وفاة محمد بن علي الهادي (ع)

أبو جعفر محمد بن علي الهادي، المعروف بالسيد محمد (وفي الاصطلاح المحليّ بسبع الدُجَيل)، أكبر أبناء الإمام الهادي. شخصية فذّه ترقّبتها الأنظار لخلافة أبيه؛ لسموّ شأنه وعظيم أخلاقه ومكانته عنده وعند أخيه الحسن العسكري. قدِم سامراء لزيارة أبيه إلا أن الأجل وافاه ودفن فيها.
شكّك البعض في سبب وفاة محمد، وأوعزوا باحتمال مقتله على يد العباسيين الذين أشخصوا رؤساء بني هاشم وساداتهم من البلدان وفرضوا عليهم الإقامة الجبرية في سامراء.
يقع مدفن السيد محمد في مدينة بلد على نحو 50 كم جنوب سامراء، ويقصده محبوا أهل البيت لاسيما شيعة العراق، وله مكانة خاصة في قلوبهم ويكنّون له فائق الاحترام وتشهد له الذاكرة الشعبية بكرامات. وتعرض مرقده إلى هجوم إرهابي سنة 2106 م.

الولادة والنسب
وُلِد السيد محمد في قرية صريا على مقربة من المدينة المنوّرة حوالي سنة 228 هـ، وهو على الأشهر الابن الأكبر للإمام الهادي. فيكون أكبر من أخيه الإمام الحسن العسكري.
أمّه حُدَيث، وهي أمّ الإمام الحسن العسكري.
بقي في صريا وهو ابن خمس سنين عندما استدعى المتوكل العباسي والده إلى سامراء في العراق.

أولاده
نُقِل عن كتاب بحر الأنساب أنّه كان لمحمّد تسعة أبناء دُفِنوا بخوي وسلماس في بلاد إيران وأعقب من ابنين له، هما: أحمد وعلي.

الأخلاق
كان للسيد محمد من الخلق السامي والأدب الرفيع ما ميّزه عن الباقين حتى ظنّ بعض الشيعة أنه سَيكون الإمام من بعد أبيه.
قال علاّن الكلاني عن وقاره ومعالي أخلاقه: صحبت أبا جعفر محمد بن علي ابن الرضا وهو حدث السن، فما رأيت أوقر ولا أزكى ولا أجلّ ‏منه... وكان ملازماً لأخيه أبي محمد لا يفارقه.

الوفاة
لما خرج الإمام الهادي من المدينة إلى سامرّاء ترك ابنه محمدا في المدينة المنوّرة وهو طفل. وفي سنة 252 قصد محمد الحجّ ثمّ التحق من مكة بأبيه ومكث عنده في سامراء مدّه، ثمّ مرض في رجوعه إلى المدينة في مدينة بلد على مقربة من سامراء وفارق بها الحياة في 28 أو29 من جمادى الآخرة سنة 252هـ وعمره يناهز العشرين.
ولا يُعلم سبب مرضه الشديد; فهل أنه كان قد سُقي سُمًّا من قبل أعدائه وحسّاده من العباسيين الذين حاصروا أباه الإمام في سامراء وهم يظنّون كغيرهم أنّ ابنه محمدا هو الإمام من بعده أم أنّ ما مُني به كان مرضاً مفاجئاً؟ ذكر البعض الاحتمال الأول.

إمامة الحسن العسكري
روى الكليني عن جماعة من بني هاشم منهم الحسن بن الحسين الأفطس أنهم حضروا يوم توفي محمد بن علي بن محمد دار أبي الحسن عليه السلام وقد بسط له في صحن داره والناس جلوس حوله، فقالوا: قدّرنا أن يكون حوله من آل أبي طالب وبني العباس وقريش مائة وخمسون رجلا سوى مواليه وسائر الناس إذ نظر إلى الحسن بن علي وقد جاء مشقوق الجَيب حتى جاء عن يمينه، ونحن لانعرفه. فنظر إليه أبو الحسن بعد ساعة من قيامه، ثم قال: يا بُني أحدِث لله شكرا فقد أحدَث فيك أمراً. فبكى الحسن واسترجع، وقال: الحمد لله رب العالمين وإياه أشكر تمام نعمه علينا، وإنا لله وإنا إليه راجعون. فسألنا عنه فقيل لنا: هذا الحسن ابنه، وقدّرنا له في ذلك الوقت عشرين سنة ونحوها، فيومئذ عرفناه وعلمنا أنه قد أشار إليه بالإمامة وأقامه مقامه.

حَرَمُه الشريف
يقع مرقد السيّد محمّد في مدينة بلد بمحافظة صلاح الدين 85 كم شمال بغداد وهو اليوم إحدى مزارات الشيعة.
وحول مرقده الشريف لم تصلنا معلومات دقيقة عن بنائه الأوّلي، إلا أنه يمكن القول من خلال الإصلاح والترميم الذي أُولِيَ الحرم خلال سنوات 1379 -1384 للهجرة، أن البناء الأول يعود تشييده إلى العهد البويهي في القرن الرابع من قِبَل عضدالدولة الديلمي، ثم أُعيد بنائه في القرن العاشر بأمر من السلطان إسماعيل الصفويّ بعد فتح بغداد.

نص اللوحة علی ضريحه
وعلى الضريح في حرمه الشريف كتيبة هذا نصّها:
هذا مَرقَدُ السَّيّدُ الجَليلِ أبي جَعفَر مُحَمَّد بنِ الإِمامِ أبِي الحَسَنِ عَلي الهادي عَلَيهِ السَّلام عَظيمِ الشَّأنِ جَليلِ القَدرِ كانَتِ الشّيعَةُ تَزعُمُ أَنَّهُ الإمامُ بَعدَ أبيهِ عَلَيهِ السلام فَلما تُوفي نَصَّ أبُوهُ عَلى أخيهِ أبي مُحَمَّدٍ الّزكي عَلَيهِ السَّلامُ و قالَ لَهُ : أَحْدِثْ ِللِه شُكْرَاً فَقَدْ أَحْدَثَ فيكَ أمرًا خَلَّفَهُ أبُوهُ في المَدينَةِ طِفلاً وَ قَدِمَ عَلَيهِ في سامِراء مُشْتَدْاً وَ نَهَضَ إلى الُّرجُوع إلَى الحجازِ وَ لَمّا بَلَغَ بَلَدَ عَلى تسعَةِ فَراسِخَ مَرِضَ و تُوُفّي وَ مَشهَدُهُ هُناكَ وَ لَمَّا تُوُفيَ شَقَّ أبُو مُحَمَّدٍ عَلَيهِ ثَوبَهُ وَ قالَ في جَوابِ مَن عابَهُ عَلَيهِ قَد شَقَّ موسى عَلى أخيهِ هارون و كانَت وَفاتُهُ في حُدُودِ اثْنَينِ و َخَمسينَ بَعدَ المِائَتَينِ.

الهجوم الإرهابي على المرقد
في مساء يوم الخميس 7 يوليو/ تموز 2016 هـ شهد المرقد هجوما انتحاريا قاده ثلاثة يحملون أسلحة وأحزمة ناسفة تم صدهم وفجروا أجسادهم عند بوابة المرقد، واستشهد 20 شخصا على الأقل، وأصيب 50 آخرون في الهجوم. وكانت سيارة ملغومة يقودها انتحاري نسفت البوابة الخارجية للمرقد مما سمح لبضعة مسلحين باقتحام الموقع والبدء بإطلاق النار على الزوار. وسرعان ما أعلنت داعش المسؤولية عن الهجوم.

كراماته
نُقِلت عنه كرامات كثيرة. يقول الميرزا حسين النوري في النجم الثاقب: السيد محمّد صاحب كرامات متواترة، معروف حتى عند أهل السنة. يخاف أهل العراق وأهل البوادي من القسم باسمه الشريف. حتى إذا اتُهِموا بسرقة مال، يُرجِعون المال ويمتنعون عن القسم باسمه.
ينقل العلاّمة السيّد ميرزا هادي الخراساني عن السيد حسن آل خوجه عن أحد خُدّام حرم العسكريين بسامراء: كنت جالساً في صحن عتبة أبي جعفر السيد محمّد المقدّسة، فإذا بعربيّ قد أقبل ويده مربوطة إلى عنقه. فدنَوت منه وسألته عن أمره، فقال لي دخلت بيت أختي السنة الماضية، فوجدت فيه شاة مربوطة فعمدت أن أذبح الشاة لآكل منها، فنهتني أختي من ذلك وقالت: إنها نذرت الشاة لصاحب المقام. لكنني لم اعتن بقولها وذبحت الشاة. ثم ظهرت علامات الشلل في يدي حتى علمت أنّ ذلك إنما كان لأمر الشاة. وأنا الآن نادم على فعلي قاصد صاحب هذا المقام. ثم دخل الحرم مع رفاقه وبدأ يبكي ويصرخ، فما مضت ساعة حتى رأيته يحرك يده. فوقع ساجداً ونذر نذرا بتقديم قربان للمقام في كلّ سنة.