ممثل المرجعية العليا في اوربا يعزي العالم الاسلامي بشهادة ثامن ائمة المسلمين الامام علي بن موسى الرضا (ع) ويقول:
• لقد كان الامام الرضا (ع) علما بارزا من اعلام الطب في كلياته وجزئياته بشهادة ما كتبه في رسالته الذهبية للمأمون العباسي، وهذه الرسالة هي اول رسالة طبية كتبت في التاريخ الاسلامي
17 صفر 1443هـ

يصادف يوم السبت 17 صفر يوم شهادة الامام الرضا (ع) الذي استشهد في طوس ودفن في خراسان حيث مرقده الان والذي يؤمه ملايين الزائرين من مختلف انحاء العالم، ولما له من مقام عظيم ومنزلة كبيرة لا يسعنا ولو استطرادا ذكر جانب من حياته وخصوصياته التي خصه الله بها، ولكن لما كان ما لا يدرك كله لا يترك جله فراينا الاشارة الى ابرز نقطة من حياته العلمية وهي معرفته بعلوم الطب، ومن هذا نعلم بان علومه لم تقتصر على احكام الشريعة الغراء بل شملت جيع انواع العلوم ومنها الطب، فقد كان علما من اعلامه ومطلعا على جميع فروعه وجزئياته، ويدل على ذلك الرسالة الذهبية التي كتبها للمأمون العباسي بعد مناظرته علماء الطب انذاك: (يوحنا بن ماسويه)، (جبريل بن بختيشو)، (صالح بن بهلة الهندي).

وقد خاض هؤلاء القوم في حضرة الامام في البحوث الطبية والامام (ع) ساكت لم يتكلم بشيء فانبرى إليه المأمون قائلا له بإكبار: ما تقول يا أبا الحسن في هذا الامر الذي نحن فيه اليوم والذي لا بد منه من معرفة هذه الأشياء والأغذية النافع منها والضار وتدبير الجسد، فانبرى الامام مجيبا:

(عندي ما جربته وعرفت صحته بالاختبار ومرور الأيام مع ما وقفني عليه من مضى من السلف مما لا يسع الانسان جهله ولا يعذر في تركه فأنا أجمع ذلك مع ما يقاربه مما يحتاج الى معرفته).
إن الامام (ع) من خزنة الحكمة ومن ورثة الأنبياء وعنده علم ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم وقد استجاب الامام الى طلب المأمون فزوده بالرسالة الذهبية التي تضمت امورا طبية لم يتم التوصل اليها الا في وقت متأخر.
ونظرا لأهميتها فقد عكف على شرحها وترجمتها جمهرة من العلماء نصّ عليهم في تقديم هذه الرسالة سماحة الحجة المحقق السيد مهدي الخرسان 19 عالماً، فما احرانا ونحن نعيش في هذه العصور الجرداء ان نرجع الى تراث اهل البيت (ع) وما تركه لنا الامام من اثر علمي ومعرفي تستفيد منه الاجيال خصوصا اطباء العصر واساتذة الفن من مسلمين وغيرهم ليستفيدوا منها وينفعوا البشرية بذلك.
هذا وقد بدأ الامام (ع) رسالته بقوله (ان الله تعالى لم يبتل العبد المؤمن ببلاء (المرض) حتي جعل له دواءاً يعالج به، ولکل صنف من الداء صنف من الدواء).
حكى هذا المقطع حكمة الله البالغة في خلقه للانسان الذي يحتوي على الأجهزة العجيبة، التي هي عرضة للإصابة بأنواع الأمراض، وان الله تعالى لم يخلق مرضا إلا وله دواء يقضي عليه، ويحسمه، فقد طويت في هذه العصور التي بلغ فيها الطب الذروة مجموعة من الأمراض وألقيت في بحر النسيان ، كمرض السل، والتهاب الأمعاء، والتيفوئيد، وذلك بفضل المضادات الحيوية كالبنسلين والارومايسين وغيرهما، بالإضافة إلى علوم الجراحة التي قضت على كثير من الأمراض، وبهذا فقد تجلت الحكمة البالغة في كلمة الامام سليل النبوة من أن الله تعالى قد جعل لكل صنف من الداء صنفا من الدواء، وسوف يطوى من ملف الطب أن بعض الأمراض لا دواء لها.
ثم قال (ع) (إن الأجسام الإنسانية جعلت في مثال الملك ، فملك الجسد هو القلب ، والعمال العروق والأوصال والدماغ ، وبيت الملك قلبه ، وأرضه الجسد ، والأعوان يداه ورجلاه وعيناه وشفتاه ولسانه وأذناه ، وخزانته معدته وبطنه ، وحجابه صدره).

ولم يكتفي الامام (ع) ببيان وشرح ما لهذه الاعضاء من اهمية، بل اشار الى جميع ما يحتاج اليه (البدن) في سياسة المزاج واحوال جسمه وعلاجه وما يحتاج الى تناوله من الاغذية والادوية وما يجب ان يفعله في اوقاته.
وعند الرجوع الى تفاصيل هذه الرسالة نجد ان الامام (ع) قد تعرض الى بدن الانسان ، هذا البدن العجيب الذي تجلت فيه قدرة الله الهائلة، وابداعه المدهش، وتنظيمه المحكم، قال تعالى: يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك، فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك). هذا البدن الذي حوى من الأجهزة والخلايا ما يعجز عنه الوصف، ويقول فيه رائد الحكمة والبيان في الاسلام الامام أمير المؤمنين (ع)
أتحسب أنك جرم صغير          وفيك انطوى العالم الأكبر

نعم ان الانسان ليس هيكلا محدودا، ولا جرما صغيرا وانما حوى العالم بأسره، فهو مجموعة من الأكوان والعوالم. وقد شبه سليل النبوة، ومعدن العلم والحكمة بدن الانسان بالدولة، التي يتكون جهازها من الرئيس، والجند والأعوان، والأرض التي يكون حاكما لها، وقد ذكر الإمام (ع) من أعضاء البدن وأجهزته الرئيسة القلب والعروق والدماغ واليدان والرجلان وحاسة السمع والبصر...
وقد انهاها (ع) بقوله (ومن عمل فيما وصفت في كتابي هذا ودبر به جسده أمن بإذن الله تعالى من كل داء، وصح جسمه بحول الله وقوته، فإن الله تعالى يعطي العافية لمن يشاء، ويمنحها إياه والحمد لله اولا واخرا وظاهر).
وتعد هذه الرسالة واحدة من أهم الآثار العلمية التي تركها الإمام (ع) لنا ولكلّ الأجيال القادمة لأهميتها العلمية ونفاستها الصحّية، وهي أول رسالة طبية كتبها مسلم في التاريخ الإسلامي، لان ما كُتب قبلها لم يكن ليعدو أن يكون ترجمات من كتب اليونان والسريان الطبية ، باستثناء ما املاه الامام الصادق (ع) للمفضل بن عمر وغيره.

هذا ومن المعلوم مدى أهمية علم الطب وغيره من العلوم التي تعني بمنافع الناس، فقد ورد عن أئمتنا (ع) (أن العلم علمان : علم الأديان ، وعلم الأبدان).
ولا ريب أن أصل كل علم هو من مخزون علم الله الذي ينزله بقدر معلوم على الناس بواسطة حججه صلوات الله عليهم، ونحن بحمد الله قد أنعم الله علينا بالتسليم لهم ، والأخذ عنهم ، لا عن غيرهم، قال زين العابدين (ع) (ولا سواء حيث ذهب الناس إلى عيون كدرة ، يفرغ بعضها في بعض ، وذهب من ذهب إلينا إلى عيونٍ صافية ، تجري بأمر ربها ، لا نفاد لها ولا انقطاع).

وما أحوجنا جميعاً ، وبالأخص أبناءنا وبناتنا ، أن نتأسى بعالم آل محمد ، سميّ أمير المؤمنين (ع) ، وباب علوم سيد الخلق أجمعين ، في بذل الجهد لتحصيل العلوم النافعة للبشرية، وكما أوصى السيد المرجع (دام ظله) بالسعي في إتقان مهنة ، أو كسب تخصص ، حتى نكون كما قال جده أمير المؤمنين ويعسوب الدين (ع) (خذوا من كل علم أحسنه، كالنحل يأخذ من كل زهر أزينه، فيتولد منه جوهران نفيسان، أحدهما فيه شفاء للناس ، والآخر يستضاء به).

نسال المولى سبحانه وتعالى ان يجعلنا من المنتهلين من علومهم والعاملين بها والسائرين على نهجهم انه ولي التوفيق.