السيد الكشميري يوجه نصيحة أبوية إلى شباب المسلمين في عصر تداعت فيه عليهم قوى البغي و الشر من كل مكان ويؤكد على:
• الاستفادة من طاقات الشباب الواعي في حل المشكلات الفكرية التي يعاني منها المجتمع اليوم
• أخذ العلوم والمعارف الاسلامية المحمدية من مصادرها الحقيقية
• ان يكونوا على وعي وبصيرة مما يستمعون اليه عملا بقوله تعالى (( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ))
• الالتزام بخط النيابة العامة في عصر الغيبة لما فيها من ضمان لسعادة دنياهم وآخرتهم.
25 ربيع الثاني 1436هـ

جاء حديثه هذا رداً على سؤال ورده من بعض المواقع و من صوت الجالية العراقية في هولندا حول واجبات الشباب في هذا العصر الذي تنتشر فيه الأفكار الدينية المتطرفة المنسوبة الى الاسلام والتي أصبحت متداولة بين الشباب عبر وسائل التواصل الحديثة مما أوجد بلبلة في صفوفهم وعلى إثرها انقسموا بين مؤيد و رافض و مشكك فما هي نصيحتكم الأبوية للجميع و الحال هذه؟

فأجاب بما يلي: أولاً: يجب أن نعرف أن الشباب قوة لا يستهان بها لأن هذه الفترة من عمرهم حساسة لكونها فترة العطاء والتضحية من جهة، و هم عماد المستقبل و سر وجوده من جهة أخرى.
ولهذا نرى القرآن لم يهمل هذه الشريحة المهمة من المجتمع فأشار إليها في موارد مختلفة كما في سورة الكهف :(( إنهم فتية آمنوا بربهم و زدناهم هدى))، و في قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام :(( قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم))، و في قصة موسى عليه السلام مع ابنتي النبي شعيب عليه السلام، و في قصة نبي الله يوسف عليه السلام و أمانته و طهارته، و في قصة أصحاب الأخدود الذين كانوا كلهم من الشباب. في هذا وغيره لنا أعظم العظات والعبر من اهتمام القرآن بهم لانهم القوة الكبرى في المجتمع و فترتهم هي فترة قوة بين ضعفين: ضعف الطفولة و ضعف الكهولة و إلى ذلك أشار قوله تعالى :((الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا و شيبة يخلق ما يشاء و هو العليم القدير)).

ففي هذه الفترة المهمة من العمر، ينبغي أن يتربى الانسان تربية صحيحة لتتنمى قابلياته و طاقاته حتى يكون عنصراً نشطا و فعالا في المجتمع ينشر الخير و السعادة بين الناس مقتديا بالأنبياء و المعصومين (عليهم السلام) ومن سار على نهجهم لأنهم القدوة والأسوة للبشرية. ومجمل القول أن هذه المرحلة من حياة الشباب تعتبر حياة سعيدة إذا ابتنت على الأسس التربوية الرصينة وحصل لها المربي الأمين. و من هنا نجد نبي الإسلام في بدء الدعوة استعان بطاقات الشباب التي ساهمت في حل المشاكل و الصعوبات التي كان المجتمع الإسلامي يعاني منها فقد ركز الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله) في بداية دعوته المباركة على جيل الشباب موليا لهم أهمية فائقة مستعيناً بفطرتهم السليمة التي يتحلون بها بعد أن أطلعهم على الثوابت الأخلاقية و الأصول الدينية حتى يوجه الشباب جميع قدراته و طاقاته باتجاه الخير و السعادة و الإحسان مما اثار حيرة المشركين واعجابهم من التزامهم بإقامة الشعائر الدينية والصلاة و الدعاء والتعاون على اعمال الخير والدعوة الى الله تعالى . و يعتبر سعد بن مالك و الذي لم يتجاوز من العمر السابعة عشرة أحد الدعاة النشطين في تلك المرحلة العصيبة ومنهم مصعب بن عمير الذي هو أول مبلغ للإسلام بعثه النبي إلى المدينة المنورة و هو في ريعان الشباب و عين عتاب قائدا لمكة المكرمة بعد الفتح الإسلامي وعمره واحد وعشرون عاما أما أسامة بن زيد فقد عينه النبي قائدا لجيش المسلمين في حربهم ضد الروم و عمره آنذاك ثمانية عشرة عاما. ولم يسلمهم الرسول الأكرم هذه المناصب الحساسة الا لقدرتهم على تحمل جميع أنواع المشاق والمحن من أجل الدفاع عن بيضة الإسلام. و قد حرص صلى الله عليه وآله على توظيف هذه الطاقات الخيرة وعدم ذهابها هدرا من اجل تحقيق العزة و السعادة لهم و للمجتمع الإسلامي.
إذن فمرحلة الشباب تعد فرصة ذهبية كبيرة للإنسان لا تتاح له بالعمر الا مرة ، وهي من النعم الإلهية التي يمكن للإنسان أن يحقق سعادته من خلال استثمارها بالنحو المطلوب ووفق الأسس الدينية الرصينة.

ان من اهم واجبات شباب المسلمين اليوم أولا فهمهم الاسلام فهما صحيحا ومن منابعه النقية كالقرآن والسنة النبوية الشريفة وفعل المعصومين وتقريرهم وقولهم وقد تركوا لنا في هذا المجال تراثا ضخما لا يستهان به في مختلف العلوم والمعارف يعطينا الرؤية الصحيحة عن الاسلام. فعلى المسلمين جميعا اذا أرادوا سعادة الدارين وخيرهما الاسترشاد بنهجهم وتطبيق ما رسموه لنا وإلا فسوف تخسر الأمة كل مقوماتها. ومن هنا نرى الرسول صلى الله عليه واله قرنهم بالقران بقوله (( ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا )). فضياع شباب الأمة اليوم يعزى لعدم تمسكها بهاتين العروتين الوثيقتين الهاديتين الى الطريق المستقيم. هذا ومضافا الى ما ذكرناه نؤكد على الشباب تأكيدا هاما بان يكونوا على وعي وبصيرة مما يقرأون ويستمعون اليه من احاديث وخطب وأفكار ورؤى وان يعرضوه على كتاب الله والسنة المحمدية فان طابقها اخذوا به وان خالفها رفضوه. وقد رأينا في الآونة الاخيرة بعض المتحدثين يتكلمون عن الاسلام وباسمه وفق امزجتهم وعواطفهم او ما يمليه عليهم الآخرون دون ان يتحروا الحقيقة من مصدرها وموقعها، فهم بفعلهم هذا ينشرون السموم الفكرية والعقائدية في ذهنية الناشئة والشباب والتي بسببها تزهق أرواحهم وتفنى نفوسهم ويخسرون دنياهم وآخرتهم، والى هذه الشريحة من الناس أشار القرآن بقوله تعالى ((قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً )). ومن هذا المنطلق أوجه ندائي الأخوي الى دعاة المسلمين ومبلغيهم في كل مكان بان يتثبتوا من صحة ما ينقلون من الأحاديث المنسوبة للنبي والعترة الطاهرة عليهم السلام حتى لا يوقعوا الآخرين في التيه والانحراف، لان في هذه الأحاديث الضعيف والشاذ والموضوع وعلينا ان ننقل للشباب وعامة الناس محاسن كلام الأنبياء والأئمة والصالحين فانهم ان سمعوها احبوا الاسلام واهتدوا اليه. هذا هو الواجب الاول.

اما الثاني فهو العمل بما فهمناه من الإسلام وعرفناه من الحلال والحرام وتطبيق ذلك وتنفيذه. والا فسوف نكون كالذين وصفهم القرآن بقوله ((مثل الذين حملوا التوارة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل اسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدى القوم الظالمين)) وقوله تعالى: ((واتل عليهم نبأ الذى اتيناه آيتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه اخلد الى الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآيتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون)).

والواجب الثالث الالتزام بالتوجيهات الصادرة من المراجع العظام المتصدين لشؤون الأمة وحل مشاكلها لأننا مأمورين باتباعهم في عصر الغيبة لكونهم القدوة والقيادة وصمام الأمان لنا وللشريعة من الضياع والانحراف.

الواجب الرابع الدعوة الى الله تعالى وما أعظمها من مرتبة (( ومن أحسن قولا ممن دعا الى الله ..)) فبعد ان عرفنا الاسلام وعملنا بما فهمناه منه وفق الشروط الآنفة الذكر نقوم بواجب الدعوة مبتدئين بأنفسنا وأخواننا وأهلنا ومجتمعنا عملا بقوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ... )).

الواجب الخامس وهو ان يتكاتف كل المسلمين ويتحدوا لقوله تعالى : ((واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)) وفي القران أية لو عمل بها المسلمون لكفتهم وهي قوله تعالى(( والعصر إن الانسان ......))

هذا ونؤكد على ان مسؤولية الآباء تجاه تربية أبنائهم غير مقتصرة على الجوانب المادية فلا بد من الرعاية التربوية والأخلاقية والدينية والعقائدية للحديث الوارد: ((بادروا أبناءكم بالحديث قبل ان يسبقكم اليهم المرجئة ))- اي الذين يحرفونهم عن عقيدتهم وفطرتهم ودينهم. ((ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلي الله عليه و آله و سلّم أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى بَعْضِ الْأَطْفَالِ فَقَالَ وَيْلٌ لِأَوْلَادِ آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ آبَائِهِمْ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ آبَائِهِمُ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَا مِنْ آبَائِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُعَلِّمُونَهُمْ شَيْئاً مِنَ الْفَرَائِضِ وَ إِذَا تَعَلَّمُوا أَوْلَادُهُمْ مَنَعُوهُمْ- وَ رَضُوا عَنْهُمْ بِعَرَضٍ يَسِيرٍ مِنَ الدُّنْيَا فَأَنَا مِنْهُمْ بَرِي‏ءٌ وَ هُمْ مِنِّي بِرَاءٌ))

ثم لا ننسى مسؤولية أئمة المراكز والمؤسسات والخطباء والمبلغين والمربين باحتضان الشباب وتربيتهم تربية صحيحة وفق التعاليم الاسلامية المحمدية ومنهج وأخلاق اهل البيت عليهم السلام.

هذا ونسأل الله تعالى ان يهدينا ويهدي شبابنا الى سواء السبيل انه سميع مجيب.