مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين

ممثل المرجعية العليا في اوربا يقول في الذكرى الواحدة والثلاثين لوفاة الامام الخوئي (قده):
ينبغي للمجامع الدينية والحوزات العلمية إقامة مؤتمرات تخصصية ودراسات اكاديمية عن تراث السيد الخوئي

جاء حديثه هذا بمناسبة الذكرى السنوية لوفاة الفقيد الراحل الامام السيد ابي القاسم الخوئي (قده)، وتزامنت مع يوم شهادة الامام الحسن السبط (ع) ، والذي تعقده مؤسسته الرائدة في لندن سنويا، وشارك في هذا الاجتماع ثلة من العلماء والادباء والمثقفين بحضور جمع غفير من الجاليات الإسلامية، واليكم نص كلمة السيد الكشميري في هذه المناسبة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين
ايها الحفل الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فإنّه تمر علينا الذكرى الحادية والثلاثون لوفاة الفقيد الراحل المرجع الأعلى زعيم الحوزة العلمية الإمام الخوئي تغمده الله بواسع رحمته، ويقام هذا الحفل المبارك إحياءً لذكره وأداءً لبعض حقوقه.
إنّ لفقيدنا الراحل جوانب متعددة للحديث بتعدد مزاياه وخصائصه وما زاول من أدوار متنوعة وحمل من عناوين متغايرة؛ فهناك البعد العلمي في حياته والمتمثل في عطائه العلمي الممتد لما زاد على خمسة عقود من التدريس وتربية المحصّلين والتأليف والتصنيف والاستنباط والاجتهاد في مختلف علوم الشريعة من العقائد والتفسير والحديث والرجال والفقه والأصول، وقد وصل في هذا المجال إلى قمّة ما يمكن إليه نوابغ البشر فحقاً كان (زعيم الحوزة العلمية) ولا نكاد اليوم نجد علماً من أعلام الشيعة وفقهائها إلّا وقد نهل من معينه مباشرة في التتلمذ على يديه أو من خلال التتلمذ على أحد تلاميذه أو بالأخذ من مؤلفاته ومصنفاته، ولا ينكر ذلك إلّا مكابر.
وهناك البعد الجهادي في حياته حيث كانت مرجعيته معاصرة لأشرس حكم طاغوتي ظالم غاشم حاول ليّ ذراع حصن الشيعة وعاصمتها وإخضاعها لإرادته الخبيثة الخائنة والقضاء على شموغ المذهب الشيعي ونزاهته واستقلاله وتسخير الفتيا الشيعية لمصالحه ومبادئه المنكرة وهدم صرح شامخ عتيد يناطح السحاب طهارة وأصالة ونقاوة منذ أربعة عشر قرناّ، فصمد فقيدنا بوجهه صمود الأسد، وتجلّد في مناحرته غاية التجلّد، فكان كالجبل الأشم صبراً واستقامة وتحملاً رغم كثرة الجراح و مرارة الألم وطول العناء وفجاعة الجرائم وشدة الأهوال ودناءَة الخصم ورذالة صنائعه وحقارة أساليبه وانعدام الأدب والشرف في تعامله؛ لقد تحمّل كل تلك الفترة العصيبة بصبر يوازي الجبال الراسيات متأسياً بجده أمير المؤمنين (ع) القائل " فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى" إنه صبر الأنبياء والأوصياء وحاملي الرسالات ومبلغي الشرائع وهداة البشر.
وهناك جانب الزهد في حياته وشظف العيش والكفاف والعفاف والرغبة عن زخارف الحياة وزبرجها ونعيمها ولذائذها وزهوها وترفها، فقد كان كما قال المولى أمير المؤمنين (ع)" ولو شئتُ لاهتديت إلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القزّ) فإنّ النبوغ الفكرى والذكاء العقلي الذي كان يتصف به كان يمكّنه من الخوض في العلوم الدنيوية التي تدرّ عليه الموارد الهائلة مما يجعله يحيى حياة الأثرياء المنعّمين، لكنه قال للدنيا كما قال لها جدّه أمير المؤمنين وسيد الوصيين (ع) " إليك عني، لقد طلقتك ثلاثاً لارجعة فيها فعمرك قصير وعيشك حقير" فاختار ترويج الدين والفقاهة وعلوم الشريعة بما منحه الله من تلك المواهب العليّة والجواهر السنيّة والإبداعات النظرية والتدقيقات العقلية والتحقيقات العلمية، والإلتفاتات الذكيّة.
كما لا يجب أن نغفل عن جانب رعايته مصالح الطائفة الحقة والحفاظ على كرامة وعزّة أبنائها ورعايتهم رعاية الأب لأبنائه وتفقده لأحوالهم والوقوف إلى جانبهم في المحن والكوارث حيثما وُجِدوا ومهما بعدت بهم الشقّة إن في شرق الأرض أو غربها فكانت عينه ساهرة على أيتامهم وفقرائهم ومنكوبيهم في الكوارث الطبيعية وانعكس ذلك في توجيهاته بإنشاء مراكز عديدة في مختلف أقطار الأرض تهتم بالشؤون المعيشية لهم، كما اهتم بالجانب التربوي والثقافي عبر إنشاء مراكز دينية ثقافية في مختلف الأقطار أوعز إلى وكلائه ومعتمديه في الآفاق لتأسيسها وتفعيلها وتنشيط ما كان قائماً سلفاً منها.
ولا يسعنا الوقت القصير المحدود هنا لجرد تلك المراكز وذكر أماكن تواجدها في العالم.
وهناك جوانب أخرى في حياة هذا الفقيد العظيم لا يتيسر التعرض لها بمحاضرة أو محاضرتين بل هي مما تستدعي كتابة موسوعة عن حياته أو عقد مؤتمر مطوّل مفتوح المدة لاستيعابها.
لذا نترك الحديث عن الجوانب العلمية والجهادية والسيرة الذاتية إلى مجال آخر وإلى مؤتمرات تخصصية ودراسات أكاديمية، ولنقتصر على جانب يهمنا ويمس وضعنا الفعلي ووظيفتنا الشرعية.
ألا وهو جانب المرجعية العليا التي تسنّمها الفقيد الراحل مدة تجاوزت عقداً من الزمن، فهذا الجانب يجب الوقوف عنده كونه أصبح من ركائز المذهب الشيعي وميزاته التي يختص بها، وضرورة فهم حقيقته وخطورته، فلقد أدرك الخصم أهميته وعرف قوة المذهب به من حيث التفاف المؤمنين حوله وتمسكهم به، عندما صدرت فتاوى عديدة من المراجع العظام في العصور المتأخرة حتى عصرنا الحاضر كان لها التأثير العميق والكبير على إفشال مخططات الأعداء للسيطرة على هذه الأمّة وأرضها وثرواتها واستعبادها وتدميرها، فكانت الفتوى هي الدرع الحصين والسيف الصارم الذي قصم ظهر العدو وشتت شمله وأباد جمعه ومحى أثره كفتوى الميرزا الشيرازي الكبير في تحريم التنباك، وفتوى الميرزا محمد تقي الشيرازي بالجهاد في ثورة العشرين، وفتوى الإمام الحكيم في تكفير الشيوعيين وفتوى الدفاع المقدس للإمام السيستاني التي أنقذت العراق وأفشلت مخططات الدول المعادية للعراق وأذهبت بمخططاتهم أدراج الرياح وأصبحوا في حيرة من أين اُتُوا وقُضِموا وهم لا يشعرون، فلمّا وعى الأعداء أهمية هذا الركن الركين للطائفة الحقّه راحوا يخططون لمحاربته عبر أجندة داخلية تظهر عبر إثارة التشكيكات بهذا المقام تارة وعبر أ
ساليب أخرى أحياناً كدعاوى المهدوية أو الارتباط المباشر بالإمام المهدي (ع) والنيابة الخاصة عنه وحمل رسائل محددة منه إلى المؤمنين، وهنا تظهر ضرورة طرح هذه المسألة ومساسها بحياتنا الفعلية ووظيفتنا الشرعية، وهي التصدي لدفع تلك الأباطيل والشبهات فمن كاتب يكتب مقالاً ينفي فيه اتصاف المرجع الأعلى بصفة نائب الإمام، وآخر يطرحه في محاضرة على المنابر، محاولين الاستناد الى نفي الأدلة الشرعية التي تثبت هذا العنوان له، وهم يجهلون أو يتجاهلون ويتغافلون عن أنّه حقيقة واقعة فمن العبث ان يبحث فيها نظرياً، فالشيعة الإمامية يؤمنون ويعتقدون بالإمامة التي هي عهد الله تعالى ولا تكون إلا بجعل منه فقد قال تعالى لنبيه إبراهيم ( إني جاعلك للناس إماما) كما جعلها الله تعالى لعدد محدد من الأنبياء إذ قال ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا) وجعلها ايضاً عبر تبليغ النبي (ص) لأوصيائه، هي لامحالة موجودة في زمان الغيبة لولي الأمر وصاحب العصر والزمان (ع) وهو يمارس هذا الدور ويؤدي مهمة الهداية عبر الذين نصّبهم بالنصب العام للمرجعية فهم مراجع الدين على مرّ العصور التي تلت زمان الغيبة الكبرى، فمرجعيتهم للمؤمنين أمر واقع وحقيقة واقعة منذ قرابة ألف عام وقرنين، والشيعة ملتفون حولهم، وهم محور المذهب وأتباعه، فهؤلاء المشككون ينفخون في رماد، حالهم حال من هاجم أصل فكرة التقليد في الأحكام الشرعية الفرعية والمسائل الفقهية، لأنهم لم يأتوا ببديل يقوم المؤمن باعتماده ليعرف ما عليه من الحلال والحرام وأحكام الصلاة والصيام وحج بيت الله الحرام وزكاة الغلات والنقدين والأنعام، إلى غيرها من العبادات والمعاملات وشعائر الإسلام، فإنّ من البديهي الواضح الجلي أنّ المؤمن مكلّف بما أمره الله تعالى به والانتهاء عمّا نهاه عنه، ولكن ليست له قدرة المعرفة التفصيلية بأحكام تلك التكاليف وكيفياتها من شروط وأجزاء وموانع، فإنّها مهمة بالغة المشقّة على المختصين فيها فما بالك بغير المختص، فهاهم الفقهاء يبذلون العقود من أعمارهم في الدرس والتدريس والتحقيق والتمحيص والتتبع والنقاشات والاشتغال المتواصل كي يبلغوا مرتبة القدرة على استنباط تلك التفاصيل فأنى لغيرهم أن يقوم بذلك.
فالفقهاء في واقع الأمر يقومون بدور التضحية بعمرهم وراحتهم وكل لذائذ الحياة ومتعها ليؤدوا دور الهداية للمؤمنين ويوضحوا لهم طريق الطاعة لرب العالمين.
فعلينا أن نعي هذا الدور الذي يقومون به ونقدّر الجهود التي يبذلونها للسير بنا في طريق الهدى ومرضاة الله تعالى وأن نتمسك بهذا الأصل الذي حفظ لنا المذهب وقوّته ونقاءٌه من كل شائبة.
لذا نهيب بإخواننا المؤمنين بالتفطن لهذه الحملات الشرسة التي يشنها الأعداء لفكّ الارتباط بينها وبين المرجعية العليا أو اضعافه، فإنّ المرجعية العليا هي عمد الوسط لخيمة المذهب الجعفري، وهي مصدر قوته وعزته وشموخه، وهي درعه الحصين والسدّ المنيع أمام تصدعه وتشرذم المنتمين إليه وضياعهم وغرقهم في الاختلافات والانشقاقات ومن ثمّ سيطرة الأعداء عليهم فكرياً وثقافياً واقتصادياً وعسكرياً وسياسية، فالله الله في حماية مذهبكم وحفظ هويتكم الولائية لآل بيت رسول الله (ص) عبر التمسك بالمرجعية العليا التي تجسد هذا المذهب وتحفظ تراثه وأصالته واستمراريته بعناية ولي الله الأعظم صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه وجعلنا من أنصاره والذابين بين يدية، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلّم تسليماً كثيراً.