مسجد الفضيخ (المدينة المنورة)

يقع إلى الجنوب من مشربة اُمّ إبراهيم ، في الشارع الموصل بين شارع العوالي وخط الحزام ، على الطريق المتّجه إلى مستشفى المدينة الوطني ، في الشارع الفرعي الأيمن قبل صالة (مرحبا) للأفراح بمسافة تقدّر بخمسئة متر. وكلمة الفضيخ هي عصير العنب ، أو شراب يتّخذ من البسر ، وهو التمر قبل إرطابه . وفضخُه : أي دفقه . وقد ذكر أبن شبة في كتابه تاريخ المدينة سبب تسميته بمسجد الفضيخ أنّه روي عن (جابر بن عبدالله (رضي الله عنهما) قال : حاصر النبيّ (صلّى الله عليه وآله و سلّم) بني النضير ، فضرب قبّته قريباً من مسجد الفضيخ ، وكان يصلّي في موضع الفضيخ ست ليالٍ ، فلمّا حرّمت الخمر خرج الخبر إلى أبي أيوب و نفر من الأنصار و هم يشربون فيه فضيخاً ، فحلّوا و كاء السقاء ، فهرقوه فيه ، فبذلك سمّي مسجد الفضيخ) .
وبناء هذا المسجد متين ، تعلوه خمس قباب ، وله رحبة واسعة تحت السماء ، و فيه رَوْحانية و خشوع ، و يؤمّه أهل تلك المحلّة و غيرهم للصلاة فيه .
و يرى البعض أنّ حادثة ردّ الشمس لعليّ كرّم الله وجهه بعد غروبها ؛ ليدرك صلاة العصر، وقعت في هذا المسجد ، فلمّا فرغ من صلاتها انقضّت انقضاض الكوكب . و هذا الرأي هو الأكثر صحّة ؛ لأنه المروي عن عدد من العلماء القُدامى.
و قيل : إنّ هذا المسجد يطلق عليه اسم مسجد الشمس ؛ لو قوعه إلى جهة شروق الشمس بالنسبة لمسجد قباء . وهذا تعليل غير واقعي ؛ لأنّ هناك الكثير من المساجد واقعة في جهة شروق الشمس بالنسبة لمسجد قباء ، فـَلِمَ لم تُسمَّ بمسجد الشمس ؟ كمسجد الفُقـَيْر و مسجد بني قريظة و مسجد بني ظفر. جاء في كتاب عمدة الأخبار (قال القاضي عياض في الشفا : إنّ النبي (صلّى الله عله و آله وسلّم) كان يوحي إليه و رأسه في حجرعليّ (رضي الله عنه) ، فلم يصلّ العصر حتّى غربت الشمس ، فقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : أصلّيت يا عليّ ؟ قال : لا ، فقال : اللهمّ إنّه كان في طاعتك و طاعة رسولك فاردد عليه الشمس ، قالت أسماء : فرأيتها طلعت بعد ما غربت ، ووقفت على الجبال و الأرض) . و أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار، و قال : (عن أحمد بن صالح إنّه كان يقول : لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء الذي روي لنا عنه ، لأنّه من أجلّ علامات النبوة) .
و ذكر الطريحي في كتابه ردّ الشمس نص قول الفضل بن الحسن الطبرسي الآتي (ما استفاضت فيه الأخبار و نظّمت فيه الأشعار رجوع الشمس له مرّتين ، في حياة النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) مرّة و بعد وفاته أخرى . فالأولى قد روتها أسماء بنت عميس و أمّ سلمة زوج النبيّ (صلّى الله عليه و آله وسلّم) و جابر بن عبدالله و أبو سعيد الخدري في جماعة من الصحابة أنّ النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّْم) كان ذات يوم في منزله و عليّ (عليه السلام) بين يديه إذ جاء جبرئيل يناجيه عن الله عزّوجلّ فلمّاه تغشّاه الوحي توسّد فخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) فلم يرفع رأسه حتى غابت الشمس و صلّى العصر جالساً بالإيماء فلمّا أفاق النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قال له : أدع الله ليردّ عليك الشمس فإنّ الله يجيبك لطاعتك الله و رسوله ، فسأل الله عزّوجلّ أميرالمؤمنين في ردّ الشمس فردّت عليه حتى صارت في موضعها من السماء وقت العصر فصلّى أميرالمؤمنين الصلاة في وقتها ثمّ غربت و قالت بنت عميس : أما والله لقد سمعنا لها عند غروبها صريراً كصرير المنشار في الخشب .
و أمّا الثانية : أنّه لمّا أراد أن يعبرالفرات ببابل اشتغل كثير من أصحابه بتعبير دوابهم و رحالهم و صلّى بنفسه في طائفة معه العصر ، فلم يفرغ الناس عن عبورهم حتى غربت الشمس وفات كثيراً منهم الصلاة ، وفات جمهورهم فضل الجماعة ، فتكّلموا في ذلك فلمّا سمع كلامهم فيه سأل الله عزّوجلّ ردّ الشمس عليه فأجابه بردّها عليه فكانت في الأفق على الحال التي تكون وقت العصر فلمّا سلّم بالقول غابت فسُمِع لها وجيب شديد ) . و من الخير للمسلم أن يدعو في هذا المسجد قائلاً :
((اللهمّ صلّ على محمّد و على آل محمّد ، و لا تدع لي في هذا المكان المكرّم و المسجد المعظّم ذنباً إلاّ غفرته ، و لا همّاً إلاّ فرّجته ، و لا مرضاً إلاّ شفيته ، و لا عيباً إلاّ سترته ، و لا رزقاً إلاّ بسطته ، و لا خوفاً إلاّ آمنته ، و لا شملاً إلاّ جمعته ، و لا غائباً إلاّ حفظته و أدنيته ، و لا ديْناً إلاّ أدّيته ، و لا حاجة من حوائج الدنيا و الآخرة لك فيها رضىّ ولي فيها صلاح إلاّ قضيتها يا أرحم الراحمين)).