منهاج الصالحين

المبحث الاول الأذان والإقامة

وفيه فصول:

الفصل الاول موارد مشروعیّتهما وسقوطهما

يستحبّ الأذان والإقامة في الفرائض اليوميّة أداءً وقضاءً، حضراً وسفراً، في الصحّة والمرض، للجامع والمنفرد، رجلاً كان أو امرأة، ويتأكّدان في الأدائيّة منها، وفي خصوص المغرب والغداة، كما يتأكّدان للرجال وأشدّهما تأكيداً لهم الإقامة، بل الأحوط - استحباباً - لهم الإتيان بها، ولا يتأكّدان بالنسبة إلى النساء، ولا يشرع الأذان ولا الإقامة في النوافل، ولا في الفرائض غير اليوميّة.

مسألة 567: يسقط الأذان للصلاة الثانية من المشتركتين في الوقت إذا جمع بينهما وأذّن للأُولى، سواء أكان الجمع مستحبّاً - كما في الظهرين يوم عرفة في الوقت الاول ولو في غیر الموقف والعشاءين ليلة العيد بمزدلفة في الوقت الثاني - أم لم يكن الجمع مستحبّاً، وكذا إذا جمع بين قضاء الفوائت في مجلس واحد فإنّه يسقط الأذان ممّا عدا الأُولى، ولا يترك الاحتياط في الجميع بترك الأذان بداعي المشروعيّة، بل لا یترك الاحتیاط بعدم الإتیان به في الموردين الاولين مطلقاً ولو رجاءً مع عدم الفصل بصلاة أُخرى ولا سيّما النافلة.

مسألة 568: يسقط الأذان والإقامة جميعاً في موارد:

الاول : الداخل في الجماعة التي أذّنوا لها وأقاموا - وإن لم‏ يسمع - من غير فرق في ذلك بين أن تكون الجماعة منعقدة فعلاً أو في شرف الانعقاد، كما لا فرق في الصورة الثانية بين أن يكون الداخل هو الإمام أو المأموم.

الثاني : الداخل إلى المسجد قبل تفرّق الجماعة مع انتهائهم من الصلاة، فإنّه إذا أراد الصلاة منفرداً لم‏ يتأكّد له الأذان والإقامة - بل الأحوط الاولى أن لا يأتي بالأذان إلّا سرّاً - وأمّا إذا أراد إقامة جماعة أُخرى فيسقطان عنه على وجه العزيمة ويشترط في السقوط وحدة المكان عرفاً، فمع كون إحداهما في أرض المسجد، والأُخرى على سطحه يشكل السقوط.

ويشترط أيضاً أن تكون الجماعة السابقة بأذان وإقامة، فلو كانوا تاركين لهما لاجتزائهم بأذان جماعة سابقة عليها وإقامتها فلا سقوط، وأن تكون جماعتهم صحيحة فلو كان الإمام فاسقاً مع علم المأمومين به فلا يسقطان، ويعتبر كون الصلاتين أدائيّتين إلّا إذا كان الداخل منفرداً فإنّه يسقط عنه الأذان خاصّة ولو كانت صلاته قضائيّة، ويعتبر أيضاً اشتراكهما في الوقت بمعنى عدم تمايز الوقتين فلو كانت السابقة عصراً وأراد الداخل أن يصلّي المغرب فلا يسقطان، والظاهر جواز الإتيان بهما في جميع الصور برجاء المطلوبيّة، وكذلك إذا كان المكان غير المسجد.

الثالث : إذا سمع شخصاً آخر يؤذّن ويقيم للصلاة، بشرط أن لا يقع بين صلاته وبين ما سمعه فصل كثير، وأن يسمع تمام الفصول، ومع فرض النقصان يجوز له أن يتمّ ما نقصه القائل، ولا فرق فيما ذُكر بين أن يكون الآتي بهما إماماً أو مأموماً أو منفرداً، وكذا الحال في السامع إلّا أنّه لا يكتفي - على الأحوط لزوماً - بسماع الإمام وحده أو المأمومين وحدهم في الصلاة جماعة.

الفصل الثاني فصولهما

فصول الأذان ثمانية عشر : (الله أكبر ) أربع مرّات، ثُمَّ (أشهد أن لا إله إلّا الله) ، ثُمَّ (أشهد أنّ محمّداً رسول الله) ، ثُمَّ (حيّ على الصلاة) ، ثُمَّ (حيّ على الفلاح) ، ثُمَّ (حيّ على خير العمل) ، ثُمَّ (الله أكبر ) ، ثُمَّ (لا إله إلّا الله) ، كلّ فصل مرّتان، وكذلك الإقامة، إلّا أنّ فصولها أجمع مثنى مثنى، إلّا التهليل في آخرها فمرّة، ويزاد فيها بعد (الحيعلات) قبل التكبير (قد قامت الصلاة) مرّتين، فتكون فصولها سبعة عشر ، والشهادة لعليٍّ (علیه السلام) بالولاية وإمرة المؤمنين مكمّلة للشهادة بالرسالة ومستحبّة في نفسها وإن لم‏ تكن جزءاً من الأذان ولا الإقامة، وكذا الصلاة على محمَّد وآل محمَّد عند ذكر اسمه الشريف.

الفصل الثالث شروطهما

يشترط فيهما أُمور :

الاول : النيّة ابتداءً واستدامةً، ويعتبر فيها القربة والتعيين مع الاشتراك.

الثاني والثالث : العقل والإيمان، ولايشترط البلوغ في الأذان فيجتزأ بأذان الصبيّ المميّز، ولكن الأحوط لزوماً عدم الاجتزاء بإقامته.

الرابع : الذكورة للذكور، فلا يعتدّ بأذان النساء وإقامتهنّ لغيرهنّ حتّى المحارم على الأحوط وجوباً، نعم يجتزأ بهما لهنّ، فإذا أمَّت المرأة النساء فأذّنت وأقامت كفى.

الخامس : الترتيب بتقديم الأذان على الإقامة، وكذا بين فصول كلٍّ منهما، فإذا قدّم الإقامة أعادها بعد الأذان، وإذا خالف بين الفصول أعاد على نحو يحصل الترتيب، إلّا أن تفوت الموالاة فيعيد من الاول .

السادس : الموالاة بين فصول كلٍّ منهما، فلا يفصل بينهما على وجه تنمحي صورتهما، وكذا تعتبر الموالاة العرفيّة بين الإقامة والصلاة، وأمّا الموالاة بين الأذان والإقامة فالأمر فيها أوسع، إذ يستحبّ الفصل بينهما بصلاة ركعتين أو بسجدة أو بغير ذلك ممّا ذكر في المفصّلات.

السابع : العربيّة وترك اللحن.

الثامن : دخول الوقت فلا يصحّان قبله - إلّا فيما يحكم فيه بصحّة الصلاة إذا دخل الوقت على المصلّي في الأثناء - نعم يجوز تقديم الأذان قبل الفجر للإعلام، ولكن الأحوط استحباباً أن لا يؤتى به بداعي الورود بل لبعض الدواعي العقلائيّة كإيقاظ النائمين وتنبيه الغافلين، وعلى كلّ حال لا يجزئ عن أذان الفجر .

التاسع : الطهارة من الحدث في الإقامة من دون الأذان.

العاشر : القيام في الإقامة خاصّة.

الفصل الرابع آدابهما

يستحبّ في الأذان الطهارة من الحدث والقيام والاستقبال، ويكره الكلام في أثنائه، وكذلك الإقامة، وتشتدّ كراهة الكلام بعد قول المقيم: (قد قامت الصلاة) إلّا فيما يتعلّق بالصلاة، ويستحبّ فيهما التسكين في أواخر فصولهما مع التأنّي في الأذان والحدر في الإقامة، والإفصاح بالألف والهاء من لفظ الجلالة ووضع الإصبعين في الأذنين في الأذان، ومدّ الصوت فيه ورفعه إذا كان المؤذّن ذكراً، ويستحبّ رفع الصوت أيضاً في الإقامة، إلّا أنّه دون الأذان، وغير ذلك ممّا هو مذكور في المفصّلات.

الفصل الخامس حکم قطع الصلاة لترك الأذان والإقامة

من ترك الأذان والإقامة أو أحدهما عمداً حتّى أحرم للصلاة لم يجز له قطعها واستئنافها على الأحوط لزوماً، وإذا تركهما أو ترك الإقامة فقط عن نسيان يستحبّ له الاستئناف مطلقاً، ولكن يختلف مراتبه حسب اختلاف زمان التذكّر وكونه قبل الدخول في القراءة أو بعده، قبل الدخول في الركوع أو بعده ما لم ‏يفرغ من الصلاة فالاستئناف في كلِّ سابق أفضل من لاحقه.

إيقاظ وتذكير کلام في الخشوع حال الصلاة

قال الله تعالی: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّـذيٖنَ هُــــــمْ فيٖ صَلٰاتِهِـــمْ خٰاشِعُونَ﴾ وروي عن النبيّ والأئمّة (علیهم السلام) كما في أخبار كثيرة أنّه: (لا يحسب للعبد من صلاته إلّا ما يقبل عليه منها) ، وأنّه (لا يقدّمنّ أحدكم على الصلاة متكاسلاً ولا ناعساً ولا يفكّرن في نفسه، ويقبل بقلبه على ربّه، ولا يشغله بأمر الدنيا) ، (وأنّ الصلاة وفادة على الله تعالی) ، (وأنّ العبد قائم فيها بين يدي الله تعالی، فينبغي أن يكون قائماً مقام العبد الذليل الراغب الراهب الخائف الراجي المسكين المتضرّع) ، و(أن يصلّي صلاة مودّع يرى أن لا يعود إليها أبداً) ، وكان عليّ بن الحسين (علیهما السلام) إذا قام في الصلاة كأنّه ساق شجرة، لا يتحرّك منه إلّا ما حرّكت الريح منه، وكان أبو جعفر وأبو عبدالله (علیهما السلام) إذا قاما إلى الصلاة تغيّرت ألوانهما مرّة حمرة ومرّة صفرة، وكأنّهما يناجيان شيئاً يريانه، وينبغي أن يكون صادقاً في قوله: ﴿إِيّٰـاكَ نَعْبُـدُ وَإيّٰـاكَ نَسْـتَعيٖنَ﴾ فلا يكون عابداً لهواه، ولا مستعيناً بغير مولاه، وينبغي إذا أراد الصلاة أو غيرها من الطاعات أن يستغفرالله تعالی، ويندم على ما فرّط في جنب الله ليكون معدوداً في عداد المتّقين الذين قال الله تعالی في حقّهم ﴿إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقيٖنَ﴾.

وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليِّ العظيم.