زواج الرسول (ص) من السيدة خديجة

قال أبوالحسن البكري في كتاب الانوار : مر النبي صلى الله عليه واله يوما بمنزل خديجة بنت خويلد ، وهي جالسة في ملا من نسائها وجواريها وخدمها ، وكان عندها حبر من أحبار اليهود ، فلما مر النبي صلى الله عليه واله نظر إليه ذلك الحبر وقال : يا خديجة اعلمي أنه قد مر الآن ببابك شاب حدث السن ، فأمري من يأتي به ، فأرسلت إليه جارية من جواريها ، وقالت : يا سيدي مولاتي تطلبك ، فأقبل ودخل منزل خديجة ، فقالت : أيها الحبر هذا الذي أشرت إليه ، قال : نعم هذا محمد بن عبدالله ، قال له الحبر : اكشف لي عن بطنك ، فكشف له ، فلما رآه قال : هذا والله خاتم النبوة ، فقالت له خديجة : لو رآك عمه وأنت تفتشه لحلت عليك منه نازلة البلاء ، وإن أعمامه ليحذرون عليه من أحبار اليهود ، فقال الحبر : ومن يقدر على محمد هذا بسوء ، هذا وحق الكليم رسول الملك العظيم في آخر الزمان ، فطوبى لمن يكون له بعلا ، وتكون له زوجة وأهلا ، فقد حازت شرف الدنيا والآخرة ، فتعجبت خديجة ، وانصرف محمد وقد اشتغل قلب خديجة بنت خويلد بحبه ، وكانت خديجة ملكة عظيمة ، وكان لها من الاموال والمواشي شئ لا يحصى ، فقالت : أيها الحبر بم عرفت محمدا أنه نبي ؟ قال : وجدت صفاته في التوارة ، إنه المبعوث آخر الزمان ، يموت أبوه وامه ، ويكفله جده وعمه ، وسوف يتزوج بامرأة من قريش سيدة قومها ، وأميرة عشيرتها ، وأشار بيده إلى خديجة ، ثم بعد ذلك قال لها : احفظي ما أقول لك يا خديجة وأنشأ يقول :

يا خديجة لا تنسي الآن قولي * وخذي منه غاية المحصول يا خديجة هذا النبي بلا شك * هكذا قد قرأت في الانجيل سوف يأتي من الاله بوحي * ثم يجبى من الاله بالتنزيل ويزوجه بالفخار ويحظى * في الورى شامخا على كل جيل

فلما سمعت خديجة ما نطق به الحبر تعلق قلبها بالنبي صلى الله عليه واله ، وكتمت أمرها ، فلما خرج من عندها قال : اجتهدي أن لا يفوتك محمد ، فهو الشرف في الدنيا والآخرة ، وكان لخديجة عم يقال له : ورقة ، وكان قد قرأ الكتب كلها ، وكان عالما حبرا ، وكان يعرف صفات النبي الخارج في آخر الزمان ، وكان عند ورقة أنه يتزوج بامرأة سيدة من قريش ، تسود قومها ، وتنفق عليه مالها ، وتمكنه من نفسها ، وتساعده على كل الامور ، فعلم ورقة أنه ليس بمكة أكثر مالا من خديجة ، فرجا ورقة أن تكون ابنة أخيه خديجة ، وكان يقول لها : يا خديجة سوف تتصلين برجل يكون أشرف أهل الارض والسماء.

وكان لخديجة في كل ناحية عبيد ومواشي حتى قيل : إن لها أزيد من ثمانين ألف جمل متفرقة في كل مكان ، وكان لها في كل ناحية تجارة ، وفي كل بلد مال ، مثل مصر والحبشة وغيرها ، وكان أبوطالب رضي الله عنه قد كبر وضعف عن كثرة السفر ، وترك ذلك من حيث كفل النبي صلى الله عليه واله ، فدخل عليه النبي صلى الله عليه واله ذات يوم فوجده مهموما ، فقال : ما لي أراك يا عم مهموما ؟ فقال : يا ابن أخي اعلم أنه لا مال لنا ، وقد اشتد الزمان علينا ، وليس لنا مادة ، وأنا قد كبرت ، وضعف جسمي ، وقل ما بيدي ، واريد أن أنزل إلى ضريحي ، واريد أن أرى لك زوجة تسر قلبي يا ولدي لتسكن إليها ، ومعيشة يرجع نفعها إليك ، فقال له النبي صلى الله عليه واله : ما عندك يا عم من الرأي ؟ قال : اعلم يابن أخي أن هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها أكثر الناس ، وهي تعطي مالها سائر من يسألها التجارة ، ويسافرون به ، فهل لك يا ابن أخي أن تمضي معي إليها ونسألها أن تعطيك مالا تتجر فيه ، فقال : نعم ، قم إليها وافعل ما بدا لك .

قال أبوالحسن البكري : لما اجتمع بنو عبدالمطلب قال أبوطالب لاخوته : امضوا بنا إلى دار خديجة بنت خويلد حتى نسألها أن تعطي محمدا مالا يتجر به ، فقاموا من وقتهم وساعتهم وساروا إلى دار خديجة ، وكان لخديجة دار واسعة تسع أهل مكة جميعا ، وقد جعلت أعلاها قبة من الحرير الازرق ، وقد رقمت في جوانبها صفة الشمس والقمر والنجوم ، وقد ربطته من حبال الابريسم وأوتاد من الفولاذ ، وكانت قد تزوجت برجلين أحدهما اسمه أبو شهاب وهو عمرو الكندي ، والثاني اسمه عتيق بن عائذ ، فلما ماتا خطبها عقبة بن أبي معيط ، والصلت بن أبي يهاب ، وكان لكل واحد منهما أربعمأة عبد وأمة ، وخطبها أبوجهل بن هشام وأبوسفيان ، وخديجة لا ترغب في واحد منهم ، وكان قد تولع قلبها بالنبي صلى الله عليه واله لما سمعت من الاحبار والرهبان والكهان ، وما يذكرونه من الدلالات ، وما رأت قريش من الآيات ، فكانت تقول : سعدت من تكون لمحمد قرينة ، فإنه يزين صاحبه ، وازداد بها الوجد ، ولج بها الشوق ، فبعثت إلى عمها ورقة ابن نوفل فقالت له : يا عم اريد أن أتزوج وما أدري بمن يكون ، وقد أكثر علي الناس وقلبي لا يقبل منهم أحدا ، فقال لها ورقة : يا خديجة ألا اعلمك بحديث غريب وأمر عجيب ؟ قالت : وما هو يا عم ؟ قال : عندي كتاب من عهد عيسى عليه السلام فيه طلاسم وعزائم ، أعزم بها على ماء وتأخذينه وتغسلين به ، ثم أكتب كتابا فيه كلمات من الزبور ، وكلمات من الانجيل ، فتضعيه تحت رأسك عند النوم وأنت على فراشك ملتفة بثيابك ، فإن الذي يكون زوجك يأتيك في منامك حتى تعرفيه باسمه وكنيته ، فقالت : افعل يا عم ، قال : حبا وكرامة ، وكتب الكتاب ، وأعطاها إياه ، وفعلت ما أمرها به ونامت فرأت كأن قد جاء إليها رجل لا بالطويل الشاهق ، ولا بالقصير اللاذق ، أدعج العينين ، أزج الحاجبين ، أحور المقلتين ، عقيقي الشفتين ، مورد الخدين ، أزهر اللون ، مليح الكون ، معتدل القامة ، تظله الغمامة ، بين كتفيه علامة ، راكب على فرس من نور ، مزمم بسلسلة من ذهب ، على ظهره سرج من العقيان ، مرصع بالدر والجوهر ، له وجه كوجه الآدميين منشق الذنب ، له أرجل كالبقر ، خطوته مد البصر ، وهو يرقل بالراكب ، وكان خروجه من دار أبي طالب ، فلما رأته خديجة ضمته إلى صدرها ، وأجلسته في حجرها ، ولم تنم باقي ليلتها إلى أن أقبلت إلى عمها ورقة ، وقالت : أنعمت صباحا يا عم ، قال : وأنت لقيت نجاحا ، فلعلك رأيت شيئا في منامك ، قالت : رأيت رجلا صفته كذا وكذا ، فعندها قال ورقة : يا خديجة إن صدقت رؤياك تسعدين وترشدين ، فإن الذي رأيته متوج بتاج الكرامة ، الشفيع في العصاة يوم القيامة ، سيد العرب والعجم ، محمد بن عبد الله بن عبدالمطلب ابن هاشم ، قالت : وكيف لي بما تقول يا عم وأنا كما يقول الشاعر :

أسير إليكم قاصدا لازوركم * وقد قصرت بي عند ذاك رواحلي وملك الاماني خدعة غير أنني * اعلل حد الحادثات بباطل احمل برق الشرق شوقا إليكم * وأسأل ريح الغرب رد رسائلي

قال : فزاد بها الوجد ، وكانت إذا خلت بنفسها فاضت عبرتها أسفا ، وجرت دمعتها لهفا ، وهي تقول :

كم أستر الوجد والاجفان تهتكه * واطلق الشوق والاغضاء تمسكه جفاني القلب لما أن تملكه * غيري فوا أسفا لو كنت أملكه ما ضر من لم يدع مني سوى رمقي * لو كان يمسح بالباقي فيتركه

قال الراوي : وأعجب ما رأيت في هذا الامر العجيب والحديث الغريب أن خديجة لم تفرغ من شعرها إلا وقد طرق الباب ، فقالت لجاريتها : انزلي وانظري من بالباب ، لعل هذا خبر من الاحباب ، ثم أنشأ يقول :

أيا ريح الجنوب لعل علم * من الاحباب يطفى بعض حري ولم لا حملوك إلي منهم * سلاما أشتريه ولو بعمري وحق ودادهم إني كتوم * وإني لا أبوح لهم بسري أراني الله وصلهم قريبا * وكم يسر أتى من بعد عسر فيوم من فراقكم كشهر * وشهر من وصالكم كدهر .

قال : ثم نزلت الجارية وإذا أولاد عبدالمطلب بالباب ، فرجعت إلى خديجة و قالت : يا سيدتي إن بالباب سادات العرب ، ذوي المعالي والرتب ، أولاد عبدالمطلب ، فرمقت خديجة رمق الهوى ، ونزل بها دهش الجوى ، وقالت : افتحي لهم الباب ، وأخبري ميسرة يعتد لهم المساند والوسائد ، فإني أرجو أن يكونوا قد أتوني بحبيبي محمد ، ثم قالت شعرا :

ألذ حياتي وصلكم ولقاكم * ولست ألذ العيش حتى أراكم وما استحسنت عيني من الناس غيركم * ولا لذ في قلبي حبيب سواكم على الرأس والعينين جملة سعيكم * ومن ذا الذي في فعلكم قد عصاكم فها أنا محسوب عليكم بأجمعي * وروحي ومالي يا حبيبي فداكم وما غيركم في الحب يسكن مهجتي * وإن شئتم تفتيش قلبي فهاكم

قال صاحب الحديث : وبسط لهم ميسرة المجلس بأنواع الفرش فما استقر بالقوم الجلوس إلا وقد قدم لهم أصناف الطعام والفواكه من الطائف والشام ، فأكلوا وأخذوا في الحديث ، فقالت لهم خديجة من وراء الحجاب بصوت عذب ، وكلام رطب : يا سادات مكة أضاءت بكم الديار ، وأشرقت بكم الانوار ، فلعل لكم حاجة فتقضى ، أو ملمة فتمضى ، فإن حوائجكم مقضية ، وقناديلكم مضيئة ، فقال أبوطالب رضي الله عنه : جئناك في حاجة يعود نفعها إليك ، وبركتها عليك ، قالت : يا سيدي وما ذلك ؟ قال : جئناك في أمر ابن أخي محمد ، فلما سمعت ذلك غاب رشدها عن الوجود ، وأيقنت بحصول المقصود ، وقالت شعرا :

بذكر كم يطفئ الفؤاد من الوقد * ورؤيتكم فيها شفا أعين الرمد ومن قال : إني أشتفي من هواكم * فقد كذبوا لو مت فيه من الوجد وما لي لا أملا سرورا بقربكم * وقد كنت مشتاقا إليكم على البعد تشابه سري في هواكم وخاطري * فابدي الذي أخفى وأخفى الذي ابدي

ثم قالت بعد ذلك : يا سيدي أين محمد حتى نسمع ما يقول ؟ قال العباس رضي الله عنه : أنا آتيكم به ، فنهض وسار يطلبه من الابطح فلم يجده ، فالتفت يمينا وشمالا فقالوا : ما تريد ؟ فقال : اريد محمدا ، فقالوا له : في جبل حرى ، فسار إليه فإذا هو فيه نائما في مرقد إبراهيم الخليل عليه السلام ملتفا ببرده وعند رأسه ثعبان عظيم في فمه طاقة ريحان يروحه بها ، فلما نظر إليه العباس قال : خفت عليه من الثعبان ، فجذبت سيفي وهممت بالثعبان ، فحمل الثعبان على العباس ، فلما رأى العباس ذلك صاح من وقته ادركني يا ابن أخي ، ففتح النبي صلى الله عليه واله عينيه فذهب الثعبان كأنه لم يكن ، فقال النبي صلى الله عليه واله : ما لي أرى سيفك مسلولا ؟ قال : رأيت هذا الثعبان عندك ، فسللت سيفي وقصدته خوفا عليك منه ، فعرفت في نفسي الغلبة فصحت بك ، فلما فتحت عينك ذهب كأنه لم يكن ، فتبسم النبي صلى الله عليه واله ، وقال : يا عم ليس هذا بثعبان ، ولكنه ملك من الملائكة ، ولقد رأيته مرارا ، وخاطبته جهارا ، وقال لي : يا محمد إني ملك من عند ربي موكل بحراستك في الليل والنهار من كيد الاعداء والاشرار ، قال : ما ينكر فضلك يا محمد ، فقال له : سر معي إلى دار خديجة بنت خويلد تكون أمينا على أموالها ، تسير بها حيث شئت ، قال : اريد الشام ، قال : ذلك إليك ، فسار النبي صلى الله عليه واله والعباس إلى بيت خديجة ، وكان من عادته صلى الله عليه واله إذا أراد زيارة قوم سبقه النور إلى بيتهم ، فسبقه النور إلى بيت خديجة ، فقالت لعبدها ميسرة : كيف غفلت عن الخيمة حتى عبرت الشمس إلى المجلس ؟ قال : لست بغافل عنها ، وخرج فلم يجد تغير وتد ولا طنب ، ونظر إلى العباس فوجده قد أقبل هو والنبي صلى الله عليه واله معه ، فرجع وقال لها : يا مولاتي هذا الذي رأيته من أنوار محمد صلى الله عليه واله ، فجاءت خديجة لتنظر إلى محمد ، فلما دخل المجلس نهض أعمامه إجلالا له ، وأجلسوه في أوساطهم ، فلما استقر بهم الجلوس قدمت لهم خديجة الطعام فأكلوا ، ثم قالت خديجة : يا سيدي أنست بك الديار ، وأضاءت بك الاقدار ، وأشرقت من طلعتك الانوار ، أترضى أن تكون أمينا على أموالي تسير بها حيث شئت ؟ قال : نعم رضيت ، ثم قال : اريد الشام ، قالت : ذلك إليك ، وإني قد جعلت لمن يسير على أموالي مائة وقية من الذهب الاحمر ، ومائة وقية من الفضة البيضاء ، وجملين وراحلتين ، فهل أنت راض ؟ فقال أبوطالب رضي الله عنه ، رضي ورضينا ، وأنت يا خديجة محتاجة إليه ، لانه من حين خلق ما وقف له العرب على صبوة ، وأنه مكين أمين ، قالت خديجة : تحسن يا سيدي تشد على الجمل وترفع عليه الاحمال ؟ قال : نعم ، قالت : يا ميسرة : ايتني ببعير حتى أنظر كيف يشد عليه محمد ، فخرج ميسرة وأتى ببعير شديد المراس ، قوى الباس ، لم يجسر أحد من الرعاة أن يخرجه من بين الابل لشدة بأسه ، فأدناه ليركبه فهدر وشقشق واحمرت عيناه ، فقال له العباس : ما كان عندك أهون من هذا البعير ؟ تريد أن تمتحن به ابن أخينا ؟ فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وآله : دعه يا عم ، فلما سمع البعير كلام البشير النذير برك على قدمي النبي صلى الله عليه وآله ، وجعل يمرغ وجهه علي قدمي النبي صلى الله عليه وآله ونطق بكلام فصيح وقال : من مثلى وقد لمس ظهري سيد المرسلين ؟ فقلن النسوة اللاتى كن عند خديجة : ماهذا إلا سحر عظيم قد أحكمه هذا اليتيم ، قالت لهم خديجة : ليس هذا سحرا ، وإنما هو آيات بينات ، وكرامات ظاهرات ، ثم قالت : نطق البعير بفضل أحمد مخبرا * هذا الذي شرفت به ام القرى هذا محمد خير مبعوث أتى * فهو الشفيع وخير من وطأ الثرى يا حاسديه تمزقوا من غيظكم * فهو الحبيب ولا سواه في الورى قال : وخرج أولاد عبدالمطلب وأخذوا في اهبة السفر ، فالتفتت خديجة إلى النبي صلي الله عليه وآله وقالت : يا سيدي ما معك غير هذه الثياب ، فليست هذه تصلح للسفر ، فقال : لست أملك غيرها ، فبكت خديجة وقالت : عندي يا سيدي ما يصلح للسفر ، غير أنهن طوال فامهل حتى اقصرها لك ، فقال : هلمي بها ، وكان صلى الله عليه وآله إذا لبس القصير يطول وإذا لبس الطويل يقصر ، كأنه مفصل عليه ، فأخرجت له ثوبين من قباطي مصر ، وجبة عدنية ، وبردة يمنية ، وعمامة عراقية ، وخفين من الاديم ، وقضيب خيزران ، فلبس النبي صلى الله عليه وآله الثياب وخرج كأنه البدر في تمامه ، فلما نظرت إليه جعلت تقول : اوتيت من شرف الجمال فنونا * ولقد فتنت بها القلوب فتونا قد كونت للحسن فيك جواهر * فيها دعيت الجوهر المكنونا يا من أعار الظبي في لفتاته * للحسن جيدا ساميا وجفونا انظر إلى جسمي النحيل وكيف قد * أجريت من دمع العيون عيونا أسهرت عيني في هواك صبابة * وملئت قلبي لوعة وجنونا ثم قالت : يا سيدي عندك ما تركب عليه ؟ قال : إذا تعبت ركبت أي بعير أردت ، قالت : وما يحملني على ذلك ؟ لا كانت الاموال دونك يا محمد ، ثم قالت لعبدها ميسرة : ايتني بناقتي الصهباء حتى يركبها سيدي محمد ، فأتى بها ميسرة وهي تزيد على الاوصاف ، لا يلحقها في سيرها تعب ، ولا يصيبها نصب ، كأنها خمية مضروبة ، أو قبة منصوبة ، ثم التفتت إلى ميسرة وناصح وقالت لهما : اعلما أنني قد أرسلت إليكما أمينا على أموالي ، وأنه أمير قريش وسيدها ، فلا يد على يده ، فإن باع لا يمنع ، و ترك لا يؤمر ، وليكن كلامكما له بلطف وأدب ، ولا يعلو كلامكما على كلامه ، قال عبدها ميسرة : والله يا سيدتي إن لمحمد عندي محبة عظيمة قديمة ، والآن قد تضاعفت لمحبتك له ، ثم إن النبي صلى الله عليه واله ودع خديجة وركب راحلته وخرج وميسرة وناصح بين يديه ، وعين الله ناظرة إليه ، فعندها قالت خديجة شعرا : قلب المحب إلى الاحباب مجذوب * وجسمه بيد الاسقام منهوب وقائل كيف طعم الحب قلت له : * الحب عذب ولكن فيه تعذيب أقذى الذين علي خدي لبعدهم * دمي ودمعي مسفوح ومسكوب ما في الخيام وقد سارت ركابهم * إلا محب له في القلب محبوب كأنما يوسف في كل ناحية * والحز في كل بيت فيه يعقوب ثم إن النبي صلى الله عليه واله سار مجدا للسير إلى الابطح ، فوجد القوم مجتمعين ، وهم لقدومه منتظرون ، فلما نظروا إلى جمال سيد المرسلين وقد فاق الخلق أجمعين فرح المحب ، واغتم الحاسد ، وظهر الحسد والكمد فيمن سبقت له الشقاوة من المكذبين ، وزادت عقيدة من سبقت له السعادة من المؤمنين ، فلما نظر العباس إليهم أنشأ يقول : يا مخجل الشمس والبدر المنير إذا * تبسم الثغر لمع البرق منه أضا كم معجزات رأينا منك قد ظهرت * يا سيدا ذكره يشفي به المرضى فلما نظر النبي صلى الله عليه واله إلى أموال خديجة على الارض ولم يحمل منها شئ زعق على العبيد ، وقال : ما الذي منعكم عن شد رحالكم ؟ قالوا يا سيدنا لقلة عددنا ، وكثرة أموالنا ، فأبرك راحلته ، ونزل ولوى ذيله في دور منطقته وصار يزعق بالبعير فيقول : بإذن الله تعالى ، فتعجب الناس من فعله ، فنظر العباس إلى النبي صلى الله عليه واله وقد احمرت وجناته من العرق ، فقال : كيف اخلي الشمس تقرح هذا الوجه الكريم ؟ فعمد إلى خشبة وقال : لاتخذن منها حجفة تظل محمدا من حر الشمس ، فارتجت الاقطار وتجلى الملك الجبار ، وأمر الامين جبرئيل عليه السلام أن يهبط إلى رضوان خازن الجنان وقل له : يخرج لك الغمامة التي خلقتها لحبيبي محمد صلى الله عليه واله قبل أن أخلق آدم بألفي عام ، وانشرها على رأس حبيبي محمد ، فلما رأوها شخصت نحوها الابصار ، وقال العباس : إن محمدا لكريم على ربه ، ولقد استغنى عن حجفتي ، ثم أنشأ يقول : وقف الهوى بي حيث كنت فليس لي * متقدم عنكم ولا متأخر ثم سار القوم حتى نزلوا بجحفة الوداع وحطوا رحالهم حتى يلحق بهم المتأخرون فقال مطعم بن عدي : يا قوم إنكم سائرون إلى أرض كثيرة المهامه والاوعار ، وليس لكم مقدم تستشيرون به وترجعون إلى أمره ، والرأي عندي أنكم تقدمون عليكم رجلا لتستندوا إلى رأيه ، وترجعوا إلى أمره عن المنازع والمخالف ، قالوا : نعم ما أشرت به ، فقال بنو مخزوم : نحن نقدم علينا أخانا عمرو بن هشام المخزومي ، وقال بنو عدي : نحن نقدم علينا أميرنا مطعم بن عدي ، وقال بنو النضر : نحن نقدم علينا أميرنا النضر بن الحارث ، وقال بنو زهرة : نحن نقدم علينا أميرنا احيحة بن الجلاح ، وقال بنو لوي : نحن نقدم علينا أبا سفيان صخر بن حرب ، وقال ميسرة : والله ما نقدم علينا إلا سيدنا محمد بن عبدالله ، و قال بنو هاشم : ونحن أيضا نقدم علينا محمدا ، فقال أبوجهل : لان قدمتم علينا محمدا لاضعن هذا السيف في بطني ، واخرجه من ظهري ، فقبض حمزة على سيفه وقال : يا وغد الرجال ، ويا نذل الافعال ، والله ما اريد إلا أن يقطع الله يديك ورجليك ويعمى عينيك ، فقال له النبي صلى الله عليه واله : اغمد سيفك يا عماه ، ولا تستفتحوا سفركم بالشر ، دعوهم يسيرون أول النهار ، ونحن نسير آخره ، فإن التقدم لقريش ، وكان صلى الله عليه واله أول من تكلم بهذه الكلمة ، وسار أبوجهل ومن يلوذ به ، وقد استغنم من بني هاشم الفرصة ، وهو ينشد ويقول : لقد ضلت حلوم بني قصي * وقد زعموا بتسييد اليتيم وراموا للخلافة غير كفو * فكيف يكون ذا الامر العظيم ؟ وإني فيهم ليث حمي * بمصقول ولي جد كريم فلو قصدوا عبيدة أو ظليما * وصخر الحرب ذا الشرف القديم لكنا راضيين لهم وكنا * لهم تبعا على خلف ذميم فأجابه العباس يقول : ألا أيها الوغد الذي رام ثلبنا * أتثلب قرنا في الرجال كريم أتثلب ياويك الكريم أخا التقى * حبيب لرب العالمين عظيم ولو لا رجال قد عرفنا محلهم * وهم عندنا في مجدب ومقيم لدارت سيوف يفلق الهام حدها * بأيدي رجال كالليوث تقيم حماة كماة كالاسود ضراغم * إذا برزوا ردوا لكل زعيم ثم إن القوم ساروا إلى أن بعدوا عن مكة ، فنزلوا بواد يقال له : واد الامواه ، لانه مجتمع السيول وأنهار الشام ، ومنه تنبع عيون الحجاز ، فنزل به القوم وحطوا رحالهم ، وإذا بالسحاب قد اجتمع ، فقال النبي صلى الله عليه واله : ما أخوفني على أهل هذا الوادي أن يدهمهم السيل فيذهب بجميع أموالهم ، والرأي عندي أن نستند إلى هذا الجبل ، قال له العباس : نعم ما رأيت يا ابن أخي ، فأمر النبي صلى الله عليه واله أن ينادي في القافلة أن ينقلوا رحالهم إلى نحو الجبل مخافة السيل ، ففعلوا إلا رجلا من بني جمح يقال له : مصعب ، وكان له مال كثير : فأبى أن يتغير من مكانه ، وقال : يا قوم ما أضعف قلوبكم ؟ تنهزمون عن شئ لم تروه ولم تعاينوه ؟ فما استتم كلامه إلا وقد ترادفت السحاب والبرق ونزل السيل وامتلا الوادي من الحافة إلى الحافة ، و أصبح الجمحي وأمواله كأنه لم يكن ، وأقام القوم في ذلك المكان أربعة أيام والسيل يزداد ، فقال ميسرة : يا سيدي هذه السيول لا تنقطع إلى شهر ، ولا تقطعه السفار ، و إن أقمنا هاهنا أضر بنا المقام ، ويفرغ الزاد ، والرأي عندي أن نرجع إلى مكة ، فلم يجبه النبي صلى الله عليه واله إلى ذلك ، ثم نام فرأى في منامه ملكا يقول له : يا محمد لا تحزن ، إذا كان غداة غد مر قومك بالرحيل ، وقف على شفير الوادي ، فإذا رأيت الطير الابيض قد خط بجناحه فاتبع الخط ، وأنت تقول : بسم الله وبالله ، وأمر قومك أن يقولوا : هذه الكلمة ، فمن قالها سلم ، ومن حاد عنها غرق ، فاستيقظ النبي صلى الله عليه واله وهو فرح مسرور ، ثم أمر ميسرة أن ينادي في الناس بالرحيل ، فرحلوا وشد ميسرة رحاله ، فقال الناس : يا ميسرة وكيف نسير وهذا المآء لا تقطعه إلا السفن ؟ فقال : أما أنا فإن محمدا أمرني ، وأنا لا اخالفه فقال القوم : ونحن أيضا لا نخالفه ، فبادر القوم ، وتقدم النبي صلى الله عليه واله ووقف على شفير الوادي ، وإذا بالطير الابيض قد أقبل من ذروة الجبل . وخط بجناحه خطا أبيض يلمع ، فشمر النبي صلى الله عليه واله أذياله واقتحم المآء وهو يقول : بسم الله وبالله ، فلم يصل المآء إلى نصف ساقه ، ونادى أيها الناس لا يدخل أحد منكم المآء حتى يقول هذه الكلمة ، فمن قالها سلم ، ومن حاد عنها هلك ، فاقتحم القوم المآء وهم يقولون : الكلمة ، ولم يتأخر من القوم سوى رجلين : أحدهما من بني جمح ، والآخر من بني عدي ، فقال العدوي : بسم الله و بالله ، وقال الجمحي : بسم اللات والعزى ، فغرق الجمحي وأمواله ، وسلم العدوي و أمواله ، فقال القوم للعدوي : ما بال صاحبك غرق ؟ قال : إنه قد عوج لسانه وخالف قول النبي صلى الله عليه واله فغرق ، فاغتم أبوجهل لعنه الله وقومه ، وقالوا : ما هذا إلا سحر عظيم ، فقال له بعض أصحابه : يا ابن هشام ما هذا بسحر ، ولكن والله ما أظلت الخضرآء ولا أقلت الغبرآء أفضل من محمد ، فلم يرد جوابا ، وساروا حتى نزلوا على بئر وكان تنزل عليه العرب في طريق الشام ، فقال أبوجهل : والله لاجد في نفسي غبنة عظيمة إن رد محمد من سفره هذا سالما ، ولقد عزمت على قتله ، وكيف لي بالحيلة في قتله وهو ينظر من ورائه كما ينظر من أمامه ، ولكن أفعل فسوف تنظرون ، ثم عمد إلى الرمل والحصى وملا حجره وكبس به البئر ، فقال أصحابه : ولم تفعل ذلك ؟ فقال : اريد دفن البئر حتى إذا جاء ركب بني هاشم وقد أجهدهم العطش فيموتوا عن آخرهم ، فتبادر القوم بالرمل و الحصى ولم يتركوا للبئر أثرا ، فقال أبوجهل لعنه الله : الآن قد بلغت مرادي ، ثم التفت إلى عبد له اسمه فلاح وقال له : خذ هذه الراحلة ، وهذه القربة والزاد واختف تحت الجبل ، فإذا جاء ركب بني هاشم يقدمهم محمد ، وقد أجهدهم العطش والتعب ولم يجدوا للبئر أثرا فيموتوا فأتني بخبرهم ، فإذا أتيتني وبشرتني بموتهم أعتقتك وزوجتك بمن تريد من أهل مكة ، فقال : حبا وكرامة ، ثم سار أبوجهل وتأخر العبد كما أمره مولاه ، وإذا بركب بني هاشم قد أقبل يتقدمهم محمد ، فتبادر القوم إلى البئر فلم يجدوا له أثرا ، فضاقت صدورهم وأيقنوا بالهلاك ، فلاذوا بمحمد صلى الله عليه واله ، فقال لهم : هل هنا موضع يعرف بالماء ؟ قالوا نعم بئر قد ردمت بالرمل والحجارة ، فمشى النبي صلى الله عليه واله حتى وقف على شفير البئر فرفع طرفه إلى السماء ونادى : يا عظيم الاسمآء ، يا باسط الارض ، ويا رافع السمآء ، قد أضر بنا الظمآء ، فاسقنا المآء ، فإذا بالحجارة والرمل قد تصلصلت ، وعين المآء قد نبعت وتفجرت ، وجرى المآء من تحت أقدامه ، فسقى القوم دوابهم ، وملؤوا قربهم ، وساروا و سار العبد إلى مولاه ، وقال : ما وراءك يا فلاح ؟ وقال : والله ما أفلح من عادى محمدا ، وحدثهم بما عاين منه ، فامتلى أبوجهل غيظا ، وقال للعبد : غيب وجهك عني ، فلا أفلحت أبدا ، ثم سار حتى وصل واديا من أودية الشام يقال له : ذبيان ، وكان كثير الاشجار ، إذ خرج من ذلك الوادي ثعبان عظيم كأنه النخلة السحوق ، ففتح فاه وزفر ، وخرج من عينيه الشرار ، فجفلت منه ناقة أبي جهل لعنه الله ، ولعبت بيديها ورجليها ورمته فكسرت أضلاعه ، فغشي عليه ، فلما أفاق قال لعبيده : تأخروا إلى جانب الطريق ، فإذا جاء ركب بني هاشم يتقدمهم محمد قدموه علينا حتى إذا رأت ناقته الثعبان فعسى أن ترميه إلى الارض فيموت ، ففعل العبيد ما أمرهم به ، وإذا بركب بني هاشم قد أقبل يتقدمهم محمد ، فقال النبي صلى الله عليه واله : يا ابن هشام أراكم قد نزلتم وليس هو وقت نزولكم ؟ فقال له : يا محمد ، والله قد استحييت أن أتقدم عليك ، وأنت سيد أهل الصفا ، وأعلا حسبا ونسبا ، فتقدم ، فلعن الله من يبغضك ، ففرح العباس بذلك ، وأراد العباس أن يتقدم فنهاه النبي صلى الله عليه واله وقال : ارفق يا عم ، فما تقديمهم لنا إلا لمكيدة لنا ، ثم إنه صلى الله عليه واله تقدم أمامهم ودخل إلى ذلك الشعب ، و إذا بالثعبان قد ظهر فجفلت منه ناقة النبي صلى الله عليه وآله ، فزعق بها النبي صلى الله عليه واله وقال : ويحك كيف تخافين وعليك خاتم الرسل وإمام البشر ؟ ثم التفت إلى الثعبان وقال له : ارجع من حيث أتيت ، وإياك أن تتعرض لاحد من الركب ، فنطق الثعبان بقدرة الله تعالى ، وقال : السلام عليك يا محمد ، السلام عليك يا أحمد ، فقال النبي صلى الله عليه واله : السلام على من اتبع الهدى ، وخشي عواقب الردى ، وأطاع الملك الاعلى ، فعندها قال : يا محمد ما أنا من هوام الارض ، وإنما أنا ملك من ملوك الجن واسمي الهام بن الهيم ، وقد آمنت على يد أبيك إبراهيم الخليل ، وسألته الشفاعة ، فقال : هي لولد يظهر من نسلي يقال له : محمد ، ووعدني أن أجتمع بك في هذا المكان ، وقد طال بي الانتظار ، وقد شاهدت المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ليلة عرج به إلى السمآء وهو يوصي الحواريين باتباعك ، والدخول في ملتك ، والآن قد جمع الله شملي بك ، فلا تنسني من الشفاعة يا سيد المرسلين ، فقال له النبي صلى الله عليه واله : لك ذلك علي ، فعد من حيث جئت ، ولا تتعرض لاحد من الركب ، فغاب الثعبان ، فلما نظر القوم إلى كلامه عجبوا من ذلك وازداد أعمام النبي صلى الله عليه وآله يقينا وفرحا . وازداد الجنود غيظا وحسدا ، فأنشأ العباس يقول : يا قاصدا نحو الحطيم وزمزم * بلغ فضائل أحمد المتكرم واشرح لهم ما عاينت عيناك من * فضل لاحمد والسحاب الاركم قل وأت بالآيات في السيل الذي * ملاء الفجاج بسيله المتراكم ونجى الذي لم يخط قول محمد * وهو الذي أخطا بوسط جهنم والبئر لما أن أضربنا الظمآء * فدعا الحبيب إلى الاله المنعم فاضت عيونا ثم سالت أنهرا * وغدا السحود بحسرة وتغمغم والهام بن الهيم لما أن رأى * خير البرية جاء كالمستسلم ناداه أحمد فاستجاب ملبيا * وشكى المحبة كالحبيب المغرم من عهد إبراهيم ظل مكانه * يرجو الشفاعة خوف جسر جهنم من ذا يقاس أحمد في الفضل من * كل البرية من فصيح وأعجم وبه توسل في الخطيئة آدم * فليعلم الاخبار من لم يعلم ولما فرغ العباس من شعره أجابه الزبير وأنشأ يقول شعرا : يا للرجال ذوي البصائر والنظر * قوموا انظروا أمرا مهولا قد خطر هذا بيان صادق في عصرنا * من سيد عالي المراتب مفتخر آياته قد أعزجت كل الورى * من ذا يقائس عدها أو يختصر منها الغمام تظله مهما مشى * أنى يسير تظله وإذا خطر وكذلك الوادي أتى مترادفا * بالسيل يسحب للحجارة والشجر ونجى الذي قد طاع قول محمد * وهوى المخالف مستقرا في سقر وأزال عنا الضيم من حر الظماء * من بعد ما بان التقلقل والضجر والبئر فاضت بالمياء وأقبلت * تجري على الارض أشباه النهر والهام فيه عبارة ودلالة * لذوي العقول ذوي البصائر والفكر كاد الحسود يذوب مما عاينت * عيناه من فضل لاحمد قد ظهر يا للرجال ألا انظروا أنواره * تعلوا على نور الغزالة والقمر الله فضل أحمدا واختاره * ولقد أذل عدوه ثم احتقر فأجابه حمزة رضي الله عنه يقول : ما نالت الحساد فيك مرادهم * طلبوا نقوص الحال منك فزادا كادوا وما خافوا عواقب كيدهم * والكيد مرجعه على من كادا ما كل من طلب السعادة نالها * بميكدة أو أن يروم عنادا يا حاسدين محمدا يا ويلكم * حسدا تمزق منكم الاكبادا الله فضل أحمدا واختاره * ولسوف يملكه الورى وبلادا وليملان الارض من إيمانه * وليهدين عن الغوى من حادا قال : فشكرهم النبي صلى الله عليه واله على ذلك وساروا جميعا ونزلوا واديا كانوا يتعاهدون فيه الماء قديما فلم يجدوا فيه شيئا من الماء ، فشمر النبي صلى الله عليه واله عن ذراعيه ، وغمس كفيه في الرمل ، ورمق السمآء ، وهو يحرك شفتيه فنبع الماء من بين أصابعه تيارا ، وجرى على وجه الارض أنهارا ، فقال العباس : امسك يا ابن أخي حذرا من الماء أن يغرق أموالنا ثم شربوا ، وملؤا قربهم ، وسقوا دوابهم ، فقال النبي صلى الله عليه واله لميسرة : لعل عندك شيئا من التمر فأحضره ، وكان يأكل التمر ، ويغرس النوى في الارض ، فقال له العباس : لم تفعل ذلك يابن أخي ؟ قال : يا عم اريد أن أغرسها نخلا ، قال : ومتى تطعم ؟ قال : الساعة نأكل منها ونتزود إن شاء الله تعالى ، فقال له العباس : يابن أخي النخلة إذا غرست تثمر في خمس سنين ، قال : يا عم سوف ترى من آيات ربي الكبرى ، ثم ساروا حتى تواروا عن الوادي ، فقال : يا عم ارجع إلى الموضع الذي فيه النخلات واجمع لنا ما نأكله ، فمضى العباس فرأى النخلات قد كبرت ، وتمايلت أثمارها ، وأزهرت فأوقر منها راحلته ، والتحق بالنبي صلى الله عليه واله ، فكان يأكل من التمر ويطعم القوم فصاروا متعجبين من ذلك ، فقال أبوجهل لعنه الله : لا تأكلوا يا قوم مما يصنعه محمد الساحر ، فأجابه قومه وقالوا : يابن هشام اقصر عن الكلام ، فما هذا بسحر ، ثم سار القوم حتى وصلوا عقبة أيله ، وكان بها دير ، وكان مملوا رهبانا ، وكان فيهم راهب يرجعون إلى رأيه وعقله يقال له : الفيلق بن اليونان بن عبدالصليب ، وكان يكنى أبا خبير ، وقد قرء الكتب ، وعنده سفر فيه صفة النبي صلى الله عليه واله من عهد عيسى بن مريم عليه السلام ، وكان إذا قرأ الانجيل على الرهبان ووصل إلى صفات النبي صلى الله عليه وآله بكى ، وقال : يا أولادي متى تبشروني بقدوم البشير النذير ، الذي يبعثه الله من تهامة ، متوجا بتاج الكرامة ، تظله الغمامة ، يشفع في العصاة يوم القيامة ، فقال له الرهبان : لقد قتلت نفسك بالبكاء والاسف على هذا الذي تذكره ، وعسى أن يكون قد قرب أوانه ، فقال : إي والله إنه قد ظهر بالبيت الحرام ، ودينه عنه الله الاسلام ، فمتى تبشروني بقدومه من أرض الحجاز ، وهو تظله الغمامة ، وأنشأ يقول شعرا : لان نظرت عيني جمال أحبتى * وهبت لبشرى الوصل ما ملكت يدي وملكته روحي ومالي غيرها * وهذا قليل في محبة أحمد سألت إلهي أن يمن بقربه * ويجمع شملي بالنبي محمد قال : وما زال الراهب كلما ذكر الحبيب أكثر النحيب إلى أن حال منه النظر وزاد به الفكر ، فعند ذلك أشرف بعض الرهبان ، وقد أشرقت الانوار من جبين النبي المختار ، فنظر الرهبان إلى الانوار وقد تلالات من الركب ، وقد أقبل من الفلا وأشرق وعلا ، تقدمهم سيد الامم ، وقد نشرت على رأسه الغمامة ، فقالوا : يا أبا الرهبان هذا ركب قد أقبل من الحجاز ، فقال : يا أولادي وكم ركب قد أقبل وأتى وأنا اعلل نفسي بلعل وعسى ؟ قالوا : يا أبانا قد رأينا نورا قد علا ، فقال : الآن قد زال الشقآء ، وذهب العنآء ، ثم رفع طرفه نحو السمآء وقال : إلهي وسيدي ومولاي بجاه هذا المحبوب الذي زاد فيه تفكري إلا ما رددت علي بصري ، فما استتم كلامه حتى رد الله عليه بصره ، فقال الراهب للرهبان : كيف رأيتم جاه هذا المحبوب عند علام الغيوب ، ثم أنشأ يقول : بدا النور من وجه النبي فأشرقا * وأحيا محبا بالصبابة محرقا وأبرأ عيونا قد عمين من البكاء * وأصبح من سوء المكاره مطلقا ترى هل ترى عيناي طلعة وجهه * وأصبح من رق الضلالة معتقا ثم قال : يا أولادي إن كان هذا النبي المبعوث في هذا الركب ينزل تحت هذه الشجرة فإنها تخضر وتثمر ، فقد جلس تحتها عدة من الانبياء ، وهي من عهد عيسى ابن مريم عليه السلام يابسة ، وهذه البئر لم نر فيها ماء فإنه يأتي إليها ويشرب منها ، فما كان إلا قليلا وإذا الركب قد أقبل وحول البئر قد نزلوا ، وحطوا الاحمال عن الجمال ، وكان النبي صلى الله عليه واله يحب الخلوة بنفسه ، فأقبل تحت الشجرة فاخضرت وأثمرت من وقتها وساعتها ، فما استقر بهم الجلوس حتى قام النبي صلى الله عليه واله فمشى إلى البئر فنظر إليها واستحسن عمارتها ، وتفل فيها فتفجرت منها عيون كثيرة ، ونبع منها ماء معين ، فلما رأى الراهب ذلك قال : يا أولادي هذا هو المطلوب فبادروا بصنع الولائم من أحسن الطعام لنتشرف بسيد بني هاشم ، فإنه سيد الانام ، لنأخذ منه الذمة لسائر الرهبان ، فبادر القوم لامره طائعين ، وصنعوا الولائم ، وقال لهم : انزلوا إلى أمير هذا القوم وقولوا له : إن أبانا يسلم عليك ، ويقول لك : إنه قد عمل وليمة وهو يسألك أن تجيبه وتأكل من زاده ، فنزل بعض الرهبان فما رأى أحسن من أبي جهل لعنه الله ، ولم ير رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأخبر أبا جهل بمقالة الراهب ، فنادى في العرب : إن هذا الراهب قد صنع لاجلي وليمة ، واريد أن تجيبوا لدعوته ، فقال القوم : من نترك عند أموالنا ؟ فقال أبوجهل : اجعلوا محمدا عند أموالنا فهو الصادق الامين ، وفي هذا المعنى قيل : شعر : ومناقب شهد العدو بفضلها * والفضل ما تشهد به الاعداء فسار القوم إلى النبي صلى الله عليه واله وسألوه أن يجلس عند متاعهم . وسار القوم إلى الراهب يتقدمهم أبوجهل لعنه الله ، وقد أعجب بنفسه ، فلما دخلوا الدير أحضر لهم الطعام وناداهم بالرحب والاكرام ، فأخذ القوم في الاكل ، وأخذ الراهب القلنسوة جعل ينظر فيه ويدور على القوم رجلا رجلا ، وجعل ينظر فيهم رجلا رجلا ، فلم ير صفة النبي صلى الله عليه وآله ، فرمى القلنسوة عن رأسه ونادى : واخيبتاه ، واطول شقوتاه ، ثم جعل يقول : شعرا : يا أهل نجد تقضى العمر في أسف * منكم وقلبي لم يبلغ أمانيه يا ضيعة العمر لا وصل ألوذ به * من قربكم لا ولا وعد ارجيه قال : ثم بعد ذلك قال : يا سادات قريش هل بقي منكم أحمد ؟ فقال أبو جهل : نعم بقي منا صبي صغير أجير على أموال بعض نسائنا ، فما استتم كلامه حتى قام له حمزة وضربه ضربا وجيعا ، وألقاه على قفاه ، وقال : يا وغد الانام لم لا قلت : تأخر منا البشير النذير ، السراج المنير ، وما تركناه عند بضائعنا وأموالنا إلا لامانته وما فينا أصلح منه ، ثم التفت حمزة إلى الراهب وقال : أرني السفر ، وأخبرني بما فيه ، فقال : سيدي هذا سفر فيه صفة النبي صلى الله عليه واله ، لا بالطويل الشاهق ، ولا بالقصير اللاصق ، معتدل القامة ، بين كتفيه علامة ، تظله الغمامة ، يبعث من تهامة ، شفيع العصاة يوم القيامة ، قال العباس : يا راهب إذا رأيته تعرفه ؟ قال : نعم ، قال : سر معي إلى الشجرة ، فإن صاحب هذه الصفة تحتها ، فخرج الراهب من الدير يهرول في خطواته حتى لحق بالنبي صلى الله عليه واله ، فلما رآه نهض قائما لا متكبرا ولا متجبرا ، فقال : مرحبا بالفيلق ، بعد ما قال له الراهب : السلام عليك يا أبا الفتيان ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وعليك السلام يا عالم الرهبان ، ويا ابن اليونان يا ابن عبد الصليب ، فقال الراهب : وما أدراك أني الفيلق بن اليونان بن عبدالصليب ؟ قال : الذي أخبرك أني ابعث في آخر الزمان بالامر العجيب ، فانكب الراهب على قدميه يقبلهما وهو يقول : يا سيد البشر ، لعلك أن تجيب لوليمتنا لتحصل لنا بها الكرامة . ونفوز بمحبتك يوم القيامة ، فقال له النبي صلى الله عليه واله : اعلم أن القوم أودعوني في أموالهم ، فقال : يا مولاي تصدق علينا بالمسير ، إن عدم لهم عقال علي ببعير ، فقال له النبي صلى الله عليه واله : سر ، وسار معهم إلى ديرهم ، وكان له بابان : واحد كبير ، والآخر صغير ، وقد وضعوا بحيال الباب الصغير كنيسة فيها تصاوير وتماثيل ، فاذا دخل الرجل من الباب الصغير ينحني برأسه ، وذلك برسم السجود للتصاوير في الكنيسة ، فخطر في نفسه أنه يدخل النبي صلى الله عليه واله من الباب الصغير ليتلذذ بمعاجزه وغرائب كراماته ، فلما دخل الراهب أمامه داخله الفزع من النبي صلى الله عليه واله فلما دخل النبي صلى الله عليه واله من الباب القصير أمر الله تعالى عضادتي الباب أن ترتفع ، فارتفع الباب حتى دخل النبي صلى الله عليه واله منتصب القامة ، فلما أشرف على القوم قاموا له إجلالا ، وأجلسوه في أوساطهم على أعلى مكان ، ووقف الراهب بين يديه ، والرهبان حوله ، فقدموا بين يديه طرائف الشام ، ثم رمق الراهب بطرفه إلى السمآء فقال : إلهي وسيدي ومولاي أرني خاتم النبوة ، فأرسل الله عزوجل جبرئيل ورفع ثيابه عن ظهره ، فبان خاتم النبوة بين كتفيه ، فسطع منه نور ساطع ، فلما رآه الراهب خر ساجدا هيبة من ذلك النور ، ثم رفع رأسه وقال : هو أنت حقا ، ثم إن حمزة أنشأ يقول : أنت المظلل بالغمام وقد رأى * الرهبان أنك ذاك وانكشف الخبر ربيت في بحبوح مكة بعد ما * وضع الخليل وفاق فخرك من فخر ورضعت في سعد لثدي حليمة * كرما ففاض الثدي نحوك وانحدر قال : فشكره النبي صلى الله عليه واله وتفرق القوم إلى رحالهم ، وقد كمد أبوجهل غيظا ، وبقي ميسرة والراهب مع النبي صلى الله عليه واله فقال الراهب : يا سيدي أبشر ، فإن الله يوطئ لك رقاب العرب ، وتملك سائر البلاد ، وينزل عليك القرآن ، وتدين لك الانام ، ودينك عند الله هو الاسلام ، وتنكس الاصنام ، وتمحق الاديان ، وتخمد النيران ، وتكسر الصلبان ، ويبقى ذكرك إلى آخر الزمان ، فأسألك يا سيدي أن تتصدق علينا بالذمام لسائر الرهبان لتأخذ منهم امتك الجزية في ذلك الزمان ، فياليتني كنت معك حتى تبعث يا سيدي ، فأعطاهم النبي صلى الله عليه واله الذمام ، وأكرمهم غاية الاكرام . وقال الراهب لميسرة : يا ميسرة اقرأ مولاتك مني السلام ، واعلم أنها قد ظفرت بسيد الانام ، وأنه سيكون لك شأن من الشأن ، وتفضل على سائر الخاص والعام ، واحذرها أن تفوتها القرب من هذا السيد ، فإن الله تعالى سيجعل نسلها من نسله ، وتبقى ذكرها إلى آخر الزمان ، ويحسدها عليه كل أحد ، وأعلمها أنه لا يدخل الجنة إلا من يؤمن به ، ويصدق برسالته ، وأنه أشرف الانبياء وأفضلهم ، وأصفاهم سريرة ، واحذر عليه من أعدائه اليهود في الشام حتى يعود إلى بيت الحرام ، ثم ودع الراهب وخرج النبي صلى الله عليه واله ولحق بالقوم ، وساروا من وقتهم وساعتهم إلى أن نزلوا بأرض الشام ، وحطوا رحالهم ، فبادر أهل المدينة ، واشتروا بضاعتهم ، وباعت قريش بضائعها بأغلى أثمان ، في أحسن بيع ، وأما ما كان من النبي صلى الله عليه واله فإنه لم يبع شيئا من بضاعته ، فقال أبوجهل لعنه الله : والله ما رأت خديجة سفرة أشأم من هذه ، لم يبع من بضاعتها شيئا ، فلما أصبح الصباح نادى العرب ، فلما أقبلت من كل جانب ومكان يريدون البضائع ، فلم يجدوا إلا بضائع خديجة ، فباعها النبي صلى الله عليه واله بأضعاف ما باعت قريش ، فاغتم أبوجهل لذلك غما شديدا ، ولم يبق من بضائع خديجة إلا حمل أديم ، فجاء رجل من اليهود يقال له سعيد بن قطمور ، وكان من أحبار اليهود وكهانهم ، وكان قد اطلع على صفة النبي صلى الله عليه واله فلما نظر إليه عرفه بالنور ، وقال : هذا الذي يسفه أحلامنا ، ويعطل أدياننا ، ويرمل نسواننا ، وأنا أحتال على قتله ، ثم دنا من النبي صلى الله عليه واله وقال : يا سيدي بكم هذا الحمل ؟ فقال : بخمس مأة درهم ، لا ينقص منها شئ ، قال : اشتريت بشرط أن تسير معي إلى منزلي ، وتأكل من طعامي حتى تحصل لنا البركة ، فقال النبي صلى الله عليه واله : نعم ، فأخذ اليهودي حمل الاديم وسار إلى منزله ، وسار النبي صلى الله عليه واله ، فلما قرب اليهودي من منزله سبق إلى زوجته ، وقال لها : اريد منك أن تساعديني على قتل هذا الذي يعطل أدياننا ، قالت : وكيف أصنع به ؟ قال : خذي فردة الرحى واقعدي على باب الدار ، فإذا رأيتيه قبض منا ثمن حمل الاديم وخرج امي عليه فردة الرحى حتى تقتليه ، ونستريح منه ، قال : فأخذت زوجة اليهودي الرحى ، وطلعت على سطح الدار ، فلما خرج النبي صلى الله عليه واله همت أن تلقى عليه الرحى فأمسك الله يديها ، ورجف قلبها ، وقد غشي عليها من نور وجه رسول الله صلى الله عليه واله ، وكان لها ولدان قائمان بفناء الدار فسقطت الرحى عليهما فماتا ، فلما نظر اليهودي إلى ما جرى على أولاده نادى بأعلى صوته : يا بني قريظة فأجابوه من كل جانب ومكان ، وقالوا له : ما ورائك ؟ قال : اعلموا أنه قد حل ببلدكم هذا الرجل الذي يعطل أديانكم ، ويسفه أحلاكم ، وقد دخل منزلي ، و أكل من طعامي ، وقتل أولادي ، فلما سمعت اليهود ذلك منه ركبوا خيولهم ، وجردوا سيوفهم ، وحملوا على قريش بأجمعهم ، فلما نظر أعمام النبي صلى الله عليه واله إلى اليهود لبسوا دروعهم وبضهم وركبوا خيولهم العربية ، وارتفع الصياح ، وشهروا الصفاح ، وقالوا : ما أبركه من صائح صاح ، وركب حمزة على جواده وهو أشقر مضمر ، حسن المنظر ، مليح المخبر ، صافي الجوهر ، من خيل قيصر ، وتقلد سيفه ، واعتقل رمحه ، ولبس درعه ، وحملى على اليهود فهناك جاشت عليهم الخيل من كل مكان ، وحل بهم الوبال ، فأجمع رأيهم على أن ينفذوا منهم سبعة رجال من رؤسائهم بلا سلاح ، فلما رأتهم قريش من غير سلاح قالوا : ما شأنكم ! قالوا : يا معشر العرب إن هذا الرجل الذي معكم - يعنون بذلك النبي صلى الله عليه واله - أول من يبدئ بخراب دياركم ، وقتل رجالكم ، وتكسير أصنامكم ، والرأي عندنا أن تسلموه لنا حتى نقتله ونستريح منه نحن وأنتم ، فلما سمع حمزة الكلام قال : يا ويلكم هيهات هيهات أن نسلمه إليكم ، فهو نورنا وسراجنا ، ولو تلفت فيه ارواحنا فهي فداه دون اموالنا ، فلما سمع اليهود ذلك آيسوا من بلوغ مرادهم ، ورجعوا على أعقابهم ، فلما عاين قريش اليهود وقد إنقلب بعضهم على بعض رأوها فرصة فرحل القوم يجدون السير إلى ديارهم ، وقد غنموا أسلابا من اليهود ، وخيلهم وسلاحهم ، وقد فرحوا بالنصر والظفر ، فلما استقاموا على الطريق قال لهم ميسرة : ما منكم أحد يا قوم إلا وقد سافر مرة أو مرتين أو أكثر ، فهل رأيتم أبرك من هذه السفرة ، وأكثر من ربحها ؟ وما ذلك إلا ببركة محمد صلى الله عليه واله ، وهو قد نشأ فيكم وهو قليل المال ، فهل لكم أن تجمعوا له شيئا من بينكم على جهة الهدية حتى يستعين به على حاله ، فقالوا له : والله لقد أصبت الرأي يا ميسرة ، ثم إن القوم نزلوا منزلا كثير الماء والاشجار والانهار ، فاستخرج كل واحد منهم شيئا لطيفا ، وجاؤا به على سبيل الهدية ، وكان يحب الهدية ، ويكره الصدقة ، فلما جمعوه بين يديه قالوا له : خذها مباركة عليك ، فدفعها إلى ميسرة ولم يرد جوابا ، ثم إن القوم رحلوا يجدون السير ، ويقطعون الفيافي والاودية إلى أن نزلوا دير الراهب ، وهو الوادي الذي تزودوا منه التمر ، ثم إنهم رحلوا حتي قربوا من مكة ونزلوا بحجفة الوداع ، فأخذ الناس ينفذون إلى أهاليهم يبشرونهم بقدومهم وغنمهم ، قال أبوجهل لعنه الله : يا قوم ما رأيت ربحا أكثر من سفرتنا هذه ، فقالو : نعم ، قال : وأكثرنا أرباحا محمد صلى الله عليه واله ، قال : ما كنت أحسب أنه يجلبهم من أماكنهم ، ويبيع عليهم بأغلى الثمن ، ثم أخذ القوم في إنفاذ رسلهم ، ونفذ أبوجهل وغيره رسلا ، فأقبل ميسرة إلى النبي صلى الله عليه واله وقال : يا قرة العين هل ارشدك إلى خير يصل إليك ؟ قال : ما هو ؟ قال : تسير من وقتك وساعتك إلى مولاتي خديجة ، وتبشرها بسلامة أموالنا ، فإنها تعطي من يبشرها خيرا كثيرا ، وأنا احب أن يكون ذلك لك ، فقم الآن وسر إلى مكة ، وادخل على مولاتي خديجة وبشرها بسلامة أموالها ، فقام النبي صلى الله عليه واله وقال : يا ميسرة اوصيك بمالك ونفسك خيرا ، وركب مستقبل الطريق وحده يريد مكة ، وغاب عن الابصار ، فبعث الله ملكا يطوي له البعيد ، ويهون عليه الصعب الشديد ، فلما أشرف على الجبال أرسل الله عليه النوم ، فنام ، فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل : أن اهبط إلى جنات عدن ، واخرج منه القبة التي خلقتها لصفوتي محمد صلى الله عليه واله قبل أن أخلق آدم عليه السلام بألفي عام ، وانشرها على رأسه ، وكانت من الياقوت الاحمر ، معلقة بعلائق من اللؤلؤ الابيض يرى باطنها من ظاهرها ، وظاهرها من باطنها ، لها أربعة أركان ، وأربعة أبواب ، ركن من الربدجد ، وركن من الياقوت ، وركن من العقيان وركن من اللؤلؤ ، وكذا الابواب ، فنزل جبرئيل واستخرجها فتباشرت الحور العين ، وأشرفت من قصورها ، وقلن : لك الحمد يا رحمان ، هذا الآن يبعث صاحب القبة وهبت ريح الرحمة ، وصفقت الاشجار ، ونشر جبرئيل عليه السلام القبة على رأس النبي صلى الله عليه واله ، وأحدقت الملائكة بأركانها ، ثم أعلنوا بالتقديس والتسبيح ، ونشر جبرئيل بين يديه ثلاثة أحلام ، وتطاولت الجبال ، ونادت الاشجار والاطيار والاملاك ، يقولون : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله صلى الله عليه واله ، هنيئا لك من عبد ، ما أكرمك على الله تعالى ؟ قال : وكانت خديجة متكئة على موضع عال وجواريها حولها ، وعندها جماعة من نساء قريش ، وهي تطيل النظر إلى شعاب مكة ، إذ كشف الله تعالى عن بصرها دون غيرها ، وقد نظرت نورا ساطعا وضياء لامعا من جهة باب المعلى ، ثم إنها حققت النظر فرأت القبة والمحدقين بها ، ناشرين أعلامها ، والنبي صلى الله عليه واله نائم بها ، فحارت في أمرها ، فجعلت تنظر إليه ، فقلن لها النسوة : ما لنا نراك باهتة يا بنت العم ؟ فقالت : يا بنات العرب أنا نائمة أم يقظانة ؟ فقلن : نعيذك بالله ، بل أنت يقظانة ، قالت لهن : انظروا إلى باب المعلى وانظروا إلى القبة ، قلن : نعم رأينا ، قالت لهن : وما الذي ترون غير ذلك ؟ قلن : نرى نورا ساطعا ، وضيآء لامعا ، قد بلغ عنان السمآء ، قالت : وما الذي ترون غير ذلك ؟ قلن : لم نر شيئا ، قالت : أما ترون القبة و والراكب والاطيار الخضر المحدقين بالقبة ، فقلن لها : لم نر شيئا ، قالت : أرى راكبا أبهى من نور الشمس في قبة خضرآء لم أر أحسن منها على ناقة واسعة الخطا ، ولا شك أن الناقة هي ناقتي الصهبآء ، والراكب محمد صلى الله عليه واله ، فقلن : يا سيدتنا ومن أين لمحمد صلى الله عليه واله ما تقولين ، وليس يقدر على هذا كسرى ولا قيصر ؟ فقالت لهن : فضل محمد أعظم من ذلك ، ثم إن الناقة دخلت بين الشعاب ، ثم قصدت باب المعلى ، ثم إن الملائكة عرجت إلى السمآء ، وعرج جبرئيل عليه السلام بالقبة والاعلام ، وانتبه النبي صلى الله عليه واله من نومه ، ودخل مكة ، وقصد منزل خديجة فوجدها وهي تقول : متى يصل محمد حتى امتع بالنظر إليه ؟ وهي تقوم وتقعد ، وإذا بالنبي صلى الله عليه واله قد قرع الباب ، قالت الجارية : من بالباب ؟ قال : أنا محمد ، قد جئت ابشر خديجة بقدوم أموالها وسلامتها ، فلما سمعت خديجة كلام رسول الله صلى الله عليه واله انحدرت إلى وسط الدار ، ووقفت بالحجاب ، وفتحت الجارية الباب ، فقال : السلام عليكم يا أهل البيت ، فقالت خديجة : هنيئا لك السلامة يا قرة عيني ، قال : وأنت يهنئك سلامة أموالك ، قالت خديجة : تهنئني سلامتك أنت يا قرة العين ، فوالله أنت عندي خير من جميع الاموال والاهل ، ثم قالت : شعرا : جآء الحبيب الذي أهواه من سفر * والشمس قد أثرت في وجهه أثرا عجبت للشمس من تقبيل وجنته * والشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا ثم قالت : يا حبيبي أين خلفت الركب ؟ قال : بالجحفة ، قالت : ومتى عهدك بهم ؟ قال : ساعتي هذه ، فلما سمعت خديجة كلامه اقشعر جلدها ، وقالت : سألتك بالله إنك فارقتهم بالجحفة ؟ قال : نعم ، ولكن طوى الله لي البعيد ، قالت : والله ما كنت احب أن تجئ هكذا وحيدا ، إنما كنت احب أن تكون أول القوم ، وأنظر إليك ، وأنت مقدم الرجال ، وارسل إليك جواري على رؤوس الجبال بأيديهم المباخر والمعازف ، وآمر عبيدي بالذبايح والعقائر ، ويكون لك يوم مشهور ، قال : يا خديجة إني أتيت ولم يعلم بي أحد من أهل مكة ، فإن أمرتيني بالرجوع رجعت من هذه الساعة وتفعلين مرادك ؟ فقالت له : يا سيدي امهل قليلا ، ثم عملت له زادا ساخنا فوضعته في مزادة ، و كانت العرب تعرفه بنقائه وطيب ريحه ، وملات له قربة من ماء زمزم ، وقالت له : ارجع أودعتك من طوى لك البعيد من الارض ، فرجع النبي صلى الله عليه واله ، ثم إن خديجة رجعت إلى موضعها لتنظر هل تعود القبة أم لا ، وإذا بالقبة قد عادت وجبرئيل قد نزل ، والملائكة قد أحدقوا بها كالاول ، ففرحت خديجة بذلك ، وأنشأت تقول : نعم لي منكم ملزم أي ملزم * ووصل مدى الايام لم يتصرم ولو لم يكن قلب المتيم فيكم * جريحا لما سالت دموعي بالدم ولم يخل طرفي ساعة من خيالكم * ومن حبكم قلبي ومن ذكركم فمي ولو جبلا حملتموه بعادكم * لمال وما زال جسمي وأعظمي أشد على كبدي يدي فيردها * بما فيه من وجد من الشوق مضرم طويت الهوى والشوق ينشر طيه * وكتمت أشجاني فلم تتكتم فيارب قد طالت بنا شقة النوى * وأنت قدير تنظم الشمل فانظم قال : ثم إن النبي صلى الله عليه واله سار قليلا والتحق بالقوم ، وبعضهم يقظان ، و بعضهم رقود ، فلما أحس به ميسرة قال : من الطارق في هذا الليل العاكر ؟ قال : أنا محمد بن عبدالله . قال : يا سيدي ما عهدتك أن تهزء وعهدي بك أنك سائر ، فما الذي أرجعك يا سيدي ؟ فقال له : يا ميسرة إني سافرت ثم عدت ، فضحك ميسرة وقال : سافرت إلى ذيل هذا الجبل ، ثم عدت ؟ قال النبي صلى الله عليه واله : بل قصدت البيت الحرام ، فقال له ميسرة : ما عهدت منك يا سيدي إلا الصدق ، فقال : يا ميسرة ما قلت لك إلا الصدق ، فإن كان عندك شك فهذا خبز مولاتك خديجة ، وهذا ماء زمزم ، فلما نظر ميسرة إلى ذلك نهض قائما على قدميه ، ونادى : يا معاشر قريش ، ويا بني النضر ، ويا بني زهرة ، ويا بني هاشم هل غاب محمد عنكم غير ساعتين أو أقل من ذلك ؟ فقالوا : نعم ، قال : قد سار إلى مكة ورجع ، وهذا خبز مولاتي خديجة ، وهذا ماء زمزم ، فتعجب القم ودهشت عقولهم ، وصاح أبوجهل لعنه الله وقال : لا يبعد هذا على الساحر ، فلما أصبح الصباح بلغ العرب ، سبق الخبر بقدوم القافلة ، وخرج أهل مكة مبادرين ، وسبق عبيد خديجة وجواريها و تفرقوا في شعاب مكة وأوديتها ، بأيديهم المعازف والمباخر ، فكان النبي صلى الله عليه واله ما يمر على عبد من عبيد خديجة إلا يعقر ناقة فرحا بقدومه ، ثم تفرق الناس إلى منازلهم ، و نظرت خديجة إلى جمالها وقد أقبلت كالعرائس ، وكانت معتادة أن يموت بعض جمالها ويجرب بعضها إلا تلك السفرة فإنها لم تنقص منها شعرة ، فوقف قريش متعجبين من تلك الجمال ، كلما مر بهم جمل بإزائه ناقة هيفاء فيقولون : لمن هذا ؟ فيقال هذا ما أفاده محمد صلى الله عليه واله لخديجة من الشام ، فذهلت عقول قريش لذلك ، فلما اجتمعت أموال خديجة فكوا رحالها ، وعرضوا الجميع على خديجة وكانت جالسة خلف الحجاب ، والنبي صلى الله عليه واله جالس وسط الدار ، وميسرة يعرض عليها الامتعة شيئا فشيئا ، فنظرت خديجة إلى شئ قد أدهشها ، فبعثت إلى أبيها تعرفه بذلك ، وترغبه في محمد صلى الله عليه واله ، فلم تك إلا ساعة واحدة وإذا بخويلد قد أقبل ودخل منزل ابنته خديجة ، وهو متزين بالثياب ، متقلد سيفا ، فلما نظرت إليه قامت وأجلسته إلى جنبها ، وابتدأته بالترحيب ، وجعلت تعرض عليه البضائع ، وهي تقول : يا أبت هذا كله ببركة محمد صلى الله عليه واله ، والله يا أبتاه إنه مبارك الطلعة ، ميمون الغرة فما ربحت ربحا أغنم من هذه السفرة ، ثم التفت إلى ميسرة وقالت : حدثني كيف كان سفركم ؟ وما الذي عاينتم من محمد صلى الله عليه واله ؟ قال : يا سيدتي وهل اطيق أن أصف لك بعضا من صفاته وما عاينت منه صلى الله عليه واله ؟ ثم أخبرها بحديث السيل ، والبئر ، والثعبان ، والنخل ، وما أخبره الراهب ، وما أوصاه إلى خديجة ، فقالت : حسبك يا ميسرة : لقد زدتني شوقا إلى محمد صلى الله عليه واله ، إذهب فأنت حر لوجه الله ، وزوجتك وأولادك ، ولك عندي ما تادرهم ، وراحلتان ، وخلعت عليه خلعة سنية ، وقد امتلا سرورا وفرحا ، ثم إن خديجة التفتت إلى النبي صلى الله عليه واله وقالت : ادن مني فلا حجاب اليوم بيني وبينك ، ثم رفعت عنها الحجاب ، وأمرت أن ينصب له كرسي من العاج والآبنوس ، وأجلسته عليه ، وقالت : يا سيدي كيف كان سفركم ؟ فأخذ يحدثها بما باعه وما شراه ، فرأت خديجة ربحا عظيما ، وقالت : يا سيدي لقد فرحتني بطلعتك ، وأسعدتني برؤيتك ، فلا لقيت بؤسا ، ولا رأيت نحوسا ، ثم جعلت تقول : شعرا : فلو أنني أمسيت في كل نعمة * ودامت لي الدنيا وملك الاكاسرة فما سويت عندي جناح بعوضة * إذا لم يكن عيني لعينك ناظرة قال : ثم إن خديجة قالت : يا سيدي لك عندي حق البشارة زيادة على ما كان بيننا فهل لك الساعة من حاجة فتقضى ؟ قال صلى الله عليه واله : حتى أستريح وأعود إليك ، ثم خرج و دخل منزله عمه أبي طالب ، وكان أبوطالب فرحا بما عاين من ابن أخيه ، فقبل ما بين عينيه وجاءت أعمامه حوله ، وقال أبوطالب : يا ولدي ما الذي أعطتك خديجة ؟ قال : وعدتني الزيادة على ما بيننا ، قال : هذه نعمة جليلة ، وقد عزمت أن أترك لك بعيرين تسافر عليهما ، وراحلتين تصلح بهما شأنك ، وأما الذهب والفضة أخطب لك بهما فتاة من نسوان قريش من قومك ثم لا ابالي بالموت حيث أتى ، وكيف نزل ، فقال : يا عماه افعل ما بدا لك ، فلما كان وقت الغداة اغتسل النبي صلى الله عليه واله من وعك السفر ، وتطيب وسرح رأسه ، ولبس أفخر أثوابه وسار إلى منزل خديجة ، فلم يجد عندها سوى ميسرة ، فلما رأته فرحت بقدومه ، وجعلت تقول : دنا فرمى من قوس حاجبه سهما * فصادفني حتى قتلت به ظلما وأسفر عن وجه وأسبل شعره * فبات يباهي البدر في ليلة ظلماء ولم أدر حتى زار من غير موعد * على رغم واش ما أحاط به علما وعلمني من طيب حسن حديثه * منادمة يستنطق الصخرة الصماء قال : ثم التفت إليه وقالت : يا سيدي نعمت الصباح ، ودامت لك الافراح ، هل من حاجة فتقضى ؟ فاستحيا وطأطأ رأسه وعرق جبينه ، فأقبلت عليه تلاطفه في الكلام ، ثم قالت : يا سيدي إذا سألتك عن شئ تخبرني ؟ قال : نعم ، قالت خديجة : إذا أخذت الجمال والمال من عندي ما تريد أن تصنع به ؟ قال لها : وما تريدين بذلك يا خديجة ؟ قالت : أزيدك وما أقدر عليه ، قال اعلمى أن عمي أبا طالب قد أشار على أن يترك لي بعيرين اسافر بهما ، وبعيرين أصلح بهما شأني ، والذهب والفضة يخطب لي بهما امرأة من قومي تقنع مني بالقليل ، ولا تكلفني ما لا اطيق ، فتبسمت خديجة ، وقالت : يا سيدي أما ترضى أني أخطب لك امرأة تحسن بقلبي ؟ قال : نعم ، قالت : قد وجدت لك زوجة ، وهي من أهل مكة من قومك ، وهي أكثرهن مالا واحسنهن جمالا وأعظمهن كمالا ، و أعفهن فرجا ، وأبسطهن يدا ، طاهرة مصونة ، تساعدك على الامور ، وتقنع منك بالميسور ولا ترضى من غيرك بالكثير ، وهي قريبة منك في النسب ، يحسدك عليها جميع الملوك والعرب ، غير أني أصف لك عيبها ، كما وصفت لك خيرها ، قال : وما ذلك ؟ قال : عرفت قبلك رجلين ، وهي أكبر منك سنا ، قال صلى الله عليه واله : سميها لي ، قالت : هي مملوكتك خديجة ، فأطرق منها خجلا حتى عرق جبينه : وأمسك عن الكلام ، فأعادت عليه القول مرة اخرى ، وقالت : يا سيدي مالك لا تجيب ؟ وأنت والله لي حبيب ، وإني لا اخالف لك أمرا ، و أنشأت تقول : يا سعد إن جزت بوادي الاراك * بلغ قليبا ضاع مني هناك واستفت غزلان الفلا سائلا * هل لاسير الحب منهم فكاك ؟ وإن ترى ركبا بوادي الحمى * سائلهم عنى ومن لي بذاك ؟ نعم سروا واستصحبوا ناظري * والآن عيني تشتهي أن تراك ما في من عضو ولا مفصل * إلا وقد ركب منه هواك عذبتني بالهجر بعد الجفاء * يا سيدي ماذا جزاء بذاك ؟ فاحكم بما شئت وما ترتضي * فالقلب ما يرضيه إلا رضاك قال : ثم ألحت عليه بالكلام ، فقال لها : يا ابنة العم أنت امرأة ذات مال ، وأنا فقير لا أملك إلا ما تجودين به علي ، وليس مثلك من يرغب في مثلي ، وأنا أطلب امرأة يكون حالها كحالى ، ومالها كمالي ، وأنت ملكة لا يصلح لك إلا الملوك ، فلما سمعت كلامه قالت : والله يا محمد إن كان مالك قليلا فمالي كثير ، ومن يسمح لك بنفسه كيف لا يسمح لك بماله ؟ وأنا ومالي وجواري وجميع ما أملك بين يديك وفي حكمك ، لا أمنعك منه شيئا ، وحق الكعبة والصفا ما كان ظني أن تبعدني عنك ، ثم ذرفت عبرتها وقالت : شعرا : والله ما هب نسيم الشمال * إلا تذكرت ليالي الوصال ولا أضا من نحوكم بارق * إلا توهمت لطيف الخيال أحبابنا ! ما خطرت خطرة * منكم غداة الوصل مني ببال جور الليالي خصني بالجفا * منكم ومن يأمن جور الليل ؟ رقوا وجودوا واعطفوا وارحموا * لا بد لي منكم على كل حال قال : ثم إن خديجة قالت : ورب احتجب عن الابصار ، وعلم حقيقة الاسرار أني محقة لك في هذا الامر ، قم إلى عمومتك وقل لهم : يخطبوني لك من أبي ، ولا تخف من كثرة المهر ، فهو عندي وأنا أقوم لك بالهدايا والمصانعات ، فسر وأحسن الظن فيمن أحسن بك الظن ، فخرج النبي صلى الله عليه واله من عندها ، ودخل على عمه أبي طالب و السرور في وجهه ، فوجد أعمامه مجتمعين ، فنظر إليه أبوطالب وقال : يابن أخي يهنئك ما أعطتك خديجة وأظنها قد غمرتك من عطاياها ، قال محمد صلى الله عليه واله : يا عم لي إليك حاجة ، قال : وما هي ؟ قال ، تنهض أنت وأعمامي هذه الساعة إلى خويلد ، وتخطبون لي منه خديجة ، فلم يرد أحد منهم عليه جوابا غير أبي طالب ، فقال : يا حبيبي إليك نصير ، وبأمرك نستشير في امورنا ، وأنت تعلم أن خديجة امرأة كاملة ميمونة فاضلة تخشي العار ، وتحذر الشنار ، وقد عرفت قبلك رجلين : أحدهما عتيق بن عائذ ، والآخر عمرو الكندي ، وقد رزقت منه ولدا ، وخطبها ملوك العرب ورؤساؤهم وصناديد قريش وسادات بني هاشم وملوك اليمن وأكابر الطائف ، وبذلوا لها الاموال ، فلم ترغب في أحد منهم ، ورأت أنها أكبر منهم ، وأنت يابن أخي فقير لا مال لك ولا تجارة ، وخديجة امرأة مزاحة عليك ، فلا تعلل نفسك بمزاحها ، ولا تسمع قريشا هذا الامر ، فقال أبولهب : يا ابن أخي لا تجعلنا في أفواه العرب ، وأنت لا تصلح لخديجة ، فقام إليه العباس وانتهره ، وقال : والله إنك لرذل الرجال ، ردي الافعال ، وما عسى أن يقولوا في ابن أخي ، والله إنه أكثر منهم جمالا ، وأزيد كمالا ، وبماذا تتكبر عليه خديجة ؟ لمالها أم لزيادة كمالها وجمالها ؟ فاقسم برب الكعبة لان طلبت عليه مالا لاركبن جوادي وأطوف في الفلوات ، ولادخلن على الملوك حتى أجمع له ما تطلب عليه خديجة . قال النبي صلى الله عليه واله : يا معاشر الاعمام قد أطلتم الكلام فيما لا فائدة فيه ، قوموا واخطبوا لي خديجة من أبيها ، فما عندكم من العلم مثل ما عندي منها ، فنهضت صفية بنت عبدالمطلب رضي الله عنها ، وقالت : والله أنا أعلم أن ابن أخي صادق فيما قاله ، ويمكن أن تكون خديجة مازحة عليه ، ولكن أنا أروح وابين لكم الامر ، ثم لبست أفخر ثيابها وسارت نحو منزل خديجة ، فلقيتها بعض جواريها في الطريق فسبقتها إلى الدار ، وأعلمت خديجة بقدوم صفية بنت عبدالمطلب ، وكانت قد عزمت على النوم فأخلت لها المكان ، وقد عثرت خديجة بذيلها ، فقالت : لا أفلح من عاداك يا محمد ، فسمعت صفية كلام خديجة فقالت في نفسها : أجاد الدليل ، ثم طرقت الباب ، ففتح و جاءت إلى خديجة فلقيتها بالرحب والتحية ، وأرادت أن تأتي لها بطعام ، فقالت : يا خديجة ما جئت لآكل طعام ، بل يا ابنة العم جئت أسألك عن كلام أهو صحيح أم لا ؟ فقالت خديجة : بل هو صحيح إن شئت تخفيه أو شئت تبديه ، وأنا قد خطبت محمدا لنفسي ، وتحملت عنه مهري ، فلا تكذبوه إن كان قد ذكر لكم بشئ ، وإني قد علمت أنه مؤيد من رب السماء ، فتبسمت صفية وقالت : والله إنك لمعذورة فيمن أحببت ، والله ما شاهدت عيني مثل نور جبينه ، ولا أعذب من كلام ابن أخي ، ولا أحلى من لفظه ثم أنشأت تقول : شعرا : الله أكبر كل الحسن في العرب * كم تحت غرة هذا البدر من عجب قوامه ثم إن مالت ذوائبه * من خلفه فهي تغنيه عن الادب تبت يد اللآئمي فيه وحاسده * وليس لي في سواه قط من أرب قال : ثم إن صفية رضي الله عنها عزمت على الخروج من بيتها ، فقالت لها خديجة : امهلي قليلا ، ثم أخرجت خلعة سنية وخلعتها على صفية ، وضمتها إلى صدرها ، وقالت يا صفية : بالله عليك إلا ما أعنتيني على وصال محمد صلى الله عليه واله ، قالت : نعم ، ثم خرجت طالبة لاخوتها ، فقالوا لها : ما وراءك يا صفية ، يا ابنة الطيبين ؟ قالت : يا إخواتي قوموا إن كنتم قائمين ، فوالله إن لها في ابن أخيكم محمد صلى الله عليه واله رغبة ليس تدرك ، ففرحوا بذلك كلهم غير أبي لهب ، فإن كلامها زاده غيظا وحسدا لمحمد صلى الله عليه واله ، وذلك بسبب الشقاوة السابقة ، فزعق بهم العباس وقال : فما قعودكم إذ كان قد حصل الامر ؟ فنهضوا جميعا إلى دار خويلد ، وقد عمد أبوطالب إلى النبي صلى الله عليه واله وألبسه أحسن الثياب ، وقلده سيفا ، وأركبه على جواده ، ودار حوله عمومته وكلهم محدقون به ، فلقاهم أبوبكر بن أبي قحافة وقال : إلى أين تريدون يا أولاد عبدالمطلب ؟ لقد كنت قاصدا إليكم في حاجة خطرت ببالي ، فقال له العباس : وما هي ؟ اذكرها ، قال : رأيت في منامي كأن نجما قد ظر في منزل أبي طالب وارتفع إلى افق السماء ، وأنار واستنار إلى أن صار كالقمر الزاهر ، ثم نزل بين الجدران فتبعته ، فإذا هو قد دخل في بيت خديجة بنت خويلد ، ودخل معها تحت الثياب ، فما تأويله ؟ قال له أبوطالب : ها نحن لها قاصدون ، وعلى خطبتها معولون ، ثم ساروا حتى وصلوا منزل خويلد فسبقتهم الجواري إليه ، وكان يشرب الخمر ، وقد لعب الخمر في رأسه ، فلما نظر إلى بني هاشم قام لهم وقال : مرحبا وأهلا بأبناء آبائنا وأعز الخلق علينا ، فقال أبوطالب : يا خويلد ما جئنا إلا لحاجة ، وأنت تعلم قربنا منكم ، ونحن في هذا الحرم أبناء أب واحد ، وقد جئنا خاطبين ابنتك خديجة لسيدنا ، ونحن لها راغبون ، فقال خويلد : ومن الخاطب منكم ؟ ومن المخطوبة مني ؟ فقال أبوطالب : الخاطب منا محمد ابن أخي ، و المخطوبة خديجة ، فلما سمع ذلك خويلد تغير لونه وكبر عليه وقال : والله إن فيكم الكفاية ، وأنتم أعز الخلق علينا ، ولكن خديجة قد ملكت نفسها وعقلها أوفر من عقلي . وأنا لم تطب قلبي إن خطبها الملوك ، فكيف وهذا محمد فقير صعلوك ؟ فقام إليه حمزة رضي الله عنه فقال له : لا يقدر اليوم بأمس ، ولا تشاكل القمر بالشمس يا بادي الجهل ، ويا خسيف العقل ، أما علمت أنك قد ضل رشدك . وغاب عقلك ، أتثلب ابن أخينا ؟ أما علمت أنه إذا أراد أموالنا وأرواحنا قدمنا الكل بين يديه ، ولكن سوف يبين لك غب فعلك ، ثم نفض أثوابه ونهض ، ونهض إخواته وساروا إلى منازلهم ، وبلغ الخبر خديجة من جارية لها ، فقالت : ما وراءك ؟ قالت : أمر يغم القلوب ، فقالت لها : ماذا يا ويحك ؟ قالت : إن أباك قد رد أولاد عبدالمطلب خائبين ، فلما سمعت خديجة كلامها قالت : اطلبي لي عمي ورقة ، فخرجت الجارية وعادت ومعها ورقة ، فلما جاءها استقبلته بأحسن قبول ، وقالت : مرحبا بك يا عم ، فلا غابت طلعتك عني ، ثم طرقت إلى الارض وقد قطب حاجباها ، فقال ورقة : حاشاك يا خديجة من السوء ، ما الذي حل بك ؟ قالت : يا عم ما حال السائل ؟ وما نال المسؤل ؟ قال : في أنحس حال ، قال : ولكن أراك يا خديجة تخاطبيني بهذا الكلام ، كأنك تريدين الزواج ؟ قالت : أجل ، قال : يا خديجة لقد خطبك الملوك والصناديد ، ولم ترضى بأحد منهم ، قالت : ما اريد من يخرجني من مكة ، فقال : والله ما منها أحد إلا وقد خطبك ، مثل شيبة بن ربيعة ، وعقبة بن أبي معيط ، وأبي جهل بن هشام ، والصلت بن أبي يهاب فأبيتي عنهم جميعا ، قالت : ما اريد من فيه عيب ، ثم قالت : يا عم صف لي عيبهم ، قال : يا خديجة أما شيبة ففيه سوء الظن ، و أما عقبة فهو كثير السن ، وأما أبوجهل فهو بخيل متكبر ، كريه النفس ، وأما الصلت فهو رجل مطلاق ، فقالت : لعن الله من ذكرت ، وهل تعلم أنه خطبني غير هؤلاء ؟ قال : سمعت أنه قد خطبك محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم ، قالت يا عم صف لي عيبه ، وكان ورقة عنده علم من الكتب السالفة بما يكون من أمر محمد صلى الله عليه واله ، فلما سمع كلامها طأطأ رأسه وقال : أصف لك عيبه ؟ قالت : نعم ، قال : أصله أصيل ، وفرعه طويل وطرفه كحيل ، وخلقه جميل ، وفضله عميم ، وجوده عظيم ، والله يا خديجة ما كذبت فيما قلت ، قالت : يا عم صف لي عيبه كما وصفت لي خيره ، قال : يا خديجة : وجهه أقمر ، وجبينه أزهر ، وطرفه أحور ، ولفظه أعذب من المسك الاذفر ، وأحلى من السكر ، وإذا مشى كأنه البدر إذا بدر ، والوبل إذا أمطر ، قالت : يا عم صف لي عيبه ، قال : يا خديجة مخلوق من الحسن الشامخ ، والنسب الباذخ ، وهو أحسن العالم سيرة ، وأصفاهم سريرة ، إذا مشى تخاله ينحدر من صبب ، شعره كالغيهب ، وخده أزهر من الورد الاحمر ، وريحه أزكى من المسك الاذفر ، ولفظه أعذب من الشهد وأخير ، اشهدك يا خديجة أني احبه . قالت : يا عم أراك كلما قلت لك : صف لي عيبه وصفت لي حسنه ؟ قال : يا ابنتي وهل أنا أقدر على وصف خيره ، ثم أنشأ يقول : لقد علمت كل القبائل والملا * بأن حبيب الله أظهرهم قلبا وأصدق من في الارض قولا وموعدا * وأفضل خلق الله كلهم قربا فقالت : يا ورقة إن أكثر الناس يثلبونه ، قال : ثلبهم له إنه فقير ، قالت : يا عم أما سمعت قول الشاعر : إذا سلمت رؤوس الرجال من الاذى * فما المال إلا مثل قلم الاظافر ولكن يا عم إذا كان ماله قليلا فما لي كثير ، وإني يا عم محبة له على كل حال ، فقال لها : إذن والله تسعدين وترشدين وتحضين بنبي كريم ، فقالت : يا عم أنا الذي خطبته لنفسي ، فقال لها ورقة : وما الذي تعطيني وأنا ازوجك في هذه الليلة بمحمد ؟ فقالت : يا عم وهل لي شئ دونك ، أم يخفى عليك ؟ وهذه ذخائري بين يديك ، ومنزلي لك ، وأنا كما قال القائل شعرا : إذا تحققتم ما عند صاحبكم * من الغرام فذاك العذر يكفيه أنتم سكنتم بقلبي فهو منزلكم * وصاحب البيت أدرى بالذي فيه ثم قال ورقة : يا خديجة لست اريد شيئا من حطام الدنيا ، وإنما اريد أن تشفعي لي عند محمد صلى الله عليه واله يوم القيامة واعلمي يا خديجة أن بين أيدينا حساب وكتاب وعقاب وعذاب ، ولا ينجو إلا من تبع محمدا ، وصدق برسالته ، فياويل من زحزح عن الجنة وادخل النار ، فلما سمعت خديجة كلامه قالت : يا عم لك عندي ما طلبت ، فخرج ورقة و دخل على أخيه خويلد وقد غلب عليه السكر ، فجلس ورقة وقد ظهر الغيظ في وجهه ، و قال : يا أخي ما أغفلك عن نفسك ؟ تريد أن تقتلها أنت بنفسك ؟ فقال : ومن أين علمت يا أخي ؟ فقال : لقد خلفت بني عبدالمطلب وقلوبهم تغلي عليك كغلي القدر ، وقد أراد حمزة أن يهجم عليك في دارك ، فقال خويلد : يا أخي وأي ذنب أذنبته عليهم حتى يفعلوا بي ذلك ؟ قال : سمعتهم يقولون إنك تثلب ابن أخيهم وهو عليك قبيح ، إن كان قد وقع منك ذلك والله ما وطئ الحصى مثل محمد ، أنسيت ما جرى له في صغره ، وما بان له في كبره ؟ والله ما يثلبه إلا لئيم ، قال خويلد : والله يا أخي ما ثلبت الرجل ، وإنه خير مني وإنما أراد أن يتزوج بخديجة ، فقال له أخوه : ماذا تنكر منه ؟ قال خويلد : والله يا أخي ما أقول فيه : شيئا ، ولكن خشيت من وجهين : الاول تسبني العرب حيث أنى رددت أكابرهم وساداتهم ، وازوجها الآن بفقير لا مال له ، والثاني أنها لا ترضاه فقال ورقة : إن العرب ما منهم إحد إلا ويحب أن يزوجه بابنته ، ويشتهي أن يكون محمد نسيبه وقريبه ، وأما خديجة فمذ عاينت فضله رضيت به ، وأما أنت فقد جلبت لنفسك عداوة بني هاشم على غير شئ ، وإنهم ما يتركونك غير ساعة لا سيما الاسد الهجوم ، حمزة القضاء المحتوم ، لا يصده عنك صاد ، ولا يرده عنك راد ، والله إن قبلت نصحي ، وسرت معي إلي بني هاشم سألتهم أن يرفعوا عنك يد العداوة ، وتزوج محمدا صلى الله عليه واله بخديجة ، والله ما تصلح إلا له ، ولا يصلح إلا لها ، فقال : يا أخي أخاف أن يهجموا بي ويقتلوني ، فقال ورقة : ضمان هذا الامر علي ، فلا تخف ، فنهضا جميعا وسارا حتى دخلا على أولاد عبدالمطلب ، فوقفا على الباب وكان من الامر المقدر أن في ذلك الوقت كان أولاد عبدالمطلب جالسين ، و بينهم النبي صلى الله عليه واله ، فنظر إليه حمزة وقال : يا قرة العين ما تقول ؟ والله لئن أمرتني لآتينك في هذه الساعة برأس خويلد ، فقال خويلد لورقة : اسمع يا أخي ، فقال ورقة اسمع أنت ، فقال ، خويلد : دعني أرجع ، قال ورقة : لا ، وانظر الآن ما أصنع ، دعنا نأتي إليهم فإنهم لا يبعدون ، من يأتي إليهم ، ثم إن ورقة قرع الباب فقال النبي صلى الله عليه واله : لقد جاءكم خويلد وأخوه ورقة ، فقام حمزة فأدخلهم ، ويد خويلد في يد ورقة ، ونادى : نعمتم صباحا ومساء وكفيتم شر الاعداء ، يا أولاد زمزم والصفا ، فناداه أبوطالب : وأنت يا خويلد كفيت ما تحذر وتخشى ، فانتهره حمزة وقال : لا أهلا ولا سهلا لمن طلب منا بعدا ، وأرانا هجرا وصدا ، قال خويلد : ما كان ذلك مني يا سيدي ، وأنتم تعلمون أن خديجة وافرة العقل ، مالكة نفسها ، وإنما تكلمت بهذا الكلام حتى أسمع ما تقول ، والآن عرفت أن المرأة فيكم راغبة ، فلا تؤاخذوني بما جرى ، ونحن كما قال الشاعر : ومن عجب الايام إنك هاجري * وما زالت الايام تبدئ العجائبا وما لي ذنب أستحق به الجفا * وإن كان لي ذنب أتيتك تائبا والآن قد رضيت لرضاها ، ولاجل القرابة والنسب ، وقال : شعرا : عودوني الوصال فالوصل عذب * وارحموا فالفراق والهجر صعب زعموا حين عاينوا أن جرمى * فرط حبي لهم وما ذاك ذنب لا وحق الخضوع عند التلاقي * ما جزى من يحب أن لا يحب فقال عند ذلك حمزة : يا خويلد أنت عندنا عزيز كريم ، ولكن ما كان يجوز منك إذا جئناك أن تبعدنا ، فقال ورقة : إنا لنحب محمدا أشد محبة ، ونحن على ما تقولون ، ولكن اريد يا بني هاشم أن تكون هذه الخطبة في غداة غد على رؤوس الانام ، حتى يسمع الغائب والحاضر ، فقال حمزة : لا نخالفكم فيما تقولون ، فقال ورقة : اعلمكم أن أخي له لسان لا يخلص به عند العرب ، واريد أن يوكلني في أمر ابنته خديجة ، حتى أصير أنا المجاوب ، وأنتم تعلمون أنى قد قرأت سائر الكتب وعرفت سائر الاديان ، فقال حمزة : وكله يا خويلد على ذلك ، فقال خويلد : اشهدكم يا أولاد هاشم أني قد وكلت أخي ورقة في أمر ابنتي خديجة ، فقال ورقة : اريد أن يكون هذا الامر عند الكعبة ، فساروا جميعا إلى الكعبة ، فوجدوا العرب مجتمعين بين زمزم والمقام ، وهم جماعات كثيرة ، منهم الصلت بن أبي يهاب ، ولئيمة بن الحجاج ، وهاشم بن المغيرة ، وأبوجهل بن هشام ، وعثمان بن مبارك العميري ، وأسد بن غويلب الدارمي ، وعقبة بن أبي معيط ، وامية بن خلف ، وأبوسفيان بن حرب ، فناداهم ورقة : نعمتم صباحا يا سكان حرم الله ، فقالوا كلهم : أهلا وسهلا يا أبا البيان ، فقال ورقة : يا معشر قريش ، يا جميع من حضر أني أسألكم ، ما تقولون في خديجة بنت خويلد ؟ فنطق العرب بأجمعهم فقالوا : بخ بخ ، لقد ذكرت والله الشرف الاوفى ، والنسب الاعلى ، والرأي الازكى ، ومن لا يوجد لها نظير في نساء العرب والعجم ، فقال : أتحمدون أن تكون بلا بعل ؟ فقالوا : ليس بواجب ، وقد وجدنا الخطاب لها كثيرا ، وهي تأبى ، قال ورقة : يا سادات العرب ألا وإن هذا أخي قد وكلني في أمرها ، وهي قد أمرتي ن أن ازوجها ، وأعلمتني أن لها رغبة في سيد من سادات قريش ، وسألتها أن تسميه لي ، فأبت ، واحب أن تسمعوا الوكالة منه ، وأن تحضروا كلكم جميعا غداة غد في منزلها ، فما تسعكم غير دارها ، وكان لها دار واسعة تسع أهل مكة ، فلما سمعوا كلامه لم يبق أحد منهم إلا يقول : أنا هو المطلوب ، فقالوا : نعم الوكيل والكفيل أنت ، فقال ورقة لاخيه خويلد : تكلم ما دامت السادات حاضرين ، قال خويلد : اشهدكم يا سادات العرب على أني قد نزعت نفسي من أمر ابنتي خديجة ، وجعلت وكيلي وكفيلي في هذا الامر أخي ، فلا رأي فوق رأيه ، ولا أمر فوق أمره ، فقال ورقة : اسمعوا أيها السادات ، وإنه غير مجنون ولا مجبور ولا مخمور ، وإني ازوجها بمن شئت ، فقال العرب : سمعنا وأطعنا وشهدنا ، وخرج خويلد وقد ذهب حكمها من يده ، وسار ورقة إلى منزل خديجة وهو فرح مسرور ، فلما نظرت إليه قالت : مرحبا و أهلا بك يا عم ، لعلك قضيت الحاجة ، قال : نعم يا خديجة يهنئك ، وقد رجعت أحكامك إلي ، فأنا وكيلك ، وفي غداة غد ازوجك إن شاء الله تعالى بمحمد صلى الله عليه واله ، فلما سمعت خديجة كلامه فرحت وخلعت عليه خلعة قد اشتراها عبدها ميسرة من الشام بخمس مأة دينار ، فقال ورقة : لا ترغبيني في مثل هذا ، فلست براغب فيه ، وإنما الرغبة في شفاعة محمد صلى الله عليه واله ، فقالت : لك ذلك ، ثم قال لها : يا خديجة قومي هذه الساعة ، وجهزى أمرك ، وجملي منزلك ، واخرجي ذخائرك ، وعلقي ستورك ، وانشري حللك ، واكمدي عدوك ، فما يدخر المال إلا لمثل هذا اليوم ، واصنعي وليمة لا يعوزك فيها شئ ، فإن العرب في غداة غد يأتون كلهم إلى دارك ، فلما سمعت منه ذلك نادت في عبيدها وجواريها ، و أخرجوا الستور والمساند والوسائد والبسط المختلفة الالوان والحلل ذات الاثمان و العقود والقلائد ونشرت الرايات . وقد روت الرواة الذين شاهدوا تلك الليلة أن تلك العبيد والاماء الذين كانوا برسم الخدمة لحمل الآنية ثمانون عبدا ، وذبحت الذبائح ، وعقرت العقائر ، وعقدت الحلاوات من كل لون ، وجمعت الفواكه من كل فاكهة ، وقصد ورقة منزل أبي طالب فوجده وإخوته مجتمعين ، فقال لهم : نعمتم صباحا ومساء ، ما يحبسكم عن إصلاح أمركم ، انهضوا في أمر خديجة ، فقد صار أمرها بيدي ، فجذا كان غداة غد إن شاء الله تعالى ازوجها بمحمد صلى الله عليه وآله ، فعندها قال محمد صلى الله عليه واله : لا أنسى الله لك ذلك يا ورقة ، وجزاك فوق صنيعك معنا ، ثم قال أبوطالب : الآن والله طاب قلبي ، وعلمت أن أخي قد بلغ المنى ، وقام لعمل الوليمة وإخوته عنده ، فعند ذلك اهتز العرش والكرسي ، وسجد الملائكة وأوحى الله تعالى إلى رضوان خازن الجنان أن يزينها ، ويصف الحور والولدان ، ويهيأ أقداح الشراب ، ويزين الكواعب والاتراب ، وأوحى إلى الامين جبرئيل عليه السلام ، أن ينشر لواء الحمد على الكعبة ، وتطاولت الجبال ، وسبحت بحمد الملك المتعال ، على ما خص به محمدا صلى الله عليه واله ، وفرحت الارض ، وباتت مكة تغلي بأهلها كما يغلي المرجل على النار ، فلما أصبحوا أقبلت الطوائف والاكابر والقبائل والعشائر ، فلما دخلوا منزل خديجة وجدوها وقد أعدت لهم المساند والوسائد والكراسي والمراتب ، وجعلت مجلس كل واحد منهم في مرتبته ومحله ، فدخل أبوجهل لعنه الله وهو يختال في مشيته وزينته ، وقد أرخى ذوائبه من ورائه ، وحمائل سيفه على منكبه ، وقد أحدقت به بنو مخزوم ، فنظر إلى صدر المجلس وقد نصب فيه كرسي عظيم ، وتحته أحد عشر كرسيا ، في أعلى مكان مصفوفا لم ير أحسن منها ، فتقدم وأراد الجلوس على ذلك السرير العالي ، فصاح به ميسرة وقال له : يا سيدي تمهل قليلا ولا تعجل ، فقد وضعت منزلك عند بني مخزوم ، فرجع هو خجلان ، وجلس فما كان إلا قليلا وإذا بأصوات قد علت ، والعرب قد تواثبت ، وقد أقبل العباس وحمزة إلى جانبه ، وسيفه مجرد من غمده ، وأبوطالب يقدمهم ، وحمزة يقول : يا أهل مكة الزموا الادب ، وقللوا الكلام ، وانهضوا على الاقدام ، ودعوا الكبر ، فإنه قد جاءكم صاحب الزمان محمد المختار ، من الملك الجبار ، المتوج بالانوار ، صاحب الهيبة والوقار ، قد ورد عليكم ، فنظرت العرب وإذا بالنبي صلى الله عليه واله قد جاء ، وهو معتم بعمامة سودآء ، تلوح ضيآء جبينه من تحتها ، وعليه قميص عبدالمطلب ، وبردة الياس ، وفي رجليه نعلان لجده عبدالمطلب ، وفي يده قضيب إبراهيم الخليل ، متختم بخاتم من العقيق الاحمر ، والناس محدقون به ، ينظرون إليه ، وقد أحاطت به عشيرته ، وحمزة يحجبه عن أعين الناظرين ، وقد شخصت إليه جميع المخلوقات والموجودات بالاشارة يسلمون عليه ، وقد ذهلت العرب مما رأوا منه ، وقام كل قاعد منهم على قدميه ، وجلس النبي صلى الله عليه واله وأعمامه في أعلى موضع ومكان ، وهو المكان الذي نحي عنه أبوجهل وأصحابه ، ولم يبق منهم جالس غير أبوجهل لعنه الله وأخزاه ، وقال : إن كان الامر لخديجة لتأخذن محمدا ، فتقدم إليه حمزة كالاسد ، وقبض على أطرافه ، وقال له : قم لاسلمت من النوائب ، ولا نجوت من المصائب ، فأخذ أبوجهل يده وضربها في قائم سيفه ، فسبقه حمزة ، وقبض على يده حتى نبع الدم من تحت أطفاره ، ووكزه الحارث وقال له : ويلك يا ابن هاشم ما أنت عديل من نهض إليك من جملة الناس ، ورأيت أنك أشرف منهم ، لئن لم تقعد لآخذ رأسك ، فخاف الفتنة وسكت وظن أنه زوج خديجة ، فلما استقر بالناس الجلوس إذا ، بخويلد قد أقبل ، ودخل على خديجة وهي تحت حجابها ، وقال : يا خديجة أين عقلك ؟ وأين سوددك ؟ أنا لم أرض لك بالملوك ، ورددتهم كبرا عليهم ، وترضين الآن لنفسك بصبي صغير فقير يتيم ليس له مال أبدا ، قد كان لك أجيرا ، وهذا اليوم يكون لك بعلا ؟ لا كان ذلك أبدا ، والآن إن قبلتيه لاعلينك بهذا السيف ، واليوم لا شك فيه تسفك الدماء ، ونهض على قدميه وخرج كأنه مجنون حتى وقف على صدر المجلس وقال : يا معاشر العرب ، ويا ذوي المعالي والرتب ، اشهدكم على أني لم أرض محمدا لابنتي بعلا ، ولو دفع لي وزن جبل أبي قبيس ذهبا ، فما بيني وبينه إلا السيوف ، فما مثلي من يخدع بشرب المدام ، ثم قال : ولو أنها قالت : نعم لعلوتها * بشفرة حد للجماجم فاصل فمن رام تزويج ابنتي بمحمد * وإن رضيت يا قوم لست بقابل قال : فلما سمع أعمام النبي صلى الله عليه واله كلامه والحاضرون قال حمزة لاخيه أبي طالب مع إخوته : ما بقي للجلوس موضع ، قوموا بنا ، فبينا هم في ذلك إذ أقبلت جارية لخديجة ، وأشارت إلى أبي طالب فقام معها ، ووقف أبو طالب خلف الحجاب ، فسلمت عليه خديجة ، وقالت : نعمت صباحا ومساء ، يا سيد الحرم ، لا تغتر بشقشقة أبي ، فإنه ينصلح بشئ قليل ، ثم أعطته كيسا فيه ألفا دينار ، وقالت : يا سيدي خذ هذا وسر به إليه ، كأنك تعاتبه وصبه في حجره ، فإنه يرضى ، فسار أبوطالب والناس حاضرون ، وقال له : يا خويلد ادن مني ، قال : لا أدنو منك أبدا ، قال : يا خويلد إنه كلام تسمعه ، فإن لم يرضك فما أحد يقهرك ، وفتح أبوطالب الكيس وصبه في حجر خويلد ، وقال له : هذه عطية من ابن أخي لك ، غير مهر ابنتك ، فلما رأى خويلد المال انطفت ناره ، وأقبل ووقف في الموقف الاول على رؤوس الجمع ونادى بأعلى صوته : يا معاشر العرب ، وذوي المعالي والرتب ، فوالله ما أظلت الخضرآء ولا أقلت الغبراء بأفضل من محمد ، ولقد رضيته لابنتي بعلا وكفوا ، فكونوا على ذلك من الشاهدين ، ثم قال العباس وقال : يا معاشر العرب لم تنكرون الفضل لاهله ، هل سقيتم الغيث إلا بابن أخي ؟ وهل اخضر زرعكم إلا به ؟ وكم له عليكم من أياد كتمتموها ، ولزمتم له الحسد والعناد ؟ وبالله اقسم ما فيكم من يعادل صيانته ولا أمانته ، واعلموا أن محمدا صلى الله عليه واله لم يخطب خديجة لمالها ولا جمالها ، إن المال زائل وإلى نفاد ، ثم إن خويلدا أقبل وجلس إلى جانب رسول الله صلى الله عليه واله ، وأمسك الناس عن الكلام حتى يسمعوا ما يقول خويلد ، فقال خويلد : يا أبا طالب ما الانتظار عما طلبتم ؟ اقضوا الامر ، فإن الحكم لكم ، وأنتم الرؤسآء والخطبآء ، والبلغآء والفصحآء ، فليخطب خطيبكم ، ويكون العقد لنا ولكم ، فنهض أبوطالب وأشار إلى الناس أن انصتوا ، فأنصتوا فقال : " الحمد لله الذي جعلنا من نسل إبراهيم الخليل ، وأخرجنا من سلالة إسماعيل ، وفضلنا وشرفنا على جميع العرب ، وجعلنا في حرمه ، وأسبغ علينا من نعمه ، وصرف عنا شر نقمه ، وساق إلينا الرزق من كل فج عميق ، ومكان سحيق ، والحمد لله على ما أولانا ، وله الشكر على ما أعطانا ، وما به حبانا وفضلنا على الانام ، وعصمنا عن الحرام ، وأمرنا بالمقاربة والوصل ، وذلك ليكثر منا النسل ، وبعد فاعلموا يا معاشر من حضر ، أن ابن أخينا محمد بن عبدالله خاطب كريمتكم الموصوفة بالسخآء والعفة ، وهي فتاتكم المعروفة ، المذكور فضلها ، الشامخ خطبها ، وهو قد خطبها من أبيها خويلد على ما يحب من المال " . ثم نهض ورقة وكان إلى جانب أخيه خويلد وقال : نريد مهرها المعجل دون المؤجل أربعمائة ألف دينار ذهبا ، ومأة ناقة سود الحدق ، حمر الوبر ، وعشر حلل ، وثمانية وعشرين عبدا وأمة ، وليس ذلك بكثير علينا ، قال له أبوطالب : رضينا بذلك ، فقال خويلد : قد رضيت وزوجت خديجة بمحمد على ذلك ، فقبل النبي صلى الله عليه واله عقد النكاح ، فنهض عند ذلك حمزة وكان معه دراهم فنثرها على الحاضرين ، وكذلك أصحابه ، فقام أبوجهل لعنه الله وقال : يا قوم رأينا الرجال يمهورن النسآء أم النسآء يمهرون الرجال ؟ فنهض أبوطالب رضي الله عنه ، وقال : ما لك يا لكع الرجال ، ويا رئيس الارذال ؟ مثل محمد صلى الله عليه واله يحمل إليه ويعطى ، ومثلك من يهدي ولا يقبل منه ، ثم سمع الناس مناديا ينادي من السمآء : إن الله تعالى قد زوج بالطاهر الطاهرة ، وبالصادق الصادقة ، ثم رفع الحجاب ، وخرجت منه جوار بأيديهن نثار ينثرن على الناس ، وأمر الله عزوجل جبرئيل أن يرسل على الناس الطيب على البر والفاجر ، فكان الرجل يقول لصاحبه : من أين لك هذا الطيب ؟ فيقول : هذا من طيب محمد ، ثم نهض الناس إلى منازلهم ، ومضى رسول الله صلى الله عليه واله إلى منزل عمه أبي طالب رضي الله عنه ، وأعمامه حوله ، وهو كالقمر ، فاجتمعت نسوان قريش ونسوان بني عبدالمطلب وبني هاشم في دار خديجة ، والفتيان يضربن الدفوف ، وبعثت خديجة من يومها أربعة آلاف دينار إلى رسول الله صلى الله عليه واله ، وقالت : يا سيدي انفذها إلى عمك العباس ينفذها إلى أبي ، وأرسلت مع المال خلعة سنية ، فسار بها العباس وأبوطالب إلى منزل خويلد وألبساه الخلعة ، فقام خويلد من وقته وساعته إلى دار خديجة ، وقال : يا بنتي ما الانتظار بالدخول ؟ جهزي نفسك ، فهذا مهرك قد أتوا به إلي ، وأعطوني هذه الخلعة ، والله ما تزوج أحد بزوج مثلك ، لا في الحسن ولا في الجمال ، فسمع أبوجهل ذلك فقام في الناس يقول : هذا المال من عند خديجة ، فبلغ الخبر أبا طالب فخرج من وقته وساعته متقلدا سيفه ، ووقف في الابطح والعرب مجتمعون ، وقال : يا معاشر العرب سمعنا قول قائل وعيب عائب ، فإن كانت النسآء قد أقمن بواجب حقنا فليس ذلك بعيب ، وحق لمحمد أن يعطى ويهدى إليه ، فهذا جرى منها على رغم أنف من تكلم ، وتكلم بعض قريش من المبغضين بالازرآء على خديجة حيث تزوجها محمد صلى الله عليه واله ، وبلغ الخبر إلى خديجة فصنعت طعاما ودعت نسآء المبغضين ، فلما اجتمعن وأكلن قالت لهن : معاشر النسآء بلغني أن بعولتكن عابوا علي فيما فعلته من أني تزوجت محمدا ، وأنا أسألكم هل فيكم مثله ، أو في بطن مكة شكله من جماله وكماله وفضله وأخلاقه الرضية ؟ وأنا قد أخذته لاجل ما قد رأيت منه ، وسمعت منه أشيآء ما أحد رآها ، فلا يتكلم أحد فيما لا يعنيه ، فكف كل منهن عن الكلام . ثم إن خديجة قالت لعمها ورقة : خذ هذه الاموال وسر بها إلى محمد صلى الله عليه واله وقل له : إن هذه جميعها هدية له ، وهي ملكه يتصرف فيها كيف شاء ، وقل له : إن مالي وعبيدي وجميع ما أملك وما هو تحت يدي فقد وهبته لمحمد صلى الله عليه واله إجلالا وإعظاما له ، فوقف ورقة بين زمزم والمقام ونادى بأعلى صوته : يا معاشر العرب إن خديجة تشهدكم على أنها قد وهبت نفسها ومالها وعبيدها وخدمها وجميع ما ملكت يمينها والمواشي والصداق والهدايا لمحمد صلى الله عليه واله ، وجميع ما بذل لها مقبول منه ، وهو هدية منها إليه إجلالا له وإعظاما ورغبة فيه ، فكونوا عليها من الشاهدين ، ثم سار ورقة إلى منزل أبي طالب رضي الله عنه ، وكانت خديجة قد بعثت جارية ومعها خلعة سنية ، وقالت : ادخليها إلى محمد صلى الله عليه واله ، فإذا دخل عليه عمي ورقة يخلعها عليه ليزداد فيه حبا ، فلما دخل ورقة عليهم قدم المال إليهم ، وقال : الذي قالته خديجة ، فقام النبي صلى الله عليه واله وأفرغ عليه الخلعة ، وزاده خلعة اخرى ، فلما خرج ورقة تعجب الناس من حسنه وجماله ، ثم أخذت خديجة في جهازها ، واعتدت صوافي الذهب والفضة ، وفيها الطيب والمسك والعنبر ، فلما كانت الليلة الثالثة دخل عليها عمات النبي صلى الله عليه واله واجتمع السادات والاكابر في اليوم الثالث كعادتهم ، ونهض العباس وهو يقول : أبشروا بالمواهب آل فهر وغالب ! * افخروا يا آل قومنا بالثنآء والرغائب شاع في الناس فضلكم وعلى في المراتب * قد فخرتم بأحمد زين كل الاطايب فهو كالبدر نوره مشرق غير غائب * قد ظفرتي خديجة بجليل المواهب بفتى هاشم الذي ماله من مناسب * جمع الله شملكم فهو رب المطالب أحمد سيد الورى خير ماش وراكب * فعليه الصلاة ما سار عيس براكب ثم إن خديجة قالت : اعلموا أن شأن محمد صلى الله عليه واله عظيم ، وفضله عميم ، وجوده جسيم ، ثم نثرت عليهن من المال والطيب ما دهش الحاضرين ، وشجر طوبى تنثر في الجنة على الحور العين ، فجعلن يلتقطن النثار ، ثم يتهادينه ، ثم إن خديجة أنفذت إلى أبي طالب غنما كثيرا ودنانير ودراهم وثيابا وطيبا ، وعمل أبوطالب وليمة عظيمة ، ووقف النبي صلى الله عليه واله وشد وسطه ، وألزم نفسه خدمة جميع الناس ، وأقام لاهل مكة الوليمة ثلاثة أيام ، وأعمام النبي صلى الله عليه واله تحته في الخدمة ، وأنفذت خديجة إلى الطائف وغيره ، ودعت أهل الصنايع إلى منزلها ، وصاغت المصاغ والحلي ، وفصلت الثياب ، وعملت الشمع بالعنبر على هيئة الاشجار ، وأجرت عليه الذهب ، وعملت فيه التماثيل من المسك والعنبر ، ولم تزل تعمل في شغل العرس ستة أشهر حتى فرغت من جميع ما تحتاج إليه ، وعلقت ستور الديباج المطرز ، ونقشت فيها صورة الشمس والقمر ، وفرشت المجالس ، ووضعت المساند والوسائد من الديباج والخز ، وفرشت لرسول الله صلى الله عليه واله مجلسا على سرير تحت الابريسم والوشي ، والسرير من العاج والآبنوس ، مصفح بصفائح الذهب الوهاج ، وألبست جواريها وخدمها ثياب الحرير والديباج المختلفات الالوان ، ونظمت شعورهن باللؤلؤ والمرجان ، وسورتهن ، ووضعت في أعناقهن قلائد الذهب ، وأوقفت الخدم بأيديهن المجامر من الذهب ، وفيها الطيب والعنبر والبخور من العود والند ، و جعلت في يد كل واحدة من الخدم مراوح منقوشة بالذهب ، مقصبة بالفضة ، وأوقفتهن عند مجلس رسول الله صلى الله عليه واله ، ودفعت إلى بعضهن الدفوف والشموع ، ونصبت في وسط الدار شمعا كثيرا على أمثال النخيل ، فلما فرغت من ذلك دعت نسوان أهل مكة جميعهن فأقبلن إليها ، ورفعت مجلس عمات النبي صلى الله عليه واله ، ثم أرسلت إلى أبي طالب ليحضر وقت الزفاف ، فلما كان تلك الليلة أقبل النبي صلى الله عليه واله بين أعمامه ، وعليه ثياب من قباطي مصر ، و عمامة حمرآء ، وعبيد بني هاشم بأيديهم الشموع والمصابيح ، وقد كثر الناس في شعاب مكة ينظرون إلى محمد صلى الله عليه وآله ، ومنهم من وقف على السرادقات والنور يخرج من بين ثناياه ومن جبينه ومن تحت ثيابه ، فلما وصلوا إلى دار خديجة دخل هو صلوات الله عليه وآله وهو كأنه القمر في تمامه ، قد خرج من الافق ، وأعمامه محدقون به كأنهم اسود الشرى ، في أحسن زينة وفرحة ، يكبرون الله ويحمدونه على ما وصلوا إليه من الكرامة ، فدخلوا جميعا إلى دارها ، وجلس النبي صلى الله عليه واله في المجلس الذي هيئ له في دار خديجة رضي الله عنها ، ونوره قد علا نور المصابيح ، فذهلت النساء مما رأين من حسنه وجماله ، ثم هيئوا خديجة للجلاء ، فخرجت أول مرة وعليها ثياب معمدة ، وعلى رأسها تاج من الذهب الاحمر ، مرصع بالدر والجوهر ، وفي رجليها خلخالان من الذهب ، منقوش بالفيروزج ، لم تر الاعين له نظيرا ، وعليه قلائد لا تحصى من الزمرد والياقوت ، فلما برزت ضربن النساء الدفوف . وجعلت بعض النساء تقول : شعرا : أضحى الفخار لنا وعز الشأن * ولقد فخرنا يا بني العدنان أخديجة نلت العلا بين الورى * وفخرت فيه جملة الثقلان أعني محمدا الذي لا مثله * ولد النساء في سائر الازمان فيه المكارم والمعالي والحيا * ما ناحت الاطيار في الاغصان صلوا عليه وسلموا وترحموا * فهو المفضل من بني عدنان فتطاولي فيه خديجة ! واعلمي * أن قد خصصت بصفوة الرحمان ثم أقبلن بها نساء بني هاشم للجلوة الثانية على رسول الله صلى الله عليه واله ، وقد أشرق من نور وجهها نور علا على جميع المصابيح والشموع ، فتعجبت منها بنات عبدالمطلب حتى زاد فيها نور لم يرى الراؤون مثله ، وذلك فضل لرسول الله صلى الله عليه واله وعطية من الله تعالى لها ، وأقبلوا بها ، وقد فاقت على جميع من حضر ، وعليها سقلاط أبيض مذهب ، مرصع بالجوهر الاحمر والاخضر والاصفر ، ومن كل الالوان ، وكانت خديجة امرأة طويلة شامخة عريضة من النساء بيضاء لم ير في عصرها ألطف منها ، ولا أحسن ، وخرجت بين يديها صفية بنت عبدالمطلب رضي الله عنها ، وقالت شعرا : جاء السرور مع الفرح * ومضى النحوس مع الترح أنوارنا قد أقبلت * والحال فيها قد نجح بمحمد المذكور في * كل المفاوز والبطح لو أن يوازن أحمد * بالخلق كلهم رجح ولقد بدا من فضله * لقريش أمر قد وضح ثم السعود لاحمد * والسعد عنه ما برح بخديجة نبت الكمال * وبحر نايلها طفح يا حسنها في حليها * والحلم منها ما برح هذ النبي محمد * ما في مدائحه كلح صلوا عليه تسعدوا * والله عنكم قد صفح ثم أقبلن بها رضي الله عنها حتى أوقفوها بين يدي النبي صلى الله عليه واله ، ثم بعد ذلك أخذوا التاج ورفعوه من رأسها ، ووضعوه على رأس النبي صلى الله عليه واله ، ثم أتوا بالدفوف وهن يضربن لها ، وقلن لها : يا خديجة لقد خصصت هذه الليلة بشئ ما خص به غيرك ، ولا ناله سواك من قبائل العرب والعجم ، فهنيئا لك بما اوتيته ، ووصل إليك من العز والشرف ، وخرجت في الجلوة الثالثة ، وعليها ثوب أصفر ، وعليها حلي وجوهر ، وقد أضاء الموضع من لمعان ذلك الجوهر الذي في وسط الاكليل ، وفي آخر الاكليل ياقوتة حمرآء تضئ ، وقد أشرقت الدار من ذلك الجوهر ومن نورها وحسنها ، وأقبلت بين يديها صفية بنت عبدالمطلب رضي الله عنها ، وهي تقول : شعرا : أخذ الشوق موثقات الفؤاد * وألقت السهاد بعد الرقاد فليالي اللقا بنور التداني * مشرقات خلاف طول البعاد فزت بالفخر يا خديجة إذ نلت * من المصطفى عظيم الوداد فغدا شكره على الناس فرضا * شاملا كل حاضر ثم بادي كبر الناس والملائك جمعا * جبرئيل لدى السمآء ينادي فزت يا أحمد بكل الاماني * فنحى الله عنك أهل العناد فعليك الصلاة ما سرت العيس * وحطت لثقلها في البلاد قال : ثم بعد ذلك أجلسوها مع النبي صلى الله عليه واله وخرج جميع الناس عنها ، وبقي عندها في أحسن حال ، وأرخى بال ، ولم يأخذ عليها أحدا من النسآء حتى ماتت بعد ما بعث صلوات الله عليه وآله ، وآمنت به ، وصدقته وانتقلت إلى جنات عدن في أعلى عليين من قصور الجنة . أقول : وفي بعض النسخ بعد الابيات : وخلا رسول الله صلى الله عليه واله مع عروسه ، وأوحى الله إلى جبرئيل : أن اهبط إلى الجنة ، وخذ قبضة من مسكها ، وقبضة من عنبرها ، وقبضة من كافورها ، وانثرها على جبال مكة ، ففعل فامتلات شعاب مكة وأوديتها ومنازلها وطرقها


نقلا عما ورد في كتاب بحار الانوار .