العلامة السيد مرتضى الكشميري يعزي العالم الإسلامي بوفاة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها ويقول:
• إن الله سبحانه وتعالى قد منح سيدتنا الزهراء (ع) وسام الشفاعة لمحبيها، فهي الشفيعة لهم يوم المحشر
• يدعو المراة المسلمة الى الاقتداء بسيرة الزهراء (ع)
11 جمادى الاولى 1442هـ

جاء حديثه هذا بمناسبة حلول الذكرى الفاطمية الثانية، والمأمول من المؤمنين إحياء هذه المناسبة بما يتناسب وشأنها، وعلى الخطباء والمبلغين أن يخصصوا أحاديثهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي لبيان مقاماتها الشريفة في القرآن والسنة والتاريخ، لأن فيها الكثير من فضائها وما حباها الله به من الفضل العظيم. وعند الاستقراء والتتبع لحياتها يتضح لنا بأنها كانت هي المرأة النموذجية الرسالية التي طبقت تعاليم الإسلام في جميع ميادين حياتها. وحري بالمرأة المسلمة اليوم الاقتداء بها والأخذ بكل مفردة من مفردات حياتها خصوصا ونحن نعيش في عالم الانفتاح على الثقافة الغربية المليئة بالمفارقات التي تجانب المنهج الإسلامي وطريقته، فقد تتصور بعض نسائنا في هذه البلدان أن المرأة المثالية هي التي تمتلك القدرة على التعاطي مع ضروريات المرحلة الراهنة وحاجات العصر في هذا المجتمع. نعم، إن هذا أمر وارد ولكن ينبغي أن يعرفن بأن المرأة المسلمة لا تكون عنصرا منتجا متحركا وقدرة فاعلة في شتى مجالات الحياة في الثقافة والاجتماع والتربية والسياسة سواء في هذه البلدان او في غيرها إذا لم تكن ملتزمة بأحكام الشريعة وضوابط الدين وقيم الإسلام وتوجيهات القرآن.

وفي التاريخ القديم والمعاصر أمثلة كثيرة من النساء اللواتي كن مثالا للصمود والشموخ والتحدي بحجابهن الإسلامي وعفافهن وقيمهن الأخلاقية وبهذ الروحية الدينية العالية قد ربين أجيالا وأجيالا وصرن المثل الأعلى في العطاء والإبداع. لذا نكرر بأن المرأة المسلمة إذا أرادت الرقي والتقدم فعليها ألا تخرج في دائرة حياتها عن سيرة الزهراء(ع).

هذا ومادمنا في الحديث عن الزهراء (ع) فلا بأس أن نشير إلى بعض مقاماتها وما خصها الله به الفضائل والمناقب، فمن تلك الخصوصيات:

أولا: أنها كانت قبل خلقها نورا معلقا بساق العرش وإليه ذلك الإشارة بقوله (ع) (خلقكم الله أنوارًا فجعلكم بعرشه محدقين ) فكانت هي (ع) جزءا من هذا النور المبارك.

ثانيا: الشفاعة لمحبيها، فهي الشفيعة يوم القيامة لمن أحبها وتولاها، وبهذا المعنى جاء الحديث عن خامس أئمة أهل البيت الإمام الباقر(ع) (وإنها ( الزهراء عليها السلام) لتلتقط شيعتها كما يلتقط الطير الحب الجيد من الحب الرديء).

ثالثا: الاصطفاء ، ولها اصطفاءان :أولهما الاصطفاء العام الذي خص الله به عباده من المؤمنين والمؤمنات، والاصطفاء الثاني الذي سادت به على نساء الجنة لقوله (ص) (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع آسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد) وقوله (ص) (إن ابنتي فاطمة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين) وهذا الاصطفاء لا يتنافى مع ما جاء في القرآن من اصطفاء السيدة مريم (ع) على نساء العالمين كما ورد في رواية عمران بن حصين أن النبي (ص) قال:(يا بنية ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين؟ قالت له :يا أبتي فأين مريم؟ قال: تلك سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين).

رابعا: مقام الرضا، وهو من أبرز مقاماتها التي منحها الله عز وجل حيث قرن رضاه برضاها فمن رضيت عنه فاطمة (ع) رضي الله عنه لقول (ص) الذي أجمعت عليه صحاح القوم ومسانيدهم (فاطمة يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها) وهذا النوع من الرضا يختلف عن الرضا في قوله تعالى ((هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم)) حيث أن هذا الرضا رضا متبادل بين الخالق والمخلوق إذ يرضى الله عن عبده ويرضى العبد عن ربه وهذا مقام عظيم ورتبة رفيعة يصبو لتحقيقها المؤمنون والمؤمنات، ولكن مقام الرضا الفاطمي ينبئ عن امر يختلف عن هذا المقام فهو ينبئ عما يلي:

أولا: العصمة التي بلغتها الزهراء(ع) فهي قد وصلت إلى درجة من الطهر والطهارة فهي طاهرة مطهرة من كل رجس ودنس، فالله يرضى لكل أمر ترضى له فاطمة (ع) ويغضب لكل غضب تغضب له فاطمة وهذا ما يعبر عنه علماء العقائد باتحاد الإرادتين: إرادة الله مع إرادة المعصوم ومحبة كل ما يحبه المعصوم وغضب الله لكل ما يغضب له المعصوم بحيث يصل المعصوم إلى درجة إدراك الملكات الربانية التشريعية والتكوينية وتتوافق إرادته مع إرادة الله عز وجل.

ثانيا: منزلة الولاية، والتي أشار إليها الحديث، وتعد من لوازم مقام العصمة، فقد أعطى الله الصديقة الطاهرة (ع) مقام الولاية إذ خصها بمنزلة التصرف الكامل في هذا الكون فتعلق رضا الله برضاها وغضبه بغضبها وهذا المعنى حسب اعتقادنا هو لكل المعصومين فإن الله أعطاهم مقام الولاية والتفويض كما أعطى جدتهم الزهراء عليها السلام ذلك.

مضافا لما ذكرنا فهي حلقة الوصل بين النبوة والإمامة ومن نسلها الإمام الثاني عشر(ع) الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا.

ولمزيد من الاطلاع يرجع إلى صحاح المسلمين ومسانيدهم وإلى ما نزل فيها من الآيات كآية التطهير وآية المباهلة وآية الإطعام وآية الأبرار وسورة الكوثر وغير ذلك مما أفاض الله عليها من الفضل فهنيئا لمن أحبها وتولاها وسار على نهجها وأحيا ذكراها في مثل هذه الأيام الحزينة.
اللهم صل على فاطمة وبنيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ما أحصاه علمك وأحاط به كتابك.