بوش والسيستاني: الأخضر يكرر لعبة التحكيم التاريخية
2 محرم 1425هـ
صحيفة الشرق الأوسط

كم يخدعنا التاريخ! يتسلى بنا. يوهمنا بأنه يأتي بالجديد، فإذا به يكرر نفسه، لكن بصيغ وأشكال وشخصيات مختلفة.إسناد دور الحَكَم الى الأمم المتحدة، في النزاع حول الانتخابات بين بوش والسيستاني، شديد الشبه بلعبة التحكيم التاريخية قبل 1400 سنة التي انتهت بخلع الرجل الطيب أبي موسى الأشعري لصاحبه علي، وتثبيت عمرو بن العاص لصاحبه معاوية خليفة.نَفَضَ بوش الغبار عن المنظمة الدولية، وقبل بتحكيمها كما طالب السيستاني، فإذا بأمينها العام عنان ووسيطه الأخضر الابراهيمي يحكمان لبوش باستحالة إجراء الانتخابات لأسباب أمنية وإدارية، قبل تسلم العراقيين السلطة والسيادة في 30 يونيو المقبل.نَصَرَ الحَكَم الدولي رجل السياسة على رجل الدين. ولم يكن أمام السيستاني سوى القبول محرجا. فهو الذي حكمَّ المنظمة الدولية، ثم ها هو يميل أيضا إلى قبول نصيحة عنان والإبراهيمي بتوسيع مجلس الحكم الحالي، من خلال مجلس (لويا جيرغا) يتم اختياره بالتعيين، خلافا لفتواه السابقة. وأخيرا ها هما يفاجئان رجل الدين بأن الأمم المتحدة ليس لديها مشروع تسوية، وعلى العراقيين الاتفاق بينهم حول آلية تسلم السيادة. وهذا يعني إفساح المجال للمشروع الأميركي لمواصلة المشوار العراقي وحده.كان علي بن أبي طالب يقول: «لولا التقى لكنت أدهى العرب». لكن رؤية الاستراتيجي الداهية عمرو بن العاص كانت أبعد. فقد كان يعتقد أن معاوية رجل دولة وإدارة، فيما انشغل علي بصراعات كثيرة. وكان ابن العاص مع نقل الخلافة إلى دمشق، لتكون القيادة السياسية في موقع متقدم يتيح لها إدارة امبراطورية واسعة الأبعاد.«مخادعة» عنان والإبراهيمي للسيستاني لا تنطوي على سوء نية، على الرغم من الانحياز الواضح لأميركا بوش. التأجيل المؤقت للانتخاب قد يتيح لمجلس الـ «لويا جيرغا» الذي سيتم اختيار اعضائه باتفاق أميركي ـ سيستاني، تشكيل حكومة منبثقة عنه، بل وتوسيع مجلس الحكم المؤقت ليصبح أكثر تمثيلا لكل العراقيين. والغرض من «مخادعة» رجل الدين تفادي انتخابات ستأتي في الوقت الراهن بأغلبية من أصحاب العمائم من أنصار السيستاني والحكيم ومقتدى الصدر وإيران.المشكلة اليوم في العراق تكمن في ازدحام مسرحه السياسي برجال الدين من سنة وشيعة، فيما تغيب قوى المجتمع المدني من أحزاب ومؤسسات ونقابات وشخصيات سياسية. هذا الازدحام يلقي بظلال طائفية قاتمة على المشهد العراقي الملوَّث البيئة أصلا بهباب الإرهاب وسواده. رجل الدين لا يقبل المساومة في السياسة. و«المعصومية» شبه القداسية لدى رجال الدين الشيعة تشكل خطرا على التسوية السلمية في اللعبة العراقية، بحكم كون المرجع كالسيستاني أو الحكيم، هو وحده صاحب القرار والفتوى بلا استشارة أو مشورة واسعة.ويزداد خطر تورط رجال الدين في السياسة، في غياب مؤسسات الحوار المشروعة، وفي قدرتهم على تحريك شارع عفوي الإيمان، سهل الانقياد، قابل للالتهاب بحكم أميته السياسية. ولعل التأجيل المؤقت للانتخابات يتيح الفرصة لشن حملة انتخابية ديمقراطية تبلور فيها القوى السياسية برامجها الانتخابية. وفي مقدمة هذه القوى الأحزاب والنقابات والمثقفون والاكاديميون، لتلعب الدور الريادي الذي كانت تلعبه في تقويض الأنظمة العسكرية في السودان مثلا.كنت أشرت في حديث سابق إلى قضيتي الأسلمة والفيدرالية كعقدتين دستوريتين شائكتين. الدستور هو المحك العملي لقدرة القوى العراقية الراهنة على التعايش والتفاهم والاتفاق. الغريب ان هناك صمتا مطبقا يلف مشروع الدستور المؤقت، على الرغم من اقتراب موعد استحقاقه (28 فبراير الحالي). ولعل الخلاف حول هاتين الاشكاليتين هو سبب الصمت الغامض.إشكالية الأسلمة لدستور العراق هي من صميم إشكالية الإسلام مع الديمقراطية. فالقوى الدينية من تقليدية ومتسيسة وانتحارية، ترى الشورى (الواردة في النص المقدس) غير الديمقراطية! فيما المفكرون الإسلاميون المعاصرون لا يتفقون على أنموذج موحد للدولة الدينية. والسبب عدم وجود نص قداسي صريح بإقامتها، ثم غياب مبدأ الشورى الديمقراطي في الدول الإسلامية التاريخية، وأخيرا اخفاق ديمقراطية الدولة الدينية في ايران. والانتخابات الأخيرة شاهد ودليل.لعل الأميركيين تفهموا في الظروف الراهنة استحالة قيام ديمقراطية علمانية في العراق، ولعلهم باتوا يقبلون بإصرار مراجع الشيعة على النص في الدستور على أن العراق «دولة إسلامية». لكن الخشية هي في أن يكون وراء هذا الإصرار تغييب لعروبة العراق، وإبعاده عن قضايا أمته، ولجذبه إلى تحالفات اقليمية مع ايران مثلا. لقد جاءت معظم الدساتير العربية للتأكيد على العروبة، ومن دون إلحاح على الأسلمة، لأن العروبة تنطوي في أهم مضامينها على مضمون إسلامي صريح.على كل حال، فالدستور كمية فقهية نظرية. الأهمية الحقيقية للقانون. فهو أداة التطبيق والتنفيذ. عندما أصرت المراجع الشيعية على أسلمة التشريع والقانون اصطدمت فورا بممانعة أميركا. إدارة بوش ترفض بشدة كون الشريعة المصدر الوحيد أو الأساسي للتشريع كما تطالب تلك المراجع. ثم عادت على لسان بريمر لتقول انها تقبل بالشريعة كأحد مصادر التشريع وليس كلها.أقول هنا ان أميركا ليست وحدها التي تمانع، وانما أيضا معظم الدول العربية، بما فيها مصر، فقد جعلت الشريعة أحد مصادر التشريع، لكنها عمليا تستعين بفقه القانون الوضعي منذ فقيهه الأكبر عبد الرزاق السنهوري الذي كان فقيه القانون المدني في العالم العربي. وسبب الممانعة كون الاجتهاد الديني القديم في الشريعة ليس كافيا لمواجهة حاجات عصر متغير تماما. وحتى في حالة أسلمة القانون في العراق، فسيحدث خلاف كبير بين السنة والشيعة في تطبيق قوانين الأحوال الشخصية، وهناك أيضا تباين واضح في نظرية الحكم. وهناك ايضا ما قدمته أميركا للشيعة وغيرهم، فلولا أميركا لما تم التمتع بحرية التعبير والطموح إلى الوصول للحكم والسلطة، اعتمادا على أغلبية عددية مشكوك في ضخامتها (60 بالمائة).الاشكالية الفيدرالية لا تقل خطرا وتعقيدا عن الاشكالية الدينية. السنة تعارض الفيدرالية خوفا على وحدة العراق وعروبته. الشيعة تقبل بها إرضاء لخاطر الأكراد، في مقابل سكوت الأكراد عن وصول الشيعة إلى الحكم. الأميركيون في حيرة. فتحويل المنطقة الكردية إلى دولة «حكم ذاتي» شبه مستقلة، يتناقض مع وعودهم للعرب والعراقيين بالمحافظة على «عراق موحد وديمقراطي».لقد بات العرب متفهمين إلى حد كبير قضية أكراد العراق وعذابهم بصدام، والأكراد ولا سيما طالباني وبرزاني، باتوا أكثر انفتاحا على العرب. لكن لا بد لهذين الزعيمين الكبيرين من حسم قضية الانتماء نهائيا. فالعراق ليس جواز سفر مؤقتا: نحن عراقيون إلى أن نتمكن من الانفصال والاستقلال! العراق إيمان بوطن. ولا يمكن لبرزاني وطالباني الاحتفاظ بمنطقة حكم ذاتي شبه مستقلة لا يعيش ولا يتدخل العرب العراقيون فيها، في حين يشارك الأكراد في حكم العراق والتحكم بهويته وسياسته العربية، تحت شعار الفيدرالية والمشاركة الديمقراطية.في اللامعقول العربي والعراقي، كلنا ننادي بإنهاء الاحتلال ورحيل الأميركيين. وحتى الشيعة والأكراد انضموا إلى هذه المعزوفة السيريالية، أو كما يقول الجنرال ريكاردو سانشيز قائد القوات الأميركية في العراق: «يقول لنا العراقيون انهم لا يريدوننا هنا، لكنهم لا يريدوننا أيضا ان نرحل!».