ممثل المرجعية العليا في اوربا يعزي العالم الاسلامي بشهادة سابع ائمة المسلمين الامام موسى بن جعفر (ع) ووفاة عم النبي (ص) وناصره وحاميه، ابو طالب (ره)
• يدعو المسلمين للتضرع الى الله سبحانه وتعالى ليرفع عنهم الوباء
24 رجب 1441هـ

تطل علينا ذكرى اليمة وحزينة: شهادة الامام موسى الكاظم (ع) ووفاة جده ابو طالب (ره).

اما الحديث عن الامام الكاظم (ع) هو ككل حديث عن امام من ائمة اهل البيت (ع)، الذين لم يتركوا جانبا من جوانب حركة الاسلام الا واولوه اهتماما، سواءا في عقل الانسان بما يريد ان يربي للانسان عقله، او في قلبه بما يريد ان يربي قلبه، او في سلوكيات حياته بما يريد ان يعمق له الخط المستقيم في حركته في الحياة .

وفي هذا الجانب الواسع الممتد في عالم المعرفة نقرأ حياة الامام السابع (ع) الّذي يربط الإنسان بالله، ويربط الإنسان بالإنسان، ويربط الإنسان بمسؤوليَّته عن الحياة كلّها، فلا يكون مجرَّد شخصٍ يعيش في سجن ذاته، ولكن ليشعر بأنّه إنسان لا بدَّ من أن يعيش في حجم العالم كلِّه، لينمّي طاقاته بالمستوى الّذي يستطيع أن يكون فيه عالميّاً، لأنَّ الله تعالى أرادنا أن نقتدي برسول الله (ص) في قوله ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)) وقد كان رسول الله (ص) في رسالته إنساناً عالميّاً، يفكِّر في النَّاس كلِّهم، ويريد أن يؤسلم العالم كلّه، وهكذا كان خلفاءه واوصياه من بعده ومنهم الامام موسى بن جعفر (ع) الذي كان من خصوصياته (ع) كاظم الغيظ، فكان يحسن الى من اساء اليه ويعفو عمن اعتدى عليه، ويتسع صدره ليحضن اعدائه ليعلمهم كيف يحب الانسان الانسان بغض النظر عن التعقيدات التي يمكن ان تتحرك هنا وهناك، فكان (ع) يواجه الغيظ من كل الذين لا يحترمون انسانية الانسان، ومن كل المستكبرين في الارض الذين يعيشون على اساس الحقد والعداوة والبغضاء، اولئك الذين لا يعرفون معنى الحب، ذلك انهم يعملون على اساس ان ينفسوا عن حقدهم، لكن الامام (ع) كان يكظم غيظه، فلم يتحرك برد فهل سلبي بل كان لديه فعل من نوع اخر فيحاول ان يعطيهم درسا عن الاحسان، درسا في معنى العفو، لذلك سمي كاظم الغيظ.

هذا جانب، وفي الجانب الاخر من حياته (ع) عاش مع الله سبحانه وتعالى في أعلى الدّرجات، فكان الله حاضراً في عقله، فليس في عقله مكان إلا لله، وكان الله حاضراً في حياته كلّها، فكانت حياته للرّسالة كلّها، وكان يعيش لذّة اللّقاء بالله، ولذلك كان يطيل السّجود، فتمتدّ سجدته من الصّباح إلى الزّوال، ومن الزّوال إلى الغروب، ولم تكن سجدة تقليديّة، بل كانت سجدة يرتفع من خلالها بروحه إلى الله عزّ وجلّ، فيناجيه ويلبّيه ويدعوه ويعطيه الحبّ كلّه، وبذلك كان العاشق لربّه.. يحبّه.. يناجيه.. يتحدَّث معه، ويتواضع له، وكان يكرِّر في سجوده (اللَّهمَّ إنّي أسألك الرَّاحة عند الموت، والعفو عند الحساب) وليس هناك ذنب يستغفر الله منه، ولكنَّه التَّواضع الّذي يجعله يجلس بين يدي الله ليعيش كما يعيش العبد أمام سيِّده، لأنّ عبوديّة الإمام (ع) كعبوديّة آبائه وأبنائه، ارتفعت إلى المستوى الّذي اندفع فيه مع الله في كلِّ معاني الذّوبان بالله.

ومن هنا علينا الاقتداء والتأسي بسيرة الامام (ع) والعمل بمفردات حياته فلنا فيها لنا خير درس وموعظة ، لان حب الله يقتضي العمل باوامره واجتناب معاصيه ويجنبنا الافات والاعراض والامراض والخطايا والذنوب والهموم والاحزان والعلل والاسقام، لان (من كان مع الله كان الله معه) ولكن بشرط الاستقامة والاستعانة بالله في كل ما نواجه من امتحانات وابتلاءات وان نستعين بالصبر والصلاة لقوله تعالى ((واستعينوا بالصبر والصلاة)) ، ونعني بالصبر هنا الصبر العملي امام المحن التي نواجها في هذه الايام خصوصا بعد ظهور هذا الوباء (كرونا) الخطير الذي غزى البشرية ولا يستطيع احد ان يقف بوجهه، وما هو الا تنبيه وتذكير لها لبعدها عن الله وانغمازها بالمعاصي والموبقات.

فعلينا ان نستغل ونستثمر الفرصة التي اجبرنا فيها على البقاء في بيوتنا، لنتفرغ فيها لطاعة المولى سبحانه وتعالى وللتضرع اليه بالدعاء ليدفع عنا هذا البلاء والوباء وعن جميع المسلمين، ونكثف من تلاوة القران وقراءة الادعية الواردة عن الائمة المعصومين (ع) في مثل هذه الابتلاءات، فعسى الباري يعطف علينا ويرفع ما بنا من شدة بلطفه وكرمه فانه ارحم الراحمين ((ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون)) ، ((ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)). هذه كانت المناسبة الاولى.

اما المناسبة الثانية: هي وفاة ناصر النبي (ص) وحاميه وعمه ابو طالب (ره) الذي ما انتصر الاسلام الا بمواقفه المشرفة، والتي لولاها لما استطاع النبي (ص) ان يشق طريقه في الدعوة الى الله عز وجل، وذلك بكتمانه لايمانه كمؤمن ال فرعون ومسايرته لقريش.

ولهذا ولغيره من الوفاء ان يُعقد له مؤتمر سنوي لاحياء ذكراه، نتحدث فيه عن كل ابعاد سيرتة وحياته العظيمة ومواقفه النبيلة، لكن جزى الله تلك الاقلام التي كتبت اكثر من 37 مؤلفا مستقلا عن سيرته قد ضمنوها كلما يرتبط به، مضافا لما هو مبثوث في المصادر العامة والخاصة.

ومن مواقفه اجماع المؤرخين بانه كان يؤثر حياة رسول الله (ص) على حياة ابنائه عندما كان يتعرض (ص) للتهديد فكان رضوان الله عليه يدافع عنه بكل حزم وعزم ويستغل نفوذه ليردع عنه غوائل الاعداء، وحينما حوصر النبي (ص) اجتماعيا واقتصاديا مع اصحابه في شعب ابي طالب فلم يساندهم احد الا ابو طالب الذي وقف الى جانبه ليحامي ويدافع عنه.

وبهذه الاشارة العابرة نستطيع ان نقول: ان لابي طالب حق على الاسلام والمسلمين يفوق عبادة الثقلين، لما قام به من جهاد ودفاع وكفاح عن الاسلام، ولهذا سمى النبي (ص) سنة وفاته ووفاة خديجة (لانهما توفيا في سنة واحدة) بـ(عام الحزن)، عنداك استضعفه الاعداء وكثر اذاهم له، ولكن الله قيض له من قام مقام عمه، ابن عمه علي بن ابي طالب (ع) الذي لخص جهاده بن ابي الحديد بقوله:

ولولا أبو طالب وابنـــه            لما مثل الدين شخصاً وقاما
فذاك بمكة آوى وحامى            وهـــذا بيثرب جس الحماما
فـللـــه ذا فاتحاً للهـــدى            ولله ذا للمعــالــــي ختـــاما

هذا ولعلو مقامه ومنزلته عند الله مشى رسول الله (ص) خلف جنازته وشيعه الى مثواه الاخير، وطلب من (ولده) الامام علي بن ابي طالب (ع) ان يتولى تغسيله وتكفينه ودفنه، ولما رفعه على السرير اعترضه النبي (ص) فرق وتحزن وقال: وصلت رحما وجزيت خيرا يا عم فلقد ربيت وكفلت صغيرا، ونصرت وآزرت كبيرا، ثم أقبل على الناس وقال: أما والله لاشفعن لعمي شفاعة يعجب به أهل الثقلين.

فرحمك الله يا ابا طالب يوم ولدت ويوم عشت ويوم جاهدت ويوم رحلت الى ربك ويوم تبعث حيا