ممثل المرجعية العليا في اوربا يقول:
ان احياء امر اهل البيت (ع) لا يقتصر على اقامة الشعائر الحسينية فحسب وانما بتعلم علومهم وتعليمها للناس
5 محرم 1441هـ

جاء حديثه هذا في اليلة السادسة من محرم الحرام في ديوان الكفيل بالعاصمة البريطانية لندن ذاكرا حديث الامام الصادق (ع) (إنّ تلك المجالسُ أحُبّها، أحيوا أمرنا فرحم ألله من أحيا أمرنا، فإنّ من جلس مجلسا يُحيى فيه أمرنا لم يمُت قلبه يوم تموت القلوب).

فقال سماحته: ان احياء امر اهل البيت (ع) لا يقتصر على اقامة الشعائر الحسينية فحسب، وانما من خلال تعلم علومهم وما تركوه من اثار علمية في مختلف العلوم والمعارف التي غفل عنها الكثير منا، حتى تصور البعض ان الائمة من اهل البيت (ع) علومهم منحصرة بعلوم الشريعة، ولم يعلموا بانهم (ع) تعرضوا للعلوم التجريبية التي هي اليوم مدار الدراسة في الجامعات العالمية والاسلامية كالطب والفيزياء والكيمياء والهندسة والرياضيات وغيرها مما لم يتوصل الى حقائقها حتى الان علماء الغرب والشرق ، ولو اطلع العالم على ذلك لاتبعوا اهل البيت (ع) وهو عين ما اشار اليه الامام الرضا (ع) بقوله (فان الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا).

فلهذا يجب علينا أن نحيى ذكر أهل البيت (ع) وأمرهم بين أبناء الأمة الإسلامية وغيرها حتى يعرفوا علومهم ومعارفهم، وينتشر فكرهم، حينئذ يكون لهذا أثر كبير في استقطاب الناس إلى خطهم والى منهجهم (ع)، ولكن ينبغي أن تكون بالأسلوب المناسب ((ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)) . يقول مدرك الهزهاز قال لي الإمام الصادق (ع) (أقرئ أصحابنا السلام ورحمة الله وبركاته، وقل لهم: رحم الله امرأً اجتر مودة الناس إلينا، فحدّثهم بما يعرفون وترك ما ينكرون) ، اي استقطبوا مودة الناس إلى أهل البيت، وتخاطبوا معهم على قدر عقولهم، وعلى قدر تقبلهم. فليس من الصحيح أن تتحدث مع الناس عن أشياء حينما يسمعونها ينفرون منها، أو يواجهونها بردة فعل، هذا خطأ. فلا تحدث الناس بما ينكرون، بل حدثهم بما يعرفون، يعني بما يمكن أن يقبلوه ويستوعبوه. فإذا كانت هناك حقيقة من الحقائق لجعلهم بها لا يدركون، ارفع حالة الجهل عنهم أولاً ثم تحدث. ولذلك فان على من يتحدثون في أمثال هذه المجالس أن يتنبهوا إلى أن من يستمع هذا الكلام ليسوا فقط ضمن الدائرة الأولى فاللازم أين يكون الكلام معقولاً ومنطقياً ومستوعَباَ عند الآخرين، وإلا فأنت تسيء إلى أهل البيت فيما إذا أخرجت شيئًا لا يمكن استيعابه وتقبله.

وفي رواية جميلة عن جابر الجعفي رضي الله عنه يقول (دخلت على أبي جعفر وأنا شاب، فقال: من أنت؟ قلت: من أهل الكوفة جئتك لطلب العلم، فدفع لي كتاباً وقال لي: إن أنت حدثت به حتى تهلك بنو أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي. وإن أنت كتمت منه شيئاً بعد هلاك بني أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي) .

وهذا يعني أنه لابد أن ترى الظرف المناسب لما تقوله عن أهل البيت، ولما تحدث به من أحاديثهم، فالإمام هو بنفسه دفع له هذا الكتاب لكنه قاله له: إن الظرف غير مناسب لهذه الأحاديث. لذلك على الإنسان يراعي الظرف المناسب، والمحيط المناسب، والكلام المناسب والمكان المناسب. فقد اشتهرت روايات عن الرسول (ص) (إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم).

فينبغي للخطاب الديني لمدرسة أهل البيت (ع) وخصوصا في هذه الايام لوجود الجماهير الهائلة، ان يأخذ بالاعتبار هذا الجانب، حتى يقوم بايصال رسالته إلى كل المسلمين، ولكن من المؤسف أن الكثير من المسلمين لم يصلهم شيء من مدرسة أهل البيت، فأين رواياتهم وكتبهم في المناهج التدريسية ؟! فنهج البلاغة لا بد أن يصل لكل مسلم، وكذا الصحيفة السجادية، لما يتضمناه من الزاد الروحي والفكري والعلمي، اذا فينبغي أن تكون سيرة أهل البيت وحياتهم واضحةً لكل مسلم من خلال هذه المصادر النيرة.

ان أتباع أهل البيت من خلال هذه المجالس هم الذين يتحملون هذه المسؤولية، فإن الشيعة السابقون ضحوا بنفوسهم وحياتهم، بدمائهم أموالهم حتى يحفظوا تراث أهل البيت وينقلوه للناس، ونحن مؤتمنون على هذا التراث، وهذه الخزائن من الثروة الهائلة، لا لأجل أن ندخرها ونبقيها ونكتبها، بل علينا مسؤولية إظهارها ليعلمها بها الناس، (فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لتبعونا).

فالعالم اليوم تسوده حالة الوعي، مما يساعد على استيعاب القيم والمفاهيم والمبادئ الإنسانية التي تنسجم مع فطرة الإنسان ومصلحته. وهذا الوقت مناسب جداً لعرض سيرتهم ومفاهيمهم.

إنهم يتحدثون عن حقوق الإنسان. وفي سيرة أهل البيت تتجلى وثائق عظيمة ورائعة عن حقوق الإنسان كرسالة الحقوق للامام زين العابدين (ع) وكعهد الامام امير المؤمنين (ع) الى مالك الاشتر.

وكمثل على ذلك، كتب جورج جرداق وهو كاتب مسيحي قرابة خمس وثلاثين سنة كتاباً عن واحد من أئمة أهل البيت وهو الامام علي بن أبي طالب (ع) ، تحت عنوان (علي صوت العدالة الانسانية) تجد في هذا الكتاب شيئاً يسيراً من سيرة الإمام وليس كل سيرته أو كلامه في هذا المجال. ولو أن كلام أهل البيت وسيرتهم فيما يرتبط بحقوق الإنسان يبرز للعالم ويطرح أمام البشرية لعلم العالم من هم أهل البيت، ولعرفوا قيمتهم.

كما يتحدث العالم اليوم عن الحرية والديمقراطية، اقرأ في مدرسة أهل البيت (ع) وكلامهم تجد أروع المفاهيم والضوابط والمواقف والممارسات لاحترام الحرية.

وكذا تتحدث البشرية عن الحفاظ عن البيئة، اقرأ في مدرسة أهل البيت لترى كيف يعرضون هذا الأمر بالتفاصيل.

وفي الجملة لا تجد قضية من القضايا التي يتحدث عنها الإنسان اليوم وتهمه في العصر الحديث إلا وترى في مدرسة أهل البيت حول هذا الشيء الكثير.

اذا فاحياء امر اهل البيت (ع) لا يقتصر على البكاء ولا اللطم ولا القصائد الرنانة ولا الكلمات الرائعة فحسب، وانما الى جانب هذا بيان علومهم ومعارفهم التي جهلها الناس ((وما ارسلنا من قبلك الا رجالا نوحي اليهم فاسالوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون)).

هذا وفي الختام نأمل ان يتسامى المنبر الحسيني عن الخوض في الخلافات الشيعية سواء في مجال الفكر او مجال الشعائر فان الخوض في هذه الخلافات يوجب الانحياز لفئة دون اخرى او اثارة فوضى اجتماعية او تأجيج الانقسام بين المؤمنين، بينما المنبر راية لوحدة الكلمة ورمز للنور الحسيني الذي يجمع قلوب محبي سيد الشهداء (ع) هي مسار واحد وتعاون فاعل.

السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين