ممثل المرجعية العليا في اوروبا يرفع عزاءه إلى ولي الله الأعظم (عج) وإلى العالم الإسلامي بوفاة خاتم النبيين والمرسلين محمد بن عبد الله (ص) ويقول:
• لو أن المسلمين ساروا على نهج النبي(ص) وأهل بيت العصمة والطهارة لما تسلط عليهم الأشرار في هذا العصر
• لو أن الدول التي تنفق الملايين على التسليح أنفقت نصفها على عمارة بلدانها وتنمية اقتصادها ومساعدة فقرائها لما احتاج مسلم وجاع فقير
26 صفؤ 1443هـ

جاء حديثه هذا في ذكرى وفاة النبي (ص) التي كانت في الثامن والعشرين من شهر صفر في السنة الحادية عشرة من الهجرة وبفقده (ص) فقد العالم اكبر شخصية عرفها منذ نبي الله آدم (ع) وحتى نهاية العالم. وما إن شاع خبر وفاته في المدينة المنورة حتى انهال المسلمون على داره لتوديعه والصلاة عليه، وأول من صلى عليه هو الإمام علي (ع) وأهل بيته وأقاربه وأصحابه ثم أهل المدينة ثم أهل الضواحي، وبقي جثمانه الشريف لمدة ثلاثة أيام حتى فرغ الناس جميعا من الصلاة والوداع، وكان علي (ع) قد حفر القبر وشق اللحد فأنزل جسد النبي (ص) إلى القبر وأضجعه في لحده ووضع خده على الأرض ثم قبل النبي قبلة الوداع باكيا حزينا وهو يقول :(بأبي أنت وأمي يا رسول الله طبت حيا وميتا أما حزني فسرمد وأما ليلي فمسهد حتى يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم…) ثم خرج من القبر وأهال التراب عليه فكان علي (ع) آخر الناس عهدا بالنبي (ص)، ودفن (ص) في بيته وفي الحجرة التي قبض فيها، وبوفاته ختمت حياة سيد الأنبياء وخاتم المرسلين (ص) بثلاث وستين عاما من أشد السنين والأعوام قسوة ومرارة وآلامًا في حياة إنسان، أربعين عاما منها قضاها في اليتم والفقر والتأثيرات النفسية المؤلمة جراء الظلم الإجتماعي والفساد الأخلاقي اللذان كانا يسودان المجتمع العربي عامة والمكي خاصة.عاشها غريبا وهو في بلده إلى أن بعث بالرسالة الإسلامية وأضيف إلى معاناته أضعافا حتى قال (ص) :(ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت) وروي عنه قوله (ص) :(أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأوصياء ثم المؤمنون الأمثل فالأمثل على قدر مراتبهم من الإيمان). لقد صبر على أنواع كثيرة من التكذيب والاستهزاء والضرب والجرح بصدر رحب وقلب يفيض بالعطف والحنان ولسان يلهج بالشكر والدعاء والعفو والصفح ويد كريمة مبسوطة بالجود والعطاء العجيب حتى استحق وسام الشرف الإلهي والترفيع إلى أقصى مراتب الكمال الإنساني حيث به ختمت سلسلة الأنبياء وبرسالته أكملت رسالات السماء وهو وحده صاحب الشريعة الخالدة والمعجزة الباقية أبد الدهر يتحدى بهما العصور والأجيال.

وطالما نشم هذا العطر الفواح من سيرته علينا أن نذكر شبابنا وأجيالنا ببعض الجوانب من حياته لتكون لهم منهاجا وصراطا مستقيما في حياتهم الدينية والأخلاقية والتربوية والسلوكية وكل موقف من مواقفه (ص) كفيل بأن ينير لنا الطريق لمسافات بعيدة، فلهذا وغيره يتوجب علينا الاقتداء به وبأهل بيته (ع) لنحرر الإنسان والإنسانية من الأنانية والعبودية وحب الذات وحب المصالح ونستبدلها بحب الله وحب الخير لأنفسنا ومجتمعاتنا، وعلينا أن نعكس للعالم شخصية النبي (ص) بما تمثله من رسالات الأنبياء التي جاءت لصلاح الإنسان وهدايته إلى القيم والمثل التي أرشدت إليها الرسالات السماوية ((لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)).

فهاك جانبا من شخصيته التي عرفت بالعفو والسماحة والمحبة والسلم والسلام حتى مع ألد أعدائه، وقد ذكر لنا التاريخ أنه عفا عن وحشي قاتل عمه حمزة كما عفا عن المرأة اليهودية التي قدمت له شاة مسمومة وعفا عن أبي سفيان الذي قاد الجيوش لحربه فجعل الداخل لداره آمنا من القتل وعفا عن قريش التي حاربته أشد المحاربة ووقفت بكل كيانها وكبريائها وما أوتيت من قوة وحزم وإذا به وهو في أوج قوته وسلطته وسطوته يجمعهم ويسألهم عما هو فاعل بهم بعد ذلك الإيذاء الشديد الذي كان مبررا لقتلهم أو نفيهم في كل الأعراف والقوانين فأجابوه وهم يعرفون أن قلبه ملؤه الرأفة والرحمة بقول واحد :إنك أخ كريم وابن أخ كريم، فقال :(لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء).

فأين أولئك الذين يدعون الإسلام من هذه السيرة العطرة والروح العالية في التسامح والعفو؟ وأين المسلمون عن ملامح هذه الشخصية العظيمة التي بعثت رحمة للعالمين؟ فلو أنهم اتبعوها وساروا على نهجها الشريف وخلقها الرباني الرفيع لعاش العالم كل العالم بخير وسعادة وأمن وأمان وسلم وسلام ((ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون)).

إلا أنهم كانوا ومع شديد الأسف كما وصفهم النبي (ص): (ولكنكم غثاء كغثاء السيل يجعل الوهن في قلوبكم وينزع الرعب من قلوب أعدائكم لحبكم الدنيا وكراهيتكم للموت).

فلذا نراهم اليوم يتخبطون ركعا وسجدا على أبواب الأعداء يطلبون النصرة والاستعانة رغم ما متعهم الله به من الكثرة إذ هو يشكلون أكثر من خمس سكان الكرة الأرضية عددا ومن الناحية الاقتصادية يملكون ما يملكون من الذهب الأبيض والأسود ويتحكمون بأهم ممرات العالم وعندهم من الكفاءات والقدرات البشرية ما شاء الله وينامون على ترسانات من الأسلحة المختلفة الخفيفة منها والثقيلة قد ادخروها للقضاء على إخوانهم بدل أعدائهم وذلك إرضاء لأسيادهم وتحقيقا لرغباتهم عكس ما وصفهم القرآن فتراهم رحماء بأعدائهم أشداء على إخوانهم لا ضمير إنساني يمنعهم ولا قانون يصدهم ولا شرف يردعهم أولئك هم المعنيون بقوله تعالى: ((قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالًا الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا)) ولو أن الملايين من أموال المسلمين التي أنفقت على شراء الأسلحة عمروا بها بلدانهم وأوطانهم ونموا مداخلها وقووا اقتصاداتهم وساعدوا فقراءهم ومحتاجيهم لما جاع مسلم وافتقر.

هذا وفي الختام ونحن بين هذا التطرف وتلك الرحمة الإلهية نعيش هذه الأيام في مأساة وفاة هذا النبي العظيم (ص) الذي كان ملؤه رحمة، ولكن الحكمة الربانية اقتضت أن يقبضه الله إليه (قبض رأفة ورحمة ورغبة وإيثار فرسول الله عن تعب هذه الدار في راحة قد حف بالملائكة الأبرار ورضوان الرب الغفار ومجاورة الملك الجبار) قد ترك الأمة في حسرة ولوعة وتلك هي والله النازلة الكبرى والخسارة العظمى فيا لها من خسارة لا تعوض، فوداعا لك يا رسول الإنسانية والمحبة الذي كنت بالمؤمنين رؤوفا رحيما وسلام عليك يوم كنت نورا في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك المدلهمات من ثيابها وسلام عليك يوم ولدت ويوم عشت ويوم تبعث حيا، قد منحت الشفاعة الكبرى التي تشفع بها للمذنبين والعاصين من امتك ممن لم تتلطخ أيديهم بدماء الأبرياء ورحمة الله وبركاته.