ممثل المرجعية العليا في أوروبا يهنئ العالم الإسلامي بأسبوع الوحدة وذلك بمناسبة ولادة المولودين الكريمين الرسول الأعظم محمد (ص) وحفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) ويقول:
• لا بد من التمسك بالمبادئ والقيم التي دعت إليها الرسالة المحمدية، ليحيى المسلمون حياة طيبة ملؤها السعادة والألفة والمحبة.
• إن الوحدة الإسلامية لا تمثل مجرد شعار سياسي، بل هي قاعدة القوة التي يرتكز عليها الإسلام.
12 ربيع الاول 1442هـ

نلتقي في هذه الأيام المباركة بذكرى ولادة سيد الخلق رسول الله (ص) الذي أرسله الله كافة للناس بشيرا ونذيرا، وبعثه رحمة إلى العالمين ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليعلمنا على مدى الزمن الكتاب والحكمة، وليزكينا ويرتفع بنا لنكون من المقربين من الله تعالى بالعقل والقلب والروح والحركة.

ونلتقي بولادةالإمام الصادق (ص) الذي يمثل الإمامة الحقة المنفتحة على العلم كله وعلى الإسلام كله وعلى الواقع كله، وفي هذا اللقاء نحاول أن نستوحي من هذه الذكرى وتلك ونزاوج فيما بينهما، لأن هناك ارتباطا عضويا فيما بينهما كما هو ارتباط الفرع بالأصل، فالأصل هو رسول الله (ص) وهو الأصل في النسب وفي الرسالة وفي العلم وفيه الحركية الارسالية والامتداد الروحي والثقافي والعلمي كله.

إذا ونحن في ذكرى ولادة رسول الله (ص) لا بد لنا أن نقف وقفة تأمل لنفكر ما هي مسؤوليتنا أمام رسول الله (ص) وكيف يمكن لنا أن نؤكد في حياتنا التزامنا به باعتبار أن الله أرسله للناس كافة ((وما ارسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا))، للناس الذين كانوا معه في مرحلته والذين جاؤوا من بعده.

فالرسول يموت ولكنه باق في رسالته، وعلى الذين يلتزمون رسالته أن يتابعوها فكرا يفكرون بها، ودعوة يدعون إليها، وعملا يعملون به، ونحن نعيش في هذه المرحلة من الحياة كجيل جاء بعد أجيال متتابعة منذ عهد الرسالة في ساحة تتصارع فيها الأفكار وتختلف فيها الديانات، فهناك أكثر من ديانة تتحرك في الساحة الى مستوى التحدي للإسلام أو التبشير بغيره أو ما إلى ذلك، وهناك أكثر من تيار علماني إلحادي في بعض مواقعه وإلحادي في مواقع أخرى ولكنه ينكر الشريعة والشرع، وفي مقابل ذلك علينا أن نحدد هويتنا الإسلامية بحيث يكون عقلنا عقلا إسلاميا بحيث لا يكون فيه شيء من الكفر والانحراف، أن تكون قلوبنا قلوبا إسلامية، فنحب من أحبه الله ونبغض من أبغضه، وأن تكون حياتنا حياة إسلامية يعيش كل واحد في نفسه وفي بيته مع أهله وفي المجتمع مع الناس عندما يرتبط بهم من خلال علاقة هنا وعلاقة هناك، وأن يكون الإسلام هو الأساس الذي ترتكز عليه الخطوات والعلاقات بحيث أن على الرجل التفكير في ما هو الحكم الإسلامي في طريقة تصرفه مع زوجته، وكذلك الزوجة مع زوجها، وهكذا في مسألة الأولاد مع آبائهم وأمهاتهم وما إلى ذلك ومع كل الناس، حتى أنننا في معاملتنا عندما نتعامل بيعا أو شراء أو إجارة فإن علينا أن تكون عقودنا عقودا إسلامية تعتمد الحكم الشرعي في صحة هذا العقد وفساده وشرعية إقامة هذا العقد وعدم إقامته وذلك حتى تكون كل حياتنا خاضعة بكل مفرداتها لكلمة الله تعالى وكلمة الرسول وأهل بيته الكرام، وهذا ما ينبغي لنا أن نؤكده لأنننا سوف نقف بين يدي الله تعالى وسوف نلتقي برسول الله وسيسألون رسول الله (ص) عن رسالته كيف حفظناها في أنفسنا وفي الناس من حولنا ؟ وسيسألون عن دينه كيف التزمناه وراعيناه في حياتنا وفي كل مواقعنا وعلاقاتنا؟ لأن الله سوف يحاسبنا فيثيبنا أو يعاقبنا على أساس الإسلام، لذا لا بد في ذكراه من الالتزام بكون الإسلام هو العنوان الذي يعيش في شخصياتنا أهو عقل إسلامي أم عقل كافر؟ ويفحص قلبه، أهو قلب ينفتح على الإسلام أم ينفتح على الكفر ؟ وفي الجانب الآخر في ذكرى ولادة الإمام الصادق (ع) لنستمع إلى بعض توجيهاته (ع) التي يدعو فيها إلى جلب المحبة والألفة بين المسلمين ليردم الهوة التي تقع بين البعض والبعض الآخر على أساس مزاجي، حيث يوصينا قائلا (صلّوا في عشائرهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم فإنكم إن فعلتم ذلك قالوا رحم الله جعفرا ما كان أحسن ما يؤدب أصحابه) وقال (كونوا زينا ولا تكونوا شينا)، فلقد كان يريد أن يجمع المسلمين على كلمة واحدة وعلى خط واحد وهو خط الإسلام، وكان يستقبل في مدرسته الإتجاهات كلها والمذاهب جميعها، حتى أنه كان يستقبل الماديين الذين يناقشونه في العقيدة فيفتح لهم عقله وقلبه لأنه كان يعتقد أن على المسلم ألا يضطهد الكافر في شخصه بل في كفره، لأن مشكلتنا مع الكافر ليست مشكلة ذاته ولكنها مشكلة كفره، وإذا استطعنا بالفكر أن نهزم كفره فإن بإمكاننا أن نربح مسلما جديدا، وألا ننطلق من موقع عقدة إزاء الآخرين، بل من موقع رسالة، والرسالة لا تعرف الحقد ولا البغضاء، وقد ورد عن علي (ع) عن رسول الله (ص) في نهج البلاغة (إن الله يحب العبد ويبغض عمله، ويحب العمل ويبغض بدنه) فقد يكون مؤمنا ولكن عمله سيء، وهناك فاصل بين الذات والعمل، وربما يحب العمل ويبغض البدن الذي يتحرك في طريق الانحراف.

هذا وطالما نحن في أسبوع الوحدة الإسلامية علينا أن نفهم أنَّ الوحدة الإسلاميَّة لا تعني تمييع المذهبيَّة، بمعنى الانتقال من مذهب الى آخر لحساب الوحدة، دون اقتناع، ولذا، فمن خلال كونك مسلما، لا بد من أن ترد النزاع والخلاف إلى الله والرسول، ليكون الحوار من خلال ما قال الله تعالى وقاله الرسول (ص)، لا على ضوء ما قال فلان وفلان.

ولنعلم بأنَّ الوحدة الإسلامية كما يقول البعض لا تمثِّل مجرَّد شعار سياسيّ، بل هي قاعدة القوَّة الّتي يرتكزعليها الإسلام، ولن نستطيع أن نصنع القوَّة في العالم الإسلاميّ إذا لم نرتكز على الوحدة الإسلاميَّة، فمادمنا نمزّق بعضنا بعضاً، ونكفِّر بعضنا بعضاً، ومادمنا نحوّل خصوصيّاتنا إلى أوثان نعبدها، ومادامت الكيانات الّتي صنعها الاستكبار من خلال مصالحه قد تحوّلت إلى مقدَّسات، حتى إذا تحدَّث أحدنا بوحدة عربيَّة، أو وحدة إسلاميَّة، نادينا بالويل والثبور وعظائم الأمور، فكيف يمكن أن نهدم هذه الحدود فيما بيننا؟

لقد ازال الاسلام كل تلك الجواجز ووحد الامة تحت مظلته، قال تعالى ((إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)) وقال ((وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ)) وقال ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ))، وفي ولادة النبيّ (ص)، وولادة الإمام الصّادق (ع)، نكتشف الجسر الّذي يربطنا ويوحِّدنا ويجعلنا ننطلق في الشَّهادة التي نلتقي عليها جميعاً (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمداً رسول الله)، وهذا هو نداء المولد، فهو ليس تصفيقاً، ولا زينة في الشوارع، ولا كلمات فضفاضة.. خطوة واحدة نحو الوحدة، كما كان المسلمون في البداية، إذا أسلم أحدهم جاء في اليوم الثّاني بمسلم آخر، فهل نفكّر إذا عشنا روح الوحدة أن نأتي بوحدويّ آخر، ووحدويّ ثالث، حتى تنتشر الوحدة بين المسلمين؟ هذا النّداء هو الّذين نستوحيه من ذكرى المولدين.

هذا ونسأل من المولى سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الدعاة إلى الوحدة الحقيقية التي يريدها الاسلام بقوله تعالى ((واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)).