البيان التوجيهي الصادر من المؤسسة الى الخطباء و المبلغين ، وذلك بمناسبة قرب حلول شهر محرم الحرام وفاجعة الطف الأليمة لعام 1432هـ
23 ذي الحجة 1431هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ،

قال الله تعالى في محكم كتابه : (( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين )) فصلت 33 . يطل علينا شهرا محرم الحرام وصفر الخير ، وما أعظمهما من شهرين ، لما يتضمنانه من مناسبات دينية هامة ، ففيهما ذكرى رحيل نبي هذه الأمة وهاديها ومنجيها ( صلى الله عليه وآله ) ، وفيهما ذكرى استشهاد سبطه الحسين بن علي ( عليه السلام ) محيي شريعة جده ، ومجددها ، والذي كان الامتداد لجده في حماية تلك الشريعة ، والأمين على حفظها من الاندثار ، وحراستها من الأخطار ، لم يقل عزيمة عنه ، ولم يضعف همة منه ، حتى خالت الشريعة بأن حاميها هو لم يمت ، ولم يغب ، فصدقت نبوءة الرسول الأعظم ، إذ قال : (( حسين مني ، وأنا من حسين )) .

وتعقد المجالس ، وينتشر الخطباء في هذه الفترة للتبليغ ، ويتحدث المتحدثون (( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله )) ، فما الدعوة إلى الله ؟ إنها الدعوة إلى ما ندب الله إليه ، مما فيه حياة الإنسان (( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم )) الأنفال 24 .

إنها الدعوة إلى الإسلام ، والتمسك بتعاليمه ، والأخذ بأحكامه ، والثبات عليه ، وتصحيح مسار الأمة عندما تنحرف عنه ، وذلك كان هدف الحسين ( عليه السلام ) من نهضته ؛ حيث عبر عنه بوضوح قائلاً :

• (( ألا ترون إلى الحق لا يعمل به ، وإلى الباطل لا يتناهى عنه ))
•(( إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد ( ص ) ، أريد أن آمر بالمعروف ، وأنهى عن المنكر ))
• (( من رأى منكم سلطاناً جائراً ، مستحلاً لحرام الله ، فلم يغير عليه بفعل ولا قول ، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله ........ ))
وغير ذلك من أقواله وخطبه في يوم عاشوراء .

فعلى السادة الخطباء والمبلغين ، كشف أسرار هذه النهضة الحسينية ، في عصر طغى فيه المنكر على المعروف ، والتبس الحق فيه بالباطل ، وصار الكذب فضيلة ، والصدق رذيلة ، مما أخرج البعض من الناس عن منهج الإسلام ، حتى جرهم إلى الانحراف الفكري والعقائدي والسلوكي ، نتيجة تدنيس روحيتهم بشهوات الدنيا وملذاتها ؛ فباعوا آخرتهم بدنيا زائلة ، وتنكروا للعقيدة والمبدأ ، وثوابت الدين الحنيف ، وصار الدين لعقاً على ألسنتهم ، يحوطونه ما درت به معايشهم .

فواجبنا اليوم دحض هذه الشبهات والمغالطات ، بآيات الذكر الكريم ، وأحاديث أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، زارعين في قلوب المستمعين المودة والمحبة للآخرين ، بل جعلها شعاراً لهم في خطبهم ومحاضراتهم ، مبتعدين عن ذكر ما يسيء إلى رموز جمهور المسلمين ، لأنهم إن فعلوا عكس ذلك ، مكنوا الأعداء من الوقيعة بالجميع ، وعن هذا نهانا الذكر الحكيم بقوله :
•(( وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ )) الأنفال 46 .
• (( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً .. )) آل عمران 103 .

والمأمول أن يتمتع دعاة الإسلام ، بأعلى درجات الإخلاص ، والعمل بما يدعون إليه (ومعلم الناس أولى بتعليم نفسه..... ) ، وأن لا يكونوا ممّن عناهم الله تعالى بقوله : (( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ¨ كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون )) الصف 2 ، 3 .

هذا ولا ينسوا الجزء المهم من موضوع هذه المجالس ، باستدرار الدمعة ، والجزع والمصيبة على ما أصاب الحسين و آله ، بعرض ظلاماته ، عملاً بقوله ( عليه السلام ) : (( حدثوا شيعتنا بما جرى علينا )) ، وقوله ( عليه السلام ) : (( أنشدني بالرقة )) ، فنثير فيهم الجوانب العاطفية ، بأساليب الشجى المختلفة لقول الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) : (( من ذكر بمصابنا ، فبكى وأبكى ، لم تبك عينه يوم تعمى العيون )) ، ولقول أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) : (( من ذكر الحسين عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح الذباب ، كان ثوابه على الله ، ولم يرض له بدون الجنة )) .

ونتوج هذا الخطاب ، بما أكد مقام عليه المرجعية بالنقاط التالية :
1- الاقتصار في بيان معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ، على مقدار ما يتحمله الناس ، وعدم الزيادة على ذلك بموجب قوله ( عليه السلام ) : (( تكلم الناس على قدر عقولهم )) .
2- نقل محاسن كلمات الأئمة ( عليهم السلام ) التي تحببهم إلى الناس ، وعدم نقل ما ينسب إليهم غير ذلك مما ليس له ذلك الأثر لقول الإمام الرضا ( عليه السلام ) : (( رحم الله عبداً أحيا أمرنا فقلت : وكيف يحيى أمركم ؟ قال : يتعلم علومنا ، ويعلمها الناس ، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا )) بحار الأنوار ج2 \ 30 .
3- الابتعاد عن نقل ما لم تثبت نسبته إلى الأئمة ( عليهم السلام ) ، بل عدم نقل ما لا تتوافر عليه شواهد على صدقه وواقعيته .
4- تخصيص جزء من المجلس ، لبيان الأحكام الشرعية عامة الابتلاء ، سواء في أبواب العبادات ، أو المعاملات ، أو ما بحكمها .
5- الاهتمام بتثقيف الناس وتوعيتهم اجتماعياً ، وتضمين الخطابة قصصاً تاريخية تكون فيها العبرة لحاضرهم ومستقبلهم .

هذا ونتمنى لجميع السادة الخطباء والمبلغين التوفيق والتسديد ، لما فيه رضا المولى عزوجل ، وأن لا ينسونا من صالح دعائهم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

مؤسسة الإمام علي (عليه السلام)
ومركز الارتباط بسماحة آية الله العظمى السيد السيستاني (مد ظله) - لندن
23 ذي الحجة 1431هـ
1 كانون الاول 2010م