بمناسبة حلول شهر محرم الحرام وفاجعة الطف الأليمة ، اصدر ممثل المرجعية العليا في اوربا سماحة العلامة السيد مرتضى الكشميري ، بياناً توجيهياً إلى الخطباء و المبلغين في انحاء العالم الاسلامي ، وهذا نصه
28 ذي الحجة 1434هـ

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع)
(( أحيوا أمرنا ، رحم الله من أحيا أمرنا ))

بسم الله الرحمن الرحيم
((الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً)) الاحزاب 39

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ،
قال الله تعالى في محكم كتابه : (( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين )) فصلت 33 .

اطل علينا شهرا محرم الحرام وصفر الخير ، وما أعظمهما من شهرين ، لما يتضمنانه من مناسبات دينية هامة، ففيهما ذكرى رحيل نبي هذه الأمة وهاديها ومنجيها (ص) وذكريات ابنائه الائمة الاطهار (ع)، واستشهاد سبطه الحسين بن علي (ع) محيي شريعة جده ، ومجددها ، والذي كان الامتداد له في حمايتها والأمين على حفظها من الاندثار وحراستها من الأخطار ، لم يقل عزيمة عنه ، ولم يضعف همة منه ، حتى خالت الشريعة بأن حاميها هو لم يمت ، ولم يغب ، فصدقت نبوءة الرسول الأعظم (ص)، إذ قال :(( حسين مني ، وأنا من حسين)).

وبهذه المناسبة تعقد المجالس ، وينتشر الخطباء في هذه الفترة للتبليغ ، ويتحدث المتحدثون (( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله)) فصلت 33، فما الدعوة إلى الله ؟ إنها الدعوة إلى ما ندب الله إليه ، مما فيه حياة الإنسان (( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)) الأنفال 24 .
إنها الدعوة إلى الإسلام ، والتمسك بتعاليمه ، والأخذ بأحكامه ، والثبات عليه ، وتصحيح مسار الأمة عندما تنحرف عنه ، وذلك كان هدف الحسين (ع) من نهضته ؛ حيث عبر عنه بوضوح قائلاً :
,br> • (( ألا ترون إلى الحق لا يعمل به ، وإلى الباطل لا يتناهى عنه )).
•(( إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد (ص)، أريد أن آمر بالمعروف ، وأنهى عن المنكر )).
• (( من رأى منكم سلطاناً جائراً ، مستحلاً لحرام الله ، فلم يغير عليه بفعل ولا قول ، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله ........ )).
وغير ذلك من أقواله وخطبه في يوم عاشوراء .
فعلى السادة الخطباء والمبلغين ، كشف أسرار هذه النهضة الحسينية ، في عصر طغى فيه المنكر على المعروف ، والتبس الحق فيه بالباطل ، وصار الكذب فضيلة ، والصدق رذيلة ، مما أخرج البعض من الناس عن منهج الإسلام ، حتى جرهم إلى الانحراف الفكري والعقائدي والسلوكي ، نتيجة تدنيس روحيتهم بشهوات الدنيا وملذاتها ؛ فباعوا آخرتهم بدنيا زائلة ، وتنكروا للعقيدة والمبدأ ، وثوابت الدين الحنيف ، وصار الدين لعقاً على ألسنتهم ، يحوطونه ما درت به معايشهم .

فواجبنا اليوم دحض هذه الشبهات والمغالطات والاباطيل التي يروجها المغرضون لاضعاف روحية المؤمنين بدينهم وعقيدتهم وشعائرهم الحسينية ، مستدلين على ذلك بآيات من القران ، وأحاديث أئمة أهل البيت (ع) ، زارعين في قلوب المستمعين المودة والمحبة للآخرين ، بل جعلها شعاراً لهم في خطبهم ومحاضراتهم ، مبتعدين عن ذكر ما يسيء إلى رموز جمهور المسلمين ، لأنهم إن فعلوا عكس ذلك مكّنوا الأعداء من الوقيعة بالجميع ، كما يفعلونه اليوم من قتل الابرياء وازهاق ارواح الصلحاء عبر مفخخاتهم واحزمتهم الناسفة واسلحتهم الكاتمة ونشر الطائفية البغيضة . وعن هذا وغيره نهانا الذكر الحكيم بقوله :
•(( وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)) الأنفال 46 .
• (( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً .. )) آل عمران 103 .

فالمأمول أن يتمتع دعاة الإسلام ، بأعلى درجات الإخلاص بما يدعون إليه (ومعلم الناس أولى بتعليم نفسه ) ، وأن لا يكونوا ممّن عناهم الله تعالى بقوله: (( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون )) الصف 2 ، 3 . ((أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)) البقرة 44 .
وفي الرواية ايضا (ان العالم اذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما تزل القطرة عن الصفا) .
اذا فالاخلاص هو الاساس في العمل التبليغي شريطة ان يشخّص المبلّغ الداء ثم يصف لمرضاه الدواء بما يضمن به صلاح دينهم ودنياهم . وكان هذا هو الهدف من بعثة الانبياء (ع) وسار على نهجهم الاوصياء والاولياء (ع).

يقول مولانا امير المؤمنين (ع) في وصفه لرسول الله (ص) في بعض صفاته التبليغية (طبيب دوار بطبه، قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه.. يضع ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عمى، وآذان صم، وألسنة بكم.. متتبع بدوائه مواضع الغفلة، ومواطن الحيرة).

مضافا الى ما ذكرناه من الاخلاص وغيره يجب ان يتمتع المبلّغ في اداء رسالته بالامور التالية :
1- التحلي بالاخلاق الحسنة لتشويق المؤمنين وجذبهم الى ساحة الايمان كما فعل رسول الله (ص) ((وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ)) ال عمران 159 ، ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) القلم 4، فبخلقه الرفيع تمكن من هدايتهم وانقاذهم من الضلالة والعمى الى الصراط المستقيم .
2- ان لا يعتمد كل قول او حديث يُنقل اليه ما لم يتثبت من مصدره (وافة الاخبار رواتها) فيجب عليه ان يكون ذكيا فطنا عارفا بمداخل الامور ومخارجها ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)) الحجرات 6 ، حتى لا يقع في المحذور بنقل امور قد يصيب بها اقواما بجهالة وبذلك يخلق بلبلة في المجتمع استنادا الى تلك الامور الغير الدقيقة .
3- التحدث الى الناس على قدر ما تتحمله عقولهم لا ان يطرح مواضيع مبهمة وغير مفهومة فوق مستوى مداركهم او يذكر لهم مصطلحات علمية فلسفية خاصة باهل الاختصاص (نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونكلمهم على قدر عقولهم) .
4- نقل محاسن كلمات الأئمة (ع) التي تحببهم إلى النفوس لقول الإمام الرضا (ع) : (( رحم الله عبداً أحيا أمرنا فقلت : وكيف يحيى أمركم ؟ قال : يتعلم علومنا ، ويعلمها الناس ، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا )) بحار الأنوار ج2 \ 30 .
5- تخصيص جزء من المجلس ، لبيان الأحكام الشرعية عامة الابتلاء ، سواء في أبواب العبادات ، أو المعاملات أو ما بحكمها ، معتمدا في نقل ذلك من الرسائل العملية .
6- الابتعاد عن نقل الخرافات والاساطير وعدم نقل الاحاديث والروايات التي لم تثبت صحتها عن رسول الله (ص) وعترته الطاهرة (ع).
7- الاهتمام بتثقيف الناس وتوعيتهم اجتماعياً ، وتضمين الخطابة قصصاً تاريخية تكون فيها العبرة لحاضرهم ومستقبلهم .
8- الاهتمام بتربية ابنائهم وتغذيتهم بالمسائل العقائدية بما يحافظ به على عقيدتهم وهويتهم الدينية ، عاملين بقول النبي (ص) (ادبوا اولادكم على ثلاث: علموهم القران وحب نبيكم وحب اهل بيته). مؤكدين على ابائهم ان لا يكونوا مصداقا للحديث الشريف (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه).
9- وعلى المبلّغ الاكثار من مطالعة الكتب المعتمدة النافعة ورفد النفس بالتعلّم ليكون على بصيرة مما يطرح من نظريات وافكار ورؤى، حتى لا يكون من مصاديق قول الامام امير المؤمنين (ع) (من اتجر بغير علم ارتطم في الربا ثم ارتطم ). ولا تختص هذه الرواية بالتجارة وانما تعم اي عمل يعمله الانسان بدون علم .

هذا ولا ينسوا الجزء المهم من موضوع هذه المجالس ، باستدرار الدمعة ، والجزع والمصيبة على ما أصاب الحسين و آله (ع)، بعرض ظلاماته ، عملاً بقوله (ع): (( حدثوا شيعتنا بما جرى علينا)) ، وقوله (ع): ((أنشدني بالرقة )) ، فنثير فيهم الجوانب العاطفية ، بأساليب الشجى المختلفة من دون ان يكون فيها تشويه لروحية الشعائر وهيبتها مراعين بذلك الظروف الزمانية والمكانية ، ملتزمين بقول الإمام علي بن موسى الرضا (ع): ((من ذكر بمصابنا ، فبكى وأبكى ، لم تبك عينه يوم تعمى العيون )) ، ولقول أبي عبد الله الصادق (ع): (( من ذكر الحسين عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح الذباب ، كان ثوابه على الله ، ولم يرض له بدون الجنة)) .

واخيرا نتمنى لجميع السادة الخطباء والمبلغين التوفيق والتسديد ، لما فيه رضا المولى عزّ وجل ، وأن لا ينسونا من صالح دعائهم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ممثل المرجعية العليا (دام ظلها الوارف) في اوربا
28 ذي الحجة 1434هـ
الموافق 4 تشرين الثاني 2013م