ممثل المرجعية العليا في اوربا يبارك للعالم الاسلامي بحلول ليلة القدر، ليلة نزول القران وليلة الدعاء ويقول:
• الدعاء حاجة ذاتية وفطرية وانسانية، فتوجهوا به الى الله في ليالي القدر الثلاث ليدفع عنكم ما نزل بكم من خطوب وما احاط بكم من كروب احاطة السوار بالمعصم
• لا تشترط الكمية في احياء هذه الليالي، وانما العبرة بالكيفية وان قلّت، شرط الالتجاء والتوجه بما يدعو الى المولى سبحانه وتعالى
20 رمضان 1441هـ

جاء حديثه هذا بمناسبة ليلة القدر ، ليلة الدعاء والتوجه والخضوع والخشوع الى الله سبحانه وتعالى، وهي ليلة نزول القران كلا او بعضا ((انا انزلناه في ليلة مباركة)).

وقد اختلف العلماء في تحديدها بين احدى ثلاث ليالي 19 و 21 و 23 ، ولكن في رواية للامام الصادق (ع) يقول نطلبها في الليالي الثلاث، فقد جاء في الوسائل والرواية معتبرة عن علي بن الحكم، عن ابن بكير، عن زرارة قال: قال أبو عبد الله (ع) (التقدير في ليلة تسعة عشر، والابرام في ليلة إحدى وعشرين، والامضاء في ليلة ثلاث وعشرين).

فما ايسر للمؤمن ان يطلب ما يريد من حاجاته الدنيوية والاخروية في ليالي ثلاث، بينما الاسابيع والاشهر والسنين تذهب دونما ان يستفيد من وقته، نعم هناك اشارة من النبي (ص) على ليلة ثلاثة وعشرين الى اعرابي طلب تحديدها، لكن هذا لا يمنع من احياء بقية الليالي. ومن حسن الصدف ان احياء ليلة 21 هذه السنة فيها اجر مضاعف لانها تقع في ليلة الجمعة والتي فيها وفي يومها ساعة آل الله على نفسه ان لا يرد فيها سائل، مضافا الى شهادة الامام امير المؤمنين (ع) .

فتوجهوا ايها المؤمنون بمزيد من الدعاء وقراءة القران وزيارة الامام الحسين (ع) وغيرها من المستحبات الواردة في احياء هذه الليلة حتى مطلع الفجر.

وهذا لا يعني ان المؤمن يقرأ كل ما ورد من الاعمال في ليالي القدر، بل بقدر ما يتمكن ولو باليسير منها ولكن بشرط التوجه التام والالتجاء الى الله سبحانه وتعالى، فالعبرة بالكيفية لا بالكمية، فركعتان يصليهما الانسان بخضوع وخشوع خير من ان يصلي عشرات الركعات وذهنه متشتت.

وما احوجنا الى الدعاء في هذا العام بالذات مع وجود الوباء الذي انتشر في كل العالم ولا يعلم متى ينتهي امده، وقد عطل الانشطة والاعمال والبرامج كلها، عدا خسائر الارواح التي بلغت الملايين والعدد آخذ بالتزايد، فاسالوا الله بنيات صادقة وقلوب طاهرة ان يرفع عنا هذا العناء والبلاء بفضله وجوده وكرمه فانه اكرم الاكرمين وارحم الراحمين.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما هي الحاجة الى الدعاء طالما ان الله يعلم بالسرايا والخفايا ويعلم ما توسوس به انفسنا ((يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور)) ؟ ولماذا ورد التاكيد على الدعاء في الايات القرانية والاحاديث النبوية وروايات اهل البيت (ع) ؟

عن هذا السؤال اجاب البعض بقوله : الدعاء حاجة ذاتية ، وحرره بمظاهر ثلاثة :

المظهر الأول: الإنسان يحتاج إلى الدعاء لأنه يحتاج إلى الأمن.
كل إنسان ولد وعنده حالة القلق وحالة التوجس والخوف، بطبيعة الإنسان أنه يقلق ويخاف ((إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً)) فهو قلق من الأمراض ومن كوراث الطبيعة وقلق من الفقر والمستقبل، لو إستسلم الإنسان إلى قلقه لم يستطع أن ينتج ولا أن يعطي ولا أن يبدع إذن الإنسان يحتاج حاجة بشرية ذاتية إلى علاج القلق ولا طريقة إلى الأمن والإطمئنان إلا الدعاء، فهو يأمنك ويشبعك بالإطمئنان والهدوء والإستقرار ((الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)) ((قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)).

المظهر الثاني: حاجة الإنسان لإنشراح الصدر.
الإنسان إذا أذنب يُظلم قلبه ورد في الحديث عن الصادق : ”إذا أذنب العبد خرجت في قلبه نُكتةٌ سوداء فإن تاب إنمحت وإن عاد عادت حتى تغلب على قلبه فلا يُفلح بعدها أبدا“ القلب إذا أظلم نتيجة كثرة الذنوب والخطايا فإن هذا القلب يتحول إلى فحمه سوداء مظلمه لا نبض فيها ولا حياة، هذا القلب لا يتفاعل مع عبادة ولا دعاء ولا قراءة القرآن، ففي أوقات تمر علينا ونحن نقرأ القرآن في حالة ملل وكسل، نمارس الصلاة والدعاء والنافلة ممارسة الكسالى والمتمللين والمستثقلين، كل ذلك إشارة إلى أن القلب يعيش حالة من القسوة، عندما يعيش القلب ظلماً ويعيش قسوى، لا يتفاعل مع أجواء العبادة ولا مع نبض الروح الذي هو نبض الحياة فيكون مقفلاً ومغلقاً ((ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)) ((لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)) قلوبنا تمر عليها بعض الأوقات لا تخشع للموعظة ولا للعبرة ولا تخشع لقراءة القرآن ولا للدعاء ولا للنافلة، ولنرفع هذه الظلمة بترقيق القلب بالدعاء ((أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا)) ((أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ)) الدعاء يغرس النور في قلوبنا.

المظهر الثالث: الحاجة إلى المدد.
تمر عليك حالات ضعف وإنهيار تشعر بأنك بحاجة إلى الدعم وإلى من يقف إلى جانبك فأحياناً تمر عليك ظروف قاسية وضاغطة سواءاً كانت في حياتك أو في صحتك أو في مايدور حولك، فيشعر المرء بأنه أصبح ضعيفاً يحتاج إلى من يسانده ومن يقف إلى جانبه في هذه الحالات أنت بحاجة إلى الصبر والصمود فالطريق هو الدعاء ((وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)) عندما تحل عليك النائبة فأنت تلجأ إلى الدعاء ولذلك ورد في الحديث القدسي: ”عبدي تعرف إلي في الرخاء أعرفك في الشدة، يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني“، إذا كنت تدعوني حتى في أوقات الرخاء أنا أستجيب لك في أوقات الشدة ”إن العبد إذا أصابته الشدة رفع يديه فتقول الملائكة إن هذا لصوت نشاز ما كان مألوفا عندنا“.

المظهرالرابع:
كما يحتاج إلى الدعاء للأمن والإطمئنان كذلك يحتاج إلى الدعاء للأمن النفسي ويحتاجه من أجل إضاءة قلبه وإزالة الظلمة عن جوانحه، ويحتاجه أيضاً من أجل التنفيس.

كيف ينفس الإنسان عن نفسه؟ الإنسان الذي يحتبس الآهات ويخبأ الأحزان والشجون في داخل نفسه يصاب بالضغط والإنهيار في يوم من الأيام، لا بد للإنسان إذا إمتلأ هموماً أو غموماً أن ينفس عما في نفسه وأن يتحدث عما في قلبه وأن يبرز ما في جوانحه ومشاعره، الدعاء هو الطريق إلى التنفيس.

إذا ألمت بك الهموم والغموم وإحتجت إلى أن تعبر عما في مشاعرك فالطريق الوحيد هو أن تجلس ركعتين في ظلام الليل بين يدي الله عزوجل تخلو بينك وبين ربك من الهموم والغموم فإنك تظهرها، كما ورد عن أمير المؤمنين علي يخاطب ابنه الحسن: ”يا بني إلجأ في أمورك كلها إلى إلهك فإنك تلجأها إلى كهف حريز ومانع عزيز“ إنك تنشرها أمام مستورٍ يسترها عليك ولا يذيعها تنشرها أمام موجود بيده العطاء والمنع وبيده التغيير والإثبات، أمام موجود يحتضنك ويستقبلك ويستمع إليك ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)).

المحور الثالث: ركائز الدعاء، الدعاء المستجاب يعتمد على ركائز:

الركيزة الأولى: ركيزة عقائدية، هي ما ورد في الحديث الشريف: ”لا يقبل دعاء لم يقرن بذكر محمد وآل محمد“ مفتاح الدعاء، مفتاح القبول وخاتمة الدعاء هي الصلاة على محمد وآل محمد.

الركيزة الثانية: الركيزة الزمانية، أن تدعو الله في أي وقت لكن هناك أزمنة تكون موطن الإجابة، ليالي معينة، ليلة الجمعة ويومها، ليلة عرفه ويومها، ليلة القدر ويومها ورد في الأحاديث الشريفة: ”يوم القدر كليلته“ حتى في النهار فهو يوم مبارك وهو موطن من مواطن الإجابة.

الركيزة الثالثة: ركيزةٌ مكانية، هناك أماكن أفضل من غيرها وبقاع أفضل من بقاع أخرى، هذه البقاع هي مواطن الإجابة الكعبة المشرفة، الروضة الشريفة لقبر النبي محمد ، محراب الإمام علي في مسجد الكوفة وقبر الحسين حائر الحسين وقبته موطن من مواطن الدعاء، إن الله جعل الشفاء في تربته، وجعل الإجابة تحت قبته.

نسال من المولى سبحانه وتعالى ان يوفقنا لصيام ما تبقى من شهر رمضان واحياء لياليه وايامه وان يرزقنا زيارة الحسين (ع) في هذا العام وفي كل عام انه ولي التوفيق.