رسالة المبلغين والمبلغات بمناسبة اطلالة شهر محرم الحرام لسنة 1436هـ
29 ذي الحجة 1435هـ

((الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ))

الحمد لله رب العالمن والصلاة والسلام على محمد واله الغر الهداة الميامين، وبعد: اطل علينا شهر محرم الحرام ومع اطلالته تنطلق المجالس الحسينية في مختلف بقاع الارض مجددة ولاءها لاهل بيت النبوة عليهم السلام ومواساتها لولي الله الاعظم ارواحنا لتراب مقدمه الفداء ، ومعلنة ثباتها على هذا النهج القويم والصراط المستقيم.

وقد ارتات مؤسسة الامام علي عليه السلام في لندن كعادتها السابقة تقديم النصائح والتوجيهات للاخوة الخطباء والمبلغين والمبلغات، والتي ينبغي مراعاتها والاهتمام بها في هذه الظروف الحساسة التي يمر بها العالم الاسلامي والشيعي خاصة، وذلك من خلال ضرورة تركيزهم على النقاط التالية:

1- تبتني دعوتهم الى الاسلام والتمسك بتعاليمه ، والأخذ بأحكامه ، والثبات عليه ، وتصحيح مسار الأمة عندما تنحرف عنه وهو الهدف من نهضة الحسين عليه السلام التي عبر عنها بوضوح قائلا:
• (( ألا ترون إلى الحق لا يعمل به ، وإلى الباطل لا يتناهى عنه ))
• (( إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد (صلى الله عليه واله)، أريد أن آمر بالمعروف ، وأنهى عن المنكر ))
• (( من رأى منكم سلطاناً جائراً ، مستحلاً لحرام الله ، فلم يغير عليه بفعل ولا قول ، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله ........ )) وغير ذلك من أقواله وخطبه في يوم عاشوراء .

2- فعلى السادة الخطباء والمبلغين ، كشف أسرار هذه النهضة الحسينية ، في عصر طغى فيه المنكر على المعروف ، والتبس الحق فيه بالباطل ، وصار الكذب فضيلة ، والصدق رذيلة ، مما أخرج البعض من الناس عن منهج الإسلام ، حتى جرهم إلى الانحراف الفكري والعقائدي والسلوكي ، نتيجة تدنيس روحيتهم بشهوات الدنيا وملذاتها، فباعوا آخرتهم بدنيا زائلة ، وتنكروا للعقيدة والمبدأ ، وثوابت الدين الحنيف ، وصار الدين لعقاً على ألسنتهم ، يحوطونه ما درت معايشهم .
فواجبنا اليوم دحض هذه الشبهات والمغالطات والاباطيل التي يروجها اليوم المغرضون لاضعاف روحية المؤمنين بدينهم وعقيدتهم وشعائرهم الحسينية مستدلين بردها بآيات من الذكر الكريم وأحاديث أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، زارعين في قلوب المستمعين المودة والمحبة لائمتهم ، بل جعلها شعاراً لهم في خطبهم ومحاضراتهم.

3- عليهم ان يتمتعوا باعلى درجات الاخلاص بما يدعون إليه، لان الاخلاص هو الاساس في العمل التبليغي شريطة ان يشخص المبلغ الداء ثم يصف الدواء لمرضاه بما يضمن به صلاح دينهم ودنياهم، وهذا هو الهدف من بعثة الانبياء (عليهم السلام) ومن سار على نهجهم من الاولياء والعلماء. وقد وصف الامام علي (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه واله) في بعض صفاته التبليغية (طبيب دوار بطبه، قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه.. يضع ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عمى، وآذان صم، وألسنة بكم.. متتبع بدوائه مواضع الغفلة، ومواطن الحيرة).

4- ان تكون اقوالهم متطابقة مع افعالهم والا فلا تكون موعظتهم مؤثرة في الغير (ومعلم الناس اولى بتعليم نفسه) ولئلا يكونوا ممّن عناهم الله تعالى بقوله ((أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)) وقوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)) ، وفي الرواية ايضا (ان العالم اذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما تزل القطرة عن الصفا) .

5- التحلي بالاخلاق الحسنة لتشويق المؤمنين وجذبهم الى ساحة الايمان كما فعل رسول الله (صلى الله عليه واله) ((وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ)) ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) ، فبخلقه الرفيع تمكن من هدايتهم وانقاذهم من الضلالة والعمى الى الصراط المستقيم .

6- حث المؤمنين على التراحم فيما بينهم ورعاية فقرائهم ومساكينهم وايتامهم الذين كثروا في هذا الزمن نتيجة الهجمات الارهابية عليهم.

7- مخاطبة الناس على مقدار ما تتحمله عقولهم وعدم طرح امور غير مفهومة للسامع كأن يذكر لهم مصطلحات علمية او فلسفية ترتبط باهل الاختصاص (نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونكلمهم على قدر عقولهم) .

8- نقل محاسن كلمات الأئمة (عليهم السلام) التي تحببهم إلى النفوس لقول الإمام الرضا (عليه السلام) : (رحم الله عبداً أحيا أمرنا فقلت : وكيف يحيى أمركم ؟ قال : يتعلم علومنا ، ويعلمها الناس ، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا ).

9- تخصيص جزء من المجلس ، لبيان الأحكام الشرعية عامة الابتلاء ، سواء في أبواب العبادات ، أو المعاملات أو ما بحكمها ، معتمدا في نقل ذلك من الرسائل العملية .

10- وعلى المبلّغ الاكثار من مطالعة الكتب المعتمدة النافعة ورفد النفس بالتعلّم ليكون على بصيرة مما يطرح من نظريات وافكار ورؤى، حتى لا يكون من مصاديق قول الامام امير المؤمنين (عليه السلام) (من اتجر بغير علم ارتطم في الربا ثم ارتطم). ولا تختص هذه الرواية بالتجارة وانما تعم اي عمل يعمله الانسان بدون علم .

11- الابتعاد عن ذكر ما يسيء الى رموز جمهور المسلمين حتى لا يتخذها الاعداء ذريعة للوقيعة بينهم، وعنها نهانا الذكر الحيكم بقوله تعالى ((وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)) ((وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ)) حتى نحافظ على الوحدة الاسلامية لان العالم الاسلامي اليوم يمر بظروف صعبة تتطلب منا التكاتف والتلاحم ورص الصفوف والاتحاد ونبذ الفرقة فعلى المسلمين ان يسعوا جاهدين الى نبذ الخلافات الهامشية جانبا والتآزر معا ، وعلى شيعة اهل البيت عليهم السلام بالخصوص اتباع نهج ائمتهم في تحريهم وحدة المسلمين ومصلحة الاسلام (والله لأُسَلِمن ما سلمت أمور المسلمين, ولم يكن فيها جَور إلا عَليَّ خاصة..)

أ‌- التعايش مع اهل الملة والذي دعا اليه اهل البيت عليهم السلام ، فقد دعو اتباعهم الى الحضور في المراسيم العامة واحياء الشعائر الاسلامية المهمة التي اعتنى بها الاسلام اعتناءا خاصا كصلاة الجماعة والالتزام بالعلاقات الاجتماعية العامة
• عن الحلبی عن ابی عبد الله علیة السلام قال من صلى معهم فی الصف الاول کان کمن صلى خلف رسول الله صلى الله علیة واله.
• عَنْ أَبِي أُسَامَةَ زَيْدٍ الشَّحَّامِ قَالَ : قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام (وَأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ... وَاشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ ، وَعُودُوا مَرْضَاهُمْ ، وَأَدُّوا حُقُوقَهُمْ ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ).
• عن الصادق عليه السلام : (عليكم بالصلاة في المساجد وحسن الجوار للناس وإقامة الشهادة وحضور الجنائز ، إنّه لا بدّ لكم من الناس، إنّ أحداً لا يستغني عن الناس في حياته ، والناس لابدّ لبعضهم من بعض).
• في صحيحة معاوية بن وهب، قال: قلت له: كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ممن ليسوا على أمرنا؟ قال: (تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهم فتصنعون كما يصنعون، فوالله إنهم ليعودون مرضاهم، ويشهدون جنائزهم، ويقيمون الشهادة لهم وعليهم، ويؤدّون الأمانة إليهم.).
بل وحتى على مستوى العلاقة مع من لا يوالي اهل البيت عليهم السلام ان نجاملهم ونوثق العلاقة معهم حفاظا على وحدة النسيج الاسلامي.
قال الصادق (ع) لابن مسكان: إني لأحسبك إذا شتم عليّ بين يديك لو تستطيع أن تأكل أنف شاتمه لفعلت ، فقلت: إي والله جعلت فداك !.. إني لهكذا وأهل بيتي ، فقال لي: فلا تفعل !.. فوالله لربما سمعت من يشتم علياً وما بيني وبينه إلا اسطوانة ، فأستتر بها فإذا فرغت من صلواتي فأمرّ به، فاسلّم عليه وأصافحه.

ب‌- واكدوا على التناصر والتعاون بين المسلمين.
• قال رسول الله (ص): (من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم).
• وقال (ص): (من اصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم، ومن سمع رجلا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم).
• عن الصادق (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يخونه). فعلى المبلغين الافاضل الاشارة الى ما ذكرنا لبيان موقف اهل البيت عليهم السلام من الوحدة الاسلامية ومناداتهم وتوصياتهم بما يؤدي اليها.

12- يجب ان نعرف الاجيال بدور المرجعية ومنصبها وموقعها منذ وفاة السفير الرابع للامام المهدي المنتظر (عج) وحتى زماننا هذا ونوضح للعالم اجمع بان هذا الموقع هو من اعظم المواقع والمناصب عند الامامية بل هو سر بقاء هذا الدين الى هذا اليوم، ولولا جهود العلماء كالشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي ومن بعدهم الى يومنا هذا لتضعضع الكيان الشيعي منذ زمن بعيد، فهذه العقول الجبارة والاقلام العملاقة والقامات الشامخة هي التي حفظت لهذا المذهب هيبته وموقعيته في انظار الجميع وبدأ العالم يحسب لهذه الكيانات حسابا خاصا ولما لها من تاثيرات روحية تدفعه لاتخاذ المواقف المناسبة التي يامر بها الدين الحنيف اذا تعرضت بيضة الاسلام للخطر او داهم الامة ما يهدد امنها ومقدساتها، وموقف المرجعية معروف منذ فتوى التنباك والجهاد وثورة العشرين وحتى فتوى الدفاع الكفائي للمرجعية العليا اخيرا تلك الفتوى المباركة التي اربكت الاعداء وافشلك مخططاتهم.

هذا ولا ينسوا الجزء المهم من موضوع هذه المجالس ، باستدرار الدمعة ، والجزع والمصيبة على ما أصاب الحسين و آله (عليهم السلام)، بعرض ظلاماته ، عملاً بقوله (عليه السلام): (حدثوا شيعتنا بما جرى علينا) ، وقوله (عليه السلام): (أنشدني بالرقة) ، فنثير فيهم الجوانب العاطفية ، بأساليب الشجى المختلفة لقول الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): (من ذكر بمصابنا ، فبكى وأبكى ، لم تبك عينه يوم تعمى العيون) ، ولقول أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): (من ذكر الحسين عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح الذباب ، كان ثوابه على الله ، ولم يرض له بدون الجنة) .

واخيرا نتمنى لجميع السادة الخطباء والمبلغين والمبلغات التوفيق والتسديد ، لما فيه رضا المولى عزّ وجل ، وأن لا ينسونا من صالح دعائهم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

مؤسسة الإمام علي (عليه السلام) - لندن
ومركز الارتباط بسماحة آية الله العظمى السيد السيستاني (مد ظله)
29 ذي الحجة 1435هـ
الموافق 24 تشرين الاول 2014م