المبارك؟
تتلخص الإجابة عن ذلك فيما رواه ابو الصلت الهروي حينما قال: دخلت على الامام الرّضا (ع) في آخر جمعة من شعبان فقال لي: (يا أبا الصّلت انّ شعبان قد مضى اكثره وهذا آخر جمعة فيه فتدارك فيما بقى تقصيرك فيما مضى منه وعليك بالاقبال على ما يعنيك، واكثر من الدّعاء والاستغفار وتلاوة القرآن وتب الى الله من ذنوبك ليقبل شهر رمضان اليك وأنت مخلص لله عزّوجل، ولا تدعنّ امانة في عنقك الّا أدّيتها ولا في قلبك حقداً على مؤمن الّا نزعته، ولا ذنباً انت مرتكبه إلاّ أقلعت عنه، واتقّ الله وتوكّل عليه في سرائرك وعلانيتك (وَمَنْ يَتَوكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ اِنَّ اللهَ بالِغُ اَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَىء قَدْراً) واكثر من أن تقول في ما بقى من هذا الشّهر : اَللّـهُمَّ اِنْ لَمْ تَكُنْ غَفَرْتَ لَنا فيما مَضى مِنْ شَعْبانَ فَاغْفِرْ لَنا فيما بَقِيَ مِنْهُ، فانّ الله تبارك وتعالى يعتق في هذا الشّهر رقاباً من النّار لحرمة هذا الشّهر).
وبعد الاطلاع على مضمون الحديث المبارك، نتساءل: هل ان المسلمين اليوم يستقبلون هذا الشهر الكريم بمثل ما رسمه الامام الرضا (ع) في حديثه ام لهم منهج اخر يتعايشون فيه مع شهر رمضان؟ وبعد الاستقراء من وضع بعض الصائمين نلحظ الأمور التالية:

1. بعض الناس يستقبل شهر رمضان بأكداس الطعام والشراب وبمختلف الوانه واشكاله حتى عبّر عنه البعض بشهر الطعام. وتبلغ الحالة من الاسراف والتبذير ما يرمى الكثير منه في سلة المهملات في حين ان هناك من الفقراء والمعوزين هم احوج الى ما يكونون الى مثل هذا الطعام خصوصا وان الله عز وجل قد حذرنا بقوله ((وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين))، الى جانب هذا نرى بعض الصائمين لا يفرغ من افطاره المتنوع بالوان الطعام حتى يفكر بما سوف يتناوله عند السحور من الاطباق الشهية الأخرى وما سيتناوله بينهما من مقبلات.
وهذا الأسلوب يتنافى مع المنهج الذي رسمه الامام الرضا (ع) وما بينه الامام الصادق (ع) من بعض علة تشريع الصوم عندما سأله هشام بن الحكم عن علة الصيام، فقال (العلة في الصيام ليستوي به الفقير والغنى وذلك لان الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير لان الغني كلما أراد شيئا قدر عليه فأراد الله أن يسوى بين خلقه وأن يذيق الغني مس الجوع والا لم ليرق على الضعيف ويرحم الجائع). هذا هو اللون الأول.

2. ونرى البعض الاخر يستغله بالنوم بحجة قوله (ص) (ونومكم فيه عبادة)، ولعل المراد من تعبير رسول الله (ص) بان النوم عبادة لبيان افضلية أوقات الشهر الكريم لا أن يتخذه الصائم ذريعة لكثرة النوم، فان النوم الزائد عن الحاجة من 6 او 8 ساعات منهي عنه في جملة من الاحاديث. فعن رسول الله (ص) انه قال (إياكم وكثرة النوم، فان كثرة النوم يدع صاحبه فقيرا يوم القيامة) وقال الامام الصادق (ع) (إن الله يبغض كثرة النوم) وقال (إن الله يبغض كثرة النوم، وكثرة الفراغ، وقال أيضا: كثرة النوم مذهبة للدين والدنيا). فشهر رمضان شهر النشاط والعبادة والإقبال على الله تعالى،
حتى ورد في بعض الادعية الشريفة المختصة بالشهر (اللهم صل على محمد وآله، وارزقنا في شهرنا هذا الجد والاجتهاد والقوة والنشاط وما تحب وترضى ...).
الى جانب هذا نلحظ ما يذكره لنا التاريخ من ان بعض الاحداث المفصلية في بدئ الدعوة قد وقعت في شهر رمضان، مما يدل على ان الشهر الكريم هو شهر العمل والجد والاجتهاد، لا شهر النوم.
الى جانب هذا نرى كثافة الادعية الواردة في شهر رمضان النهارية والليلية مما لا نجدها في شهر اخر.

3. وبعضهم يسهر في ليالي شهر رمضان على المسلسلات الترفيهية التي قد تصاحبها بعض المحرمات التي تنافي قدسية هذا الشهر الكريم الذي خصصه الله للعبادة والطاعة .
فعلينا أيها المؤمنون ان نستقبل شهر رمضان بالعزم على تزكية انفسنا وتربيتها وترويضها على الطاعة والابتعاد عن المعصية، ففي الحديث عن الامام الصادق (ع) (إذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب، وغضّوا أبصاركم ولا تنازعوا ولا تحاسدوا ولا تغتابوا ولا تماروا ولا تكذبوا ولا تباشروا ولا تخالفوا ولا تغضبوا ولا تسابّوا ولا تشاتموا ولا تنابزوا ولا تجادلوا ولا تباذوا ولا تظلموا ولا تسافهوا ولا تزاجروا ولا تغفلوا عن ذكر الله ..).
فوظيفة المؤمن في هذا الشهر احياؤه بالوان من العبادة كالصلاة وتلاوة القران والاستغفار والتسبيح وقراءة الادعية الواردة في أيام الشهر ولياليه كدعاء السحر ودعاء ابي حمزة ودعاء الافتتاح وغيرها من الادعية ، فان قراءتها بوعي وتأمل تحيي القلوب فحصنوا أنفسكم بما ورد عن ائمتكم الطاهرين (ع) في هذا الشهر الكريم وارشدوا ابنائكم واخوانكم ومن لهم حق عليكم بهذه الكنوز التي ادخرها الله لكم في هذا الشهر المبارك. مضافا الى هذا تفقد الفقراء والمحتاجين والارامل واليتامى وإزالة البغضاء والشحناء من قلوبنا تجاه الاخرين، عسى ان يتقبل الله تعالى صومنا ويستجيب دعاءنا.

يا رَبِّ ، اِنَّ لَنا فيكَ اَمَلاً طَويلاً كَثيراً ، اِنَّ لَنا فيكَ رَجاءً عَظيماً ، عَصَيْناكَ وَ نَحْنُ نَرْجُو اَنْ تَسْتُرَ عَلَيْنا ، وَ دَعَوْناكَ وَ نَحْنُ نَرْجُو اَنْ تَسْتَجيبَ لَنا ، فَحَقِّقْ رَجاءَنا مَوْلانا ، فَقَدْ عَلِمْنا ما نَسْتَوْجِبُ بِاَعْمالِنا ، وَ لكِنْ عِلْمُكَ فينا وَ عِلْمُنا بِاَنَّكَ لا تَصْرِفُنا عَنْكَ حثَّنا عَلى الرَّغْبَةِ اِلَيْكَ وَ اِنْ كُنّا غَيْرَ مُسْتَوْجِبينَ لِرَحْمَتِكَ ، فَاَنْتَ اَهْلٌ اَنْ تَجُودَ عَلَيْنا وَ عَلَى الْمُذْنِبينَ بِفَضْلِ سَعَتِكَ ، فَامْنُنْ عَلَيْنا بِما اَنْتَ اَهْلُهُ ، وَ جُدْ عَلَيْنا فَاِنّا مُحْتاجُونَ اِلى نَيْلِكَ. يا غَفّارُ بِنُورِكَ اهْتَدَيْنا ، وَ بِفَضْلِكَ اسْتَغْنَيْنا ، وَ بِنِعْمَتِكَ اَصْبَحْنا وَ اَمْسَيْنا.

نسأل المولى سبحانه وتعالى ان لا يحرمنا من عطاياه ومواهبه في هذا الشهر الكريم انه سميع مجيب.