ممثل المرجعية العليا في أوروبا يهنئ المسلمين بأسبوع الوحدة، وولادة النبي المصطفى محمد (ص) وحفيده الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) ويقول:
• كانت ولادته (ص) إيذانا بانهيار الظلم والكفر وظهور مبدأ التوحيد والعدل
• إن الوحدة التي ندعو لها لا تعني تمييع المذهبية بالانتقال من مذهب إلى آخر لحساب الوحدة دون اقتناع
12 ربيع الاول 1443هـ

يصادف يوم الأحد السابع عشر من ربيع الأول يوم ولادة النبي محمد (ص)، وهو كذلك يوم ولادة حفيده الإمام الصادق (ع) والذي تزامنت ولادته مع ولادة جده (ص)، ولهاتين المناسبتين الشريفتين وقع كبير في نفوس المسلمين فلهذا يبتهجون ويحتفلون بهما.

ولما كانت ولادته (ص) في الثاني عشر من ربيع الأول على رواية جمهور المسلمين والسابع عشر على رواية أتباع مدرسة أهل البيت (ع) اعتبر بعض المصلحين الأسبوع الذي بين الروايتين أسبوع الوحدة الإسلامية الذي نأمل أن تتحقق وتتحد فيه قلوب الأمة وتتآلف على حب الله وحب نبيه (ص) وأهل بيته الأطهار عليهم السلام حتى يفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة.

أيها الأحبة الكرام، إن يوم ولادة النبي (ص) كان إيذانا بزوال الشرك والظلم وإرساء قواعد التوحيد والعدل في الدنيا لأن المنطقة آنذاك كانت تتحكم فيها قوتان: القوى الطاغوتية والقوى الروحانية، فالطاغوتية قوة الأكاسرة والقياصرة، والروحانية تتمثل بعبادة النار (نار فارس).

وقد انهارتا بيوم ولادة النبي (ص) فانشق إيوان كسرى (ولا يزال الأثر باقيا حتى اليوم) وسقطت منه أربع عشرة شرفة وسقط هو من على كرسيه، وخمدت نار فارس التي لم تخمد منذ ألف عام، وغاضت بحيرة ساوة ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلاده....

وقد أقلق هذا الحدث كسرى وصار يتابع أسبابه عن طريق المنجمين وذوي الاختصاص حتى علم ان سببه هو ولادة النبي (ص) في قصة مفصلة ذكرها لنا التاريخ في أمهات الكتب.

فلهذا كانت ولادته وبعثته منطلقا للنهضة الإسلامية والإلهية، وسببا للعدل وتهذيب الإنسان من الهمجية والحيوانية، ونقطة البداية باقتلاع أساس الظلم والكفر، والارتقاء إلى المكانة السامية، والهجرة من كل أنواع الظلم والطغيان إلى النور والكمال المطلق.

وبهذه البداية من الولادة والبعثة أخرج الله الجزيرة العربية من الظلمات إلى النور بعد أن كانوا يشربون الطرق ويقتاتون القد أذلة خاسئين يخافون أن يتخطفهم الناس من حولهم فأنقذهم الله (برسول الله) بعد اللتيا والتي ...، ثم أوطأهم بساط كسرى وقيصر وملكهم الدنيا وجعلهم ملوكاً وحكاماً عليها.

غير أن هذه الأمة ومع شديد الأسف عادت إلى جاهليتها والثيام بتمكين الأعداء منها بالتحالف والتطبيع معها كما نرى.

فيا رسول الله نشكو إليك ما نحن فيه من ان الذين كانوا بالأمس أعداء أصبحوا اليوم أولياء، والذين كانوا (أشداء على الكفار رحماء بينهم) أصبحوا أولياء للكفار وأعداء على إخوانهم، وهذا عين ما تنبأت به حينما قلت :(يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الاكلة على قصعتها) فقالوا: يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ؟ فقلت:(أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن) فقالوا: وما الوهن؟ فقلت:(حب الحياة وكراهية الموت).

إذن أيها الأحبة لا بد لنا أن نقف وقفة تأمل وتدبر لنفكر ما هي مسؤوليتنا أمام رسول الله في يوم مولده؟ وكيف يمكن لنا أن نؤكد في حياتنا التزامنا بنهجه، باعتبار أن الله أرسله للناس كافة ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين))، ((وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً)): للناس! الذين كانوا معه في مرحلته والذين جاؤوا من بعده.. وهذه هي مسؤوليتنا التي سنسأل عنها يوم نقف بين يدي عدل حكيم، لقوله تعالى:((وقفوهم إنهم مسؤولون)).

كما نلتقي بنفس اليوم بولادة الإمام الصادق (ع)، الذي يمثل الإمامة الحقة المنفتحة على العالم والعلم كله وعلى الإسلام كله وعلى الواقع كله. وفي هذا اللقاء نحاول أن نستوحي من هذه الذكرى وتلك ونزاوج فيما بينهما، لأن هناك ارتباطا عضويا فيما بينهما كما هو ارتباط الفرع بالأصل، فالأصل هو رسول الله(ص).. الأصل في النسب وفي الرسالة وفي العلم وفي الامتداد الروحي والثقافي والعلمي كله.

أما فيما يتعلق بأسبوع الوحدة الإسلامية التي أشار إليها بعض المصلحين فإن من مظاهر الوحدة التي لا بد من تطبيقها من منطلق كوننا مسلمين أن نرد النزاع والخلاف إلى الله والرسول (ص) ليكون الحوار من خلال ما قاله الله تعالى وقاله الرسول (ص) لا على ضوء ما قال فلان وفلان وفلان.

ولكن علينا أن نعي أن الوحدة الإسلامية التي ندعو اليها لا تعني تمييع المذهبية بمعنى الانتقال من مذهب إلى آخر لحساب الوحدة دون اقتناع.

ولنعلم بأن الوحدة الإسلامية كما يقول البعض لا تمثل مجرد شعار سياسي بل هي قاعدة القوة التي يرتكز عليها الإسلام ولن نستطيع أن نصنع القوة في العالم الإسلامي إذا لم ترتكز على الوحدة الإسلامية، فما دمنا يمزق بعضنا بعضا ويكفر بعضنا بعضا، وما دمنا نحول خصوصياتنا إلى أوثان نعبدها وما دامت الكيانات التي صنعها الاستكبار من خلال مصالحه قد تحولت إلى مقدسات حتى اذا تحدث أحدنا بوحدة عربية أو إسلامية نادينا بالويل والثبور وعظائم الأمور فكيف يمكن أن نهدم هذه الحدود فيما بيننا؟!

لقد أزال الإسلام كل الحواجز ووحد الأمة انطلاقاً من قوله تعالى ((إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)) وقوله ((فاعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)) وقوله تعالى ((إنما المؤمنون إخوة)).

إذن نحن في ولادة النبي (ص) وولادة الإمام الصادق (ع) نكتشف الجسر الذي يربطنا ويوحدنا ويجعلنا ننطلق بالشهادة التي نلتقي عليها جميعا: (أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله). وهذا هو نداء المولد النبوي والجعفري، لا التصفيق أو الزينة في الشوارع أو الكلمات الفضفاضة.. خطوة واحدة نحو الوحدة كما كان المسلمون في البداية إذا أسلم أحدهم جاء في اليوم الثاني بمسلم آخر، فهل نفكر إذا عشنا روح الوحدة أن نأتي بوحدوي آخر ووحدوي ثالث حتى تنتشر الوحدة بين المسلمين؟ هذا هو النداء الذي نستوحيه من ذكرى المولدين.

وفي الختام نسأل المولى سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الدعاة إلى الوحدة الحقيقية التي يريدها الإسلام، ويبصرنا طريقنا ويهدينا إلى التي هي أقوم إنه سميع مجيب.