العُروَةُ الوُثقى

فصل في طرق ثبوت هلال رمضان وشوال للصوم والإفطار

وهي أمور :
الأول : رؤية المكلف نفسه.
الثاني : التواتر.
الثالث : الشياع المفيد للعلم ، وفي حكمه كل ما يفيد العلم ولو بمعاونة القرائن ، فمن حصل له العلم (205) بأحد الوجوه المذكورة وجب عليه العمل به وإن لم يوافقه أحد ، بل وإن شهد وردّ الحاكم شهادته.
الرابع : مضي ثلاثين يوما من هلال شعبان أو ثلاثين يوما من هلال رمضان ، فإنه يجب الصوم معه في الأول والإفطار في الثاني.
الخامس : البينة الشرعية (206) ، وهي خبر عدلين سواء شهدا عند الحاكم وقبل شهادتهما أو لم يشهدا عنده أو شهدا وردّ شهادتهما ، فكل من شهد عنده عدلان عنده يجوز بل يجب عليه ترتيب الأثر من الصوم أو الإفطار ، ولا فرق بين أن تكون البينة من البلد أو من خارجه ، وبين وجود العلة في السماء وعدمها ، نعم يشترط توافقهما في الأوصاف فلو اختلفا فيها لا اعتبار بها (207) ، نعم لو أطلقا أو وصف أحدهما وأطلق الآخر كفى ، ولا يعتبر اتحادهما في زمان الرؤية مع توافقهما على الرؤية في الليل ، ولا يثبت بشهادة النساء ، ولا بعدل واحد ولو مع ضم اليمين.
السادس : حكم الحاكم (208) الذي لم يعلم خطأوه ولا خطأ مستنده كما إذا استند إلى الشياع الظني.
ولا يثبت بقول المنجمين ولا بغيبوبة الشفق في الليلة الأخرى (209) ولا برؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال (210) فلا يحكم بكون ذلك اليوم أول الشهر ، ولا بغير ذلك مما يفيد الظن ولو كان قويا إلا للأسير والمحبوس (211) .

[ 2512 ] مسألة 1 : لا يثبت بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية ، بل شهدا شهادة علمية.

[ 2513 ] مسألة 2 : إذا لم يثبت الهلال وترك الصوم ثم شهد عدلان برؤيته يجب قضاء ذلك اليوم ، وكذا إذا قامت البينة على هلال شوال ليلة التاسع والعشرين من هلال رمضان أو رآه في تلك الليلة بنفسه.

[ 2514 ] مسألة 3 : لا يختص اعتبار حكم الحاكم بمقلديه ، بل هو نافذ بالنسبة إلى الحاكم الآخر أيضا إذا لم يثبت عنده خلافه.

[ 2515 ] مسألة 4 : إذا ثبت رؤيته في بلد آخر ولم يثبت في بلده فإن كانا متقاربين كفى ، وإلا فلا إلا إذا علم توافق أفقهما (212) وإن كانا متباعدين.

[ 2516 ] مسألة 5 : لا يجوز الاعتماد على البريد البرقي ـ المسمى بالتلگراف ـ في الإخبار عن الرؤية إلا إذا حصل منه العلم بأن كان البلدان متقاربين وتحقق حكم الحاكم أو شهادة العدلين برؤيته هناك.

[ 2517 ] مسألة 6 : في يوم الشك في أنه من رمضان أو شوال يجب أن يصوم ، وفي يوم الشك في أنه من شعبان أو رمضان يجوز الإفطار ويجوز أن يصوم لكن لا بقصد أنه من رمضان كما مر سابقا تفصيل الكلام فيه ، ولو تبين في الصورة الأولى كونه من شوال وجب الإفطار سواء كان قبل الزوال أو بعده ، ولو تبين في الصورة الثانية كونه من رمضان وجب الإمساك (213) وكان صحيحا إذا لم يفطر ونوى قبل الزوال ، ويجب قضاؤه إذا كان بعد الزوال (214) .

[ 1218 ] مسألة 7 : لو غمت الشهور ولم ير الهلال في جملة منها أو في تمامها حسب كل شهر ثلاثين ما لم يعلم النقصان عادة.

[ 2519 ] مسألة 8 : الأسير والمحبوس إذا لم يتمكنا من تحصيل العلم بالشهر عملا بالظن (215) ، ومع عدمه تخيرا في كل سنة بين الشهور فيعينان شهرا له ، ويجب مراعاة المطابقة بين الشهرين في سنتين بأن يكون بينهما أحد عشر شهرا ، ولو بان بعد ذلك أن ما ظنه أو اختاره لم يكن رمضان فإن تبين سبقه كفاه لأنه حينئذ يكون ما أتى به قضاء ، وإن تبين لحوقه وقد مضى قضاه ، وإن لم يمض أتى به ، ويجوز له (216) في صورة عدم حصول الظن أن لا يصوم حتى يتيقن أنه كان سابقا فيأتي به قضاء ، والأحوط (217) إجراء أحكام شهر رمضان على ما ظنه من الكفارة والمتابعة والفطرة وصلاة العيد وحرمة صومه ما دام الاشتباه باقيا ، وإن بان الخلاف عمل بمقتضاه.

[ 2520 ] مسألة 9 : إذا اشتبه شهر رمضان بين شهرين أو ثلاثة أشهر مثلا فالأحوط صوم الجميع ، وإن كان لا يبعد إجراء حكم الأسير والمحبوس وأما إن اشتبه الشهر المنذور صومه بين شهرين أو ثلاثة فالظاهر وجوب الاحتياط (218) ما لم يستلزم الحرج ، ومعه يعمل بالظن (219) ومع عدمه يتخير.

[ 2521 ] مسألة 10 : إذا فرض كون المكلف في المكان الذي نهاره ستة أشهر وليله ستة أشهر أو نهاره ثلاثة وليله ستة أو نحو ذلك فلا يبعد (220) كون المدار في صومه وصلاته على البلدان المتعارفة المتوسطة مخيرا بين أفراد المتوسط ، وأما احتمال سقوط تكليفهما عنه فبعيد ، كاحتمال سقوط الصوم وكون الواجب صلاة يوم واحد وليلة واحدة ، ويحتمل كون المدار بلده الذي كان متوطنا فيه سابقا إن كان له بلد سابق.


205. ( فمن حصل له العلم ) : أي بالرؤية في بلده أو فيما يلحقه حكما ـ كما سيأتي ـ وفي حكم العلم الاطمئنان الناشئ من المبادئ العقلائية.
206. ( البينة الشرعية ) : مع عدم العلم أو الاطمئنان باشتباهها وعدم وجود معارض لها ولو حكما كما إذا استهل جماعة كبيرة من أهل البلد فادعى الرؤية منهم عدلان فقط أو استهل جمع ولم يدع الرؤية إلا عدلان ولم يره الآخرون وفيهم عدلان يماثلانهما في معرفة مكان الهلال وحدة النظر مع فرض صفاء الجو وعدم وجود ما يحتمل أن يكون مانعا عن رؤيتهما ففي مثل ذلك لا عبرة بشهادة العدلين.
207. ( فلو اختلفا فيها لا اعتبار بها ) : إذا أدى ذلك إلى عدم شهادتهما على أمر واحد دون ما إذا كان الاختلاف راجعا إلى الجهات الخارجية ككونه مطوقا أو مرتفعا أو قلة ضوئه ونحو ذلك.
208. ( حكم الحاكم ) : كونه من طرق ثبوت الهلال محل إشكال بل منع نعم إذا أفاد حكمه أو الثبوت عنده الاطمئنان بالرؤية في البلد أو فيما بحكمه اعتمد عليه ، ومنه يظهر الحال في جملة من المسائل الآتية.
209. ( ولا بغيبوبة الشفق في الليلة الأخرى ) : في العبارة قصور فإنه يشير بها إلى ما في رواية ضعيفة : إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين.
210. ( ولا برؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال ) : ولا بتطوقه ليدل على إنه لليلة السابقة.
211. ( إلا للأسير والمحبوس ) : الأظهر أن حكمهما في ذلك حكم من غمت عليه الشهور.
212. ( إلا إذا علم توافق أفقهما ) : بمعنى كون الرؤية الفعلية في البلد الأول ملازما للرؤية في البلد الثاني لو لا المانع من سحاب أو غيم أو جبل أو نحو ذلك.
213. ( وجب الإمساك ) : إطلاقه لما إذا لم يحكم بصحة الصوم كما إذا أفطر قبل التبين مبني على الاحتياط.
214. ( ويجب قضاؤه إذا كان بعد الزوال ) : بل لا يترك الاحتياط فيه مع عدم الإفطار بالجمع بين الإمساك بقصد القربة المطلقة والقضاء بعد ذلك.
215. ( عملا بالظن ) : لا يترك الاحتياط لهما بالجد في التحري وتحصيل الاحتمال الأقوى حسب الإمكان ولا يبعد أن تكون القرعة ـ فيما إذا أوجبت قوة الاحتمال ـ من وسائل التحري في المرتبة المتأخرة عن غيرها ، ومع تساوي الاحتمالات يختار شهرا فيصومه ، ويجب عليه ـ على أي تقدير ـ أن يحفظ الشهر الذي يصومه ليتسنى له ـ من بعده ـ العلم بتطابقه مع شهر رمضان وعدمه.
216. ( ويجوز له ) : فيه تأمل بل منع.
217. ( والأحوط ) : بل هو الأقوى في المتابعة.
218. ( فالظاهر وجوب الاحتياط ) : بل هو الأحوط ، وقد مر منا جواز السفر في المنذور المعين اختيارا فله التهرب من الاحتياط بذلك.
219. ( ومعه يعمل بالظن ) : بل يحتاط بما يتيسر له ويسقط ما يستلزم الحرج وهو المتأخر زمانا ـ في الغالب ـ نعم إذا كان هو الأقوى احتمالا من غيره صامه وترك ما يوجب كون صومه حرجيا عليه وإن كان متقدما زمانا.
220. ( فلا يبعد ) : الأحوط له في الصلاة ملاحظة أقرب الأماكن التي لها ليل ونهار في كل أربع وعشرين ساعة فيصلي الخمس على حسب أوقاتها بنية القربة المطلقة ، وأما في الصوم فيجب عليه الانتقال إلى بلد يتمكن فيه من الصيام أما في شهر رمضان أو من بعده وإن لم يتمكن من ذلك فعليه الفدية. وإذا كان في بلد له في كل أربع وعشرين ساعة ليل ونهار ـ ولو كان نهاره ثلاث وعشرين ساعة وليله ساعة أو العكس ـ فحكم الصلاة يدور مدار الأوقات الخاصة فيه ، وأما صوم شهر رمضان فيجب عليه أداؤه مع التمكن منه ويسقط مع عدم التمكن ، فإن تمكن من قضائه وجب وإلا فعليه الفدية.