مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين

ممثل المرجعية العليا في اوربا يعزي العالم الإسلامي بشهادة خامس أئمة المسلمين الامام محمد بن علي الباقر (ع) وسفير الحسين مسلم بن عقيل (رض) ويقول:
لقد كان الامام الباقر (ع) جامعا للكمالات الإنسانية في سيرته وسلوكه، فكان اهلا للامامة الكبرى بعد ابيه الامام زين العابدين (ع)

جاء حديثه هذا في مركز العصر التعليمي في لندن قائلا:

يصادف يوم الخميس السابع من شهر ذي الحجة الحرام شهادة الامام الباقر (ع) التي كانت سنة 114هـ، والذي قضى (ع) فيها مسموما على يد هشام بن عبد الملك بسرج وضع فيه السم فلما نزل منه الامام احس به فنفذ الى بدنه وبقي أياما يعاني فيها الام السم والمرض حتى قضى نحبه مسموما، ودفن في البقيع الى جانب ابيه زين العابدين (ع) وعمه المجتبى (ع)، بعد ان عمر 57 سنة ، عاش منها مع جده الحسين (ع) أربعة سنوات وحضر واقعة كربلاء وحمل مع السبايا الى الشام، وعاش مع ابيه زين العابدين (ع) بعد جده خمسة وثلاثين سنة، وعاش بعد ابيه مدة امامته عشرون سنة.
و كان الامام الباقر (ع) مرجع العلماء ومعلمهم جميعا في عصره، امثال مالك بن انس وابي حنيفة وسفيان الثوري والزهري وابن عتيبة وغيره. وروى الشيخ المفيد بسنده عن عبد الله بن عطاء انه قال:(ما رأيت العلماء بين يدي احد اصغر منهم بين يدي ابي جعفر محمد الباقر (ع)، ورأيت الحكم بن عتيبة مع جلالة قدره وغزارة علمه وارتفاع مقامه بين الناس بين يدي محمد بن علي الباقر (ع) كأنه صبي بين يدي معلمه!).
وعن محمد بن مسلم رحمه الله وهو من اعيان تلامذة الامام انه قال :(ما اشكل علي امر الا وسألت عنه ابا جعفر الباقر (ع) حتى سألته عن ثلاثين الف مسألة) وخلاصة القول ان الامام الباقر هو باب علم جديه محمد (ص) وامير المؤمنين (ع)، ومثله مثل كل الأئمة الاثنا عشر عليهم السلام، ولو سمحت لهم الظروف السياسية والاجتماعية لأضاؤوا العالم بأسره بأنواع العلوم والمعارف النافعة، ولما بقي في دنيا البشر اثر من ظلمات الجهل والضلال، ولكن رغم تلك الظروف القاسية والارهاب والمراقبة التي كان يعيش الامام تحت كابوسها الخانق فلقد استطاع ان يفتح ثغرة واسعة في سياج الجهل والخداع والتمويه الذي ضربته السلطات الاموية على الناس وذلك بأن جعل من بيته مدرسة للتوجيه والتثقيف والتعليم والتوعية، فاجتمع حوله جمع غفير من بقايا الصحابة والتابعين وطلاب الحديث والفقهاء، وكان يعقد مجالس للحوار والمناظرة مع علماء المذاهب الاسلامية واهل الكتاب والخوارج ومع الفلاسفة والدهريين والملحدين وغيرهم فيظهر عليهم بحججه البالغة ومنطقه السليم وبيانه المستقيم.
هذه إشارة خاطفة عن حياته العلمية.

واما الجانب الأخلاقي من حياته (ع) فكان يحمل ابرز صفات الأنبياء والاوصياء منها الحلم، فقد أجمع المؤرخون على أنه لم يسيء الى من ظلمه واعتدى عليه، وانما كان يقابله بالبر والمعروف، ويعامله بالصفح والاحسان، وقد رووا صوراً كثيرة عن عظيم حلمه، كان منها:

إن رجلاً كتابياً هاجمه قائلا: أنت بقر! فلطف به الإمام، وقابله ببسمات طافحة بالمروءة قائلاً: (لا أنا باقر). وراح الرجل الكتابي يهاجم الإمام قائلاً: أنت ابن الطبّاخة! فتبسّم الإمام، ولم يثره هذا الاعتداء بل قال له: ذاك حرفتها. ولم ينته الكتابي عن غيّه، وإنما راح يهاجم الإمام قائلاً: أنت ابن السوداء الزنجية! ولم يغضب الإمام (ع)، وإنما قابله باللطف قائل: إن كنت صدقت غفر الله لها، وإن كنت كذبت غفر الله لك. وبهت الكتابي، وانبهر من أخلاق الإمام (ع) التي ضارعت أخلاق الأنبياء. فأعلن إسلامه واختار طريق الحق.
وثمة صورة أخرى من الصور الرائعة المدهشة من حلمه، أن شامياً كان يختلف إلى مجلسه، ويستمع إلى محاضراته، وقد أعجب بها، فأقبل يشتدّ نحو الإمام وقال له: يا محمّد إنما أغشى مجلسك لا حبّاً مني إليك، ولا أقول: إن أحداً أبغض إليَّ منكم أهل البيت، واعلم أن طاعة الله، وطاعة أمير المؤمنين في بغضكم، ولكني أراك رجلاً فصيحاً لك أدب وحسن لفظ، فإنّما اختلف إليك لحسن أدبك !! ونظر إليه الإمام (ع) بعطف وحنان، وأخذ يغدق عليه ببرّه ومعروفه حتى تنبّه الرجل وتبين له الحق، وانتقل من البغض الى الولاء للإمام (ع)، وظلّ ملازماً له حتى حضرته الوفاة فأوصى أن يصلي عليه.
وبهذه الاخلاق الرفيعة والأسلوب الرائع حاكى الإمام الباقر(ع) جدّه الرسول (ص) الذي استطاع بسموّ أخلاقه أن يؤلّف بين القلوب، ويوحّد بين المشاعر والعواطف ويجمع الناس على كلمة التوحيد بعد ما كانوا فرقاً وأحزاباً.
فاين المسلمون اليوم من هذه الاخلاق السامية التي ساد بها نبي الإسلام (ص) العالم فاخرجهم من الظلمات الى النور ، الا ينبغي لنا ان نتأسى بالنبي (ص) واخلاقه وسلوكه!

وحيث المقام لا يسع الاطالة، فبأمكان القارئ الكريم ان يرجع الى المراجع الإسلامية العامة والخاصة للاطلاع على سيرة هذا الامام العظيم .

اما فيما يتعلق بسفير الامام الحسين (ع) فيكفينا في حقه ما قاله النبي (ص) لأمير المؤمنين (ع) عندما سأله (أتحب عقيلاً) (قال (ص): إي والله، إني لأحبه حبين: حبا له، وحبا لحب أبي طالب له، وإن ولده لمقتول في محبة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلي عليه الملائكة المقربون، ثم بكى رسول الله (ص) حتى جرت دموعه على صدره، ثم قال: إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي).
من هذا التقويم النبوي نستطيع ان نقول ان شخصية مسلم بن عقيل تنفرد عن شخصيات بقية أنصار الامام الحسين (ع) بمؤهل الجهاد المبكر والتصدي السابق للمعركة، فيعتبر المجاهد السبّاق، وأوّل مَن أدرك الفتح في النهضة المباركة. كان شخصية مُطيعة لمولاها الامام الحسين (ع) فبما يتمتع به من صفات القيادة والرئاسة وبما يمتلكه من حنكة عسكرية فذّة.
كان مسلم ابن عقيل من أشجع المقاتلين دفاعاً عن أهل البيت (ع) كما أنّه كان عالماً فقيهاً بالاسلام وعلومه. حيث رعاه عمه الامام عليّ (ع) بعد وفاة أبيه عقيل الذي ترعرع ونشأ في حجره. انّ شخصية مسلم بن عقيل في ميزان علم الادارة، شخصية بطلة وغيورة ومتفانية ومؤمنة ومحبّة لله ورسوله (ص) ولأهل البيت (ع) فهو الناطق الرسمي بصوت الحسين (ع) والممثل الحقيقي له والداعي الى طاعته، فهو قائد عندما كان معه أنصاره ومؤيدوه، ولم يزل قائد حتى عندما بقي لوحده ليس معه أحد، فهذا الامام الحسين (ع) يقول في حقّه (...وانّي باعث اليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي).
وهو القائل:
أقسمت لا اقتل إلا حرا         وإن رأيت الموت شيئا نكرا
ويخلط البارد سخنا مرا         رد شعاع الشمس فاستقرا
كل امرئ يوما ملاق شرا         أخاف أن أكذب أو أغرا


ولما يمتلكه مسلم بن عقيل (ع) أعطاه الامام الحسين (ع) صلاحيات واسعة للتصدي والقيادة وتعريفه بمجريات الأمور. تمتعت شخصية مسلم بن عقيل (ع) بمزايا استثنائية لم تكن موجودة في غيره من القادة الآخرين، فهو رجل صاحب فطنة وذكاء تتوافر السمات القيادية في شخصه الكريم، وله ثقة مطلقة بنفسه وبذاته وقدرة كبيرة على مواجهة المشكلات التي تعترضه مع دعم الاستسلام والخنوع لها والتهرب منها.

انّ الشخصية الفريدة لمسلم بن عقيل (ع) لها أهمية اجتماعية وتاريخية ودينية وعقائدية لتمتعه بصفات فريدة من نوعها وامتلاكه العديد من الفضائل الأخلاقية الانسانية التي جعلت منه أن يكون سفيراً ممثلاً عن امامه وأخيه وابن عمه الامام الحسين (ع).

فسلام الله عليك بابن عم الحسين (ع) ويا سفيره، يوم ولدت ويوم عشت ويوم استشهد ويوم تزف مع قوافل الشهداء الى الجنان.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، بَاقِرِ الْعِلْمِ وَ إِمَامِ الْهُدَى، وَ قَائِدِ أَهْلِ التَّقْوَى، وَ الْمُنْتَجَبِ مِنْ عِبَادِكَ، اللَّهُمَّ وَ كَمَا جَعَلْتَهُ عَلَماً لِعِبَادِكَ ، وَ مَنَاراً لِبِلَادِكَ ، وَ مُسْتَوْدَعاً لِحِكْمَتِكَ، وَ مُتَرْجِماً لِوَحْيِكَ، وَ أَمَرْتَ بِطَاعَتِهِ، وَ حَذَّرْتَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، فَصَلِّ عَلَيْهِ يَا رَبِّ، أَفْضَلَ مَا صَلَّيْتَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَنْبِيَائِكَ وَ أَصْفِيَائِكَ، وَ رُسُلِكَ وَ أُمَنَائِكَ، يَا إِلَهَ الْعَالَمِينَ.